الفصل 51: نهاية الحادثة الأولى (2)

رغم عجز ديميان عن استخدام المانا والإرهاق الشديد الذي أثقل كاهله، إلا أنه واصل التحرك. استعاد قدرته على التحكم بجسده تدريجياً بعد أن أخذ قسطاً من الراحة، ليغدو القتال الجسدي المجرد من الهالة ممكناً بالنسبة له.

كُلاانغ!

كان الرجل الذي يواجهه قادماً بقوة عاتية، لكنه لم يكن منيعاً عن الموت. تكمن المشكلة في مهارته القتالية العالية وخبرته الطويلة، مما جعل تسديد ضربة قاضية إليه أمراً شبه مستحيل. ومهما حاولوا الهجوم في آنٍ واحد أو تنظيم خطط بديلة، كان "بيتريك" يراوغ أو يصدّ كل الهجمات التي تترصد حياته.

والآن، وبعد ما كشفه "نوح" عن استهلاك بيتريك لمدى حياته، تضاعفت قوته الإجمالية. وكما خطط نوح، وجّه تعليمات موجزة إلى "ريغنار" أثناء القتال.

كانت حالة "ريغنار" مأساوية للغاية؛ جرح غائر في صدره وجروح متعددة تنتشر في أنحاء جسده. لقد تلقى أضراراً جسيمة، لكنه تفادى معظم الضربات المميتة. ورغم تلك الجراح، كان "درايفن" يقف شامخاً، فالرغبة بالقتال كانت تتأجج في داخله كلما واجه خَصماً يفوقه قوة. تلك هي شيمة البرابرة؛ لا يستسلمون حتى الرمق الأخير.

ومع انضمام "أريشا" و"ديميان"، باتت مهمة بيتريك في القضاء على "درايفن" و"ريغنار" أكثر صعوبة. اصطدم سيف ديميان بخنجر بيتريك المغلف بدخان أسود مظلم. برزت عضلات ديميان تحت وطأة الضغط والهجوم العنيف، ثم استقرت ركلة قوية على جسده المنهك أساساً.

"غاه!!" صرخ ديميان وهو يرتد إلى الخلف ويتدحرج على الأرض.

أطلق درايفن صرخة مدوية تشبه صيحة الحرب، كان وجهه مليئاً بالجروح والكدمات والدم يقطر من فمه. ورغم كل ذلك، لم تتزعزع شجاعته لحظة واحدة.

ومع استمرار المعركة، ضرب بيتريك الثلاثة بقسوة؛ إذ أصاب خنجره كتف درايفن، وركبة ديميان، ثم وجه ركلة قوية إلى صدر ريغنار حيث شق جرحاً قطرياً. ورغم هذا النزيف، لم يمت أحد منهم؛ فقد كانت "أريشا" تنقذهم من مسافة آمنة في كل مرة يحاول فيها بيتريك تسديد ضربة قاضية، حيث واصلت تقديم الدعم وتغطيتهم مراراً وتكراراً.

كان تنفس أريشا متسارعاً ومضطرباً، وأصابعها تنزف جراء السحب المتواصل لوتر القوس. والأهم من ذلك، أن المانا لديها أوشكت على النفاد.

إعلان

عندما حاول بيتريك توجيه ضربة لنهر ديميان في عنقه، سحبت أريشا وتر قوسها وأطلقت سهماً من الطاقة الزرقاء الصافية. اهتز السهم في الهواء واخترق الفضاء نحو ذراع بيتريك، مما أجبره على تغيير مسار خنجره ليعترض السهم، وفتح ذلك مجالاً لديميان للابتعاد خطوة إلى الخلف.

كانت تلك آخر طاقاتها؛ حيث جثت أريشا على إحدى ركبتيها من شدة الإرهاق، متأملة أن تنتهي هذه المعركة الطاحنة سريعاً.

في هذه الأثناء، اقترب "نوح" من الساحة مستغلاً انشغال الجميع بالقتال، وأومأ لديميان بإشارة تفيد بأن اللحظة الحرج قد حانت. أومأ ديميان تفهماً، واندفع بجسده المصاب متحاملاً على الآلام التي تسري في كل جزء منه.

استغل ديميان الفرصة فور اشتباك بيتريك مع درايفن، ثم صرخ بأعلى صوته موئلاً إلى ريغنار المتواجد على يساره: "الآن!".

من الجانب الأيسر، تقدم نوح ممسكاً برمحه بيده اليمنى، بينما مدّ يده اليسرى مبادراً بتوجيه المانا لاستحضار تعويذة سحرية لم يستخدمها من قبل؛ تعويذة [ضبَاب الثَّلج].

اندفع ديميان ليمسك بإحدى ذراعي بيتريك من الكتف، إلا أن قوة بيتريك كانت أعتى من أن يتمكن ديميان من تثبيته بمفرده.

صرخ بيتريك بعينين مظلمتين تفيضان بالشر: "أرغ! ماذا تفعل أيها الصبي؟!".

وحين حاول بيتريك تحريك يده اليمنى للإطاحة بديميان بخنجره، تدخل درايفن وثبّته بالطريقة ذاتها مسقطاً فأس قتاله أرضاً: "ليس بهذه السرعة!".

في هذه اللحظة، أكمل ريغنار إلقاء تعويذته على بعد أمتار قليلة منهم؛ تعويذة [انفِجَار الصَّوت].

خرجت موجات صوتية هادرة من الدائرة السحرية لتضرب وجه بيتريك مباشرة. حدث كل شيء في غضون ثوانٍ معدودة؛ فبينما كان بيتريك ممسوكاً بإحكام، داهمته الضربة بشكل مباشر.

ارتد رأس بيتريك إلى الخلف بفعل قوة الموجة الصوتية، وصرخ بألم مبرح: "أاارررغغغ!!!".

أصبح هناك طنين حاد في أذنيه وفقد القدرة على السمع لبرهة، واهتز عقله غير مدرك لما يدور حوله. ورغم ذلك، ظل متمسكاً بخنجره بقوة دون أن يسقطه.

ومثلما تأثر بيتريك، ابتعد درايفن وديميان قليلاً عن جسده وهما يغطيان آذانهما من أثر الانفجار الصوتي.

أرادت أريشا إطلاق سهم آخر نحو بيتريك وهو في حالة الذهول تلك، لكن طاقتها استُنزفت بالكامل.

فكر نوح بانزعاج: (تباً! ظننتُ أنها قد تهاجمه وتجهيز عليه... ولكن يبدو أنها بلغت حدها الأقصى... الآن يجب عليّ تنفيذ هذه الخطة المجنونة).

بدأت المانا تتدفق عبر مسارات الطاقة لديه، ممتدة من نواته عبر ذراعه وصولاً إلى راحة يده. شعر بالبرودة تتجمع عند أطراف أصابعه وهو يحاول السيطرة على التدفق. أمام يده، بدأت خطوط زرقاء شاحبة تشبه الثلج تظهر في الهواء، مشكّلة ملامح دائرة سحرية كان قد حفظ رسمها منذ زمن. اتصلت الخطوط ببعضها لتكون الرموز والأنماط والمسارات.

ولكن، ما إن بدأت الدائرة بالتثبيت حتى أخذت ترتجف وتضطرب. تذبذبت الخطوط والرموز، وأصبحت مسارات المانا غير متوازنة؛ كانت الدائرة غير مستقرة على الإطلاق.

أدرك نوح المشكلة فوراً؛ فتدفق المانا لم يكن منتظماً، وسرعة التدفق كانت خاطئة، مما جعل بعض المسارات تتلقى طاقة زائدة بينما تفتقر إليها المسارات الأخرى. في الظروف العادية، يتوجب على الساحر إلغاء التعويذة فوراً، لكن نوح لم يستطع الاستسلام هنا.

امتلأت عيناه بالتصميم، وضغط على أسنانه وهو يضخ المزيد من المانا داخل الدائرة: (لا يمكنني التوقف الآن... أريد استخدامها مهما كلف الثمن!).

توهجت الدائرة الثلجية بشكل عنيف مع اندفاع المانا، وبدأت المسارات غير المستقرة بالتصدع والسطوع الشديد بعدما فشل البناء السحري في تحمل الضغط. اهتزت الدائرة بجموح، فصرخ نوح: "تجسّدي... الآن!".

2026/09/27 · 46 مشاهدة · 820 كلمة
Rams
إعلان
نادي الروايات - 2026