الفصل 52: نهاية الحادثة الأولى (3)
توهجت الدائرة الثلجية بشكل عنيف مع اندفاع المزيد من المانا داخلها. وبدأت المسارات غير المستقرة بالتصدع والسطوع الشديد بعدما فشل البناء السحري في تحمل الضغط، واهتزت الدائرة بجموح.
صرخ نوح: "تجسّدي... الآن!".
كان عقله ينبض بألم حاد، ورغم ذلك لم يتوقف. في الوقت نفسه، ركز نظره على بيتريك، وتحديداً على الأرض تحت قدميه. سرت بعض المانا عبر قدمي نوح نحو الأرض لتشكل طبقة جليدية صغيرة تحت بيتريك. كان تشكيل هذا الجليد أسهل وأسرع بكثير بالنسبة له مقارنة باستحضار تعويذة جديدة.
وبينما كان البناء السحري للدائرة يتداعى لكونه خاطئاً من الأساس، تصادمت المانا في الداخل، فانكسرت الأنماط وتحطمت المسارات لتنهار الدائرة السحرية بالكامل. لكن نوح لم يوقف تدفق طاقته...
تَرَاااخ!
انفجرت الدائرة في شظايا هادرة من المانا. اصطدمت الارتدادات العكسية بيده مباشرة، فالتوت مسارات المانا في ذراعه اليسرى بعنف، وسُمع صوت كسر حاد إثر تعرض عظامها وعروقها لتشققات وتصدعات دقيقة. تفجر الدم من كفه وأصابعه وسال على طول ذراعه.
عادةً لا يتلقى الساحر كل هذا الضرر، ولكنه بسبب ضخه لمانا مفرطة، تعرض لارتداد عكسي عاتٍ.
ورغم ذلك الانفجار... انتشر الهواء البارد بسرعة خاطفة.
غمر ضباب أبيض كثيف ساحة المعركة. وفي غضون ثوانٍ، أصبح ضباب الثلج كثيفاً لدرجة أنه غطى عدة أمتار في كل اتجاه، محولاً المنطقة بأكملها إلى غيمة بيضاء يحجب الرؤية تماماً ولا يمكن إبصار شيء خلالها. لم يكن أحد يعلم ما يجري بالداخل، وحده الضباب الثلجي البارد غطى المكان.
أما نوح... فقد كان بمقدوره الشعور بما يدور داخل الضباب بشكل أفضل بكثير؛ ربما لأنه صانعه، أو بسبب ألفته الشديدة مع عنصر الجليد.
ورغم تحطم يده اليسرى والدم القاطر منها، تحرك نوح داخل الضباب ممسكاً برمحه بإحكام بيده اليمنى. اتجه نحو الموقع الذي يقف فيه بيتريك.
في داخل الضباب، كان بيتريك يقف في مكانه يغطي أذنيه محاولاً استعادة حواسه. لم يستوعب ما يجري حوله؛ فالضباب أعدم رؤيته، والانفجار الصوتي لا يزال يطن في أذنيه، بينما ينبض عقله بألم مبرح. وفي تلك اللحظة، تحرك شيء ما تحت قدميه.
الجليد الصغير الذي تشكل سابقاً تحت قدميه بدأ يتمدد فجأة من حيث لا يعلم، ليجمد ساقيه ويثبتهما في مكانهما تماماً.
صرخ بيتريك بذهول وهو يحاول الفكاك منهما: "ما هذا بحق...؟!".
في الوقت نفسه، اندفع سيف نحوه من جهة اليسار. لم يستشعر بيتريك الهجوم إطلاقاً؛ فمن أين أتى؟
اصطدم السيف بذراعه العلوية... وسحقها لتتناثر الدماء.
بدأت حواسه تعود تدريجياً وبات أفضل حالاً الآن، لكن الأوان كان قد فات للقيام بأي رد فعل؛ فنظراً لتجمد ساقيه اللتين ظهرت بهما بعض التصدعات، داهمه هجوم أسرع من أي شيء آخر.
من خلفه، ظهر نوح ممسكاً برمحه، وعيناه تفيضان بالتصميم والسيطرة للقضاء على عدوه.
إحدى يديه كانت مصابة والدم يقطر منها، وجسده مليء بالجروح والندوب في كل مكان. لكن الرمح الذي يحمله بيده اليمنى تحرك بسرعة وقوة هائلتين.
شِلِيك!
مَزق حدّ الرمح مؤخرة عنق بيتريك ليخرج من الجهة الأمامية لحنجرته.
تناثرت الدماء وانفجرت كالمصورة.
أصدر بيتريك أنة مكتومة: "غاه-!". أراد الصراخ بأعلى صوته من شدة الألم، لكنه لم يستطع بعد أن تدمرت حنجرته بالكامل.
لبثا في ذلك الوضع لبرهة، بينما كان تنفس نوح مجهداً ومتثاقلاً.
كان بيتريك على وشك الموت، ولكن فجأة... أدار رأسه بزاوية 180 درجة ليواجه وجه نوح مباشرة!.
اتسعت عينا نوح برعب شديد. كانت العيون السوداء الخاوية لبيتريك تحدق في عينيه الزرقاوين، وتعتلي وجهه ابتسامة عريضة شاحبة. ورغم عنقه الممزق، تمكن من الهمس بشؤم: "في المرة القا...".
لكن نوح لم يدعه يكمل عبارته.
طَخ!
تفجرت الدماء من العنق كالمصورة لتغمر نوح وتلطخ وجهه بالكامل. ثم سقط جسد بيتريك على الأرض بإيقاع ثقيل.
حدق نوح في جثة بيتريك الهامدة، والابتسامة المريبة على وجهه لم تبتعد. أخيراً، انتهت المعركة؛ فقد كان قتله بهذه الطريقة أسهل بكثير.
بدأ الضباب يتبدد تدريجياً في الهواء.
على مسافة من الساحة التي كان يقاتل فيها نوح والآخرون بيتريك، كانت الوحوش لا تزال تعيث فساداً وتدميراً. وكان "ليبريا" و"ليونارد" يقاتلان تلك الوحوش بكل ما أوتيا من قوة لمنعها من التقدم نحو بقية المجموعة.
كانا في غاية التعب والإرهاق أيضاً. ولكن في تلك اللحظة، دوت فرقعة قوية في القبة السماوية فوقهم.
رفع كلاهما رأسه نحو السماء ليراها وهي تتشقق وكأنها زجاج شفاف يتكسر في الأعالي.
تَحَطَّمَت!
سرعان ما تحطمت القبة إلى جزيئات دقيقة وتلاشت في الفراغ.
وفور حدوث ذلك، توقفت الوحوش الثائرة عن الهياج فجأة. تجمدت أجسادها دون أن تحرك إنشاً واحداً. وفي اللحظة التالية، انفجرت جميع أجسادها وتحولت إلى دماء بفعل قوة مجهولة!.
تعجب ليونارد بذهول: "ما الذي يحدث؟!".
بينما قالت ليبريا وصدمة تملكها: "كيف ماتوا جميعاً?!".
في تلك اللحظة، ظهر رجل يرتدي بذلة سوداء... إنه المدير "أدريان إيغيوس".
جالت عيناه السوداوان في المكان بأكمله. لقد أبذ كل الوحوش في المنطقة دون أن يمسها حتى؛ وتلك هي قوة شخص يقف في قمة السلم البشري.