الفصل 53: نهاية الحادثة الأولى (4)

في اللحظة التي قطع فيها نوح رأس بيتريك...

في مكان بعيد عن أكاديمية "نوفاريس"، وفي المدينة نفسها، داخل غرفة بداخل فندق صغير، كان هناك رجل يستلقي على سرير فردي. كانت الستائر مغلقة والأنوار مطفأة.

كان الرجل مستلقياً بلا حراك. ثم تحركت أصابعه واهتزت جفناه وهو يفتح عينيه ببطء، ليحدق بعينيه السوداوين في السقف بخمول.

جلس الرجل على السرير؛ كان شعره البني الغامق مشعثاً والعرق يقطر من جبهته ببطء. كان يبدو في أواخر الثلاثينيات من عمره.

مرر يده اليمنى على عنقه ببطء وقال: "ما زلت أشعر بذلك الألم في عنقي".

وضع قدميه على الأرض واستوى جالساً على أطراف السرير ومدد جسده قائلاً: "ديميان... ذلك الفتى كان شيئاً آخر حقاً. يتوجب عليّ إبلاغ مالفـ- أقصد الرئيس... يجب أن أظهر بعض الاحترام لذك العجوز، هههه~".

ثم تمتم لنفسه بابتسامة خفيفة: "ديميان يمتلك موهبة خطيرة بحق؛ استطاع بمفرده قتل وحش من الرتبة D العالية... ولم يكن وحشاً العادياً، بل كان قوياً بما يكفي للقضاء على وحوش الرتبة C. لقد اصطدته خصيصاً من أجلهم".

وأضاف: "... وذاك الفتى ذو الشعر الأبيض... من يكون؟ لم أسأله عن اسمه! هاه، كان ممتعاً. عليّ قتله في المستقبل".

"أما الآن، فلنبلغ الرئيس".

أخرج الرجل هاتفه المحمول، ثم اتصل برقم خاص. وسرعان ما أُجيب على المكالمة من الطرف الآخر.

على مسافة قصيرة، جلست "أريشا" على الأرض غير أبالية بأي شيء؛ فقد قضوا عليه وأخيراً انتهى الأمر. بينما استند "ريغنار" على جدار المبنى المهدوم، والجروح تغطي جسده بالكامل، لكن تعابير الرضا كانت تعلو وجهه.

أما "درايفن"، فقد كان مستلقياً على الطريق يحدق في السماء بلا حراك، وتمتم بصوت خافت: "عمل رائع... يا نوح". لم تكن حالته أفضل حالاً؛ فالجروح تنتشر في جسده، وهناك قطع كبير فوق ركبتيه والدماء لا تزال تسيل منهما نحو الأرض.

وعلى بعد خطوات منه، جلس "ديميان" والسيف ملقى على الطريق بجانبه، ممسكاً بالأرض بيديه خلفه ليدعم جسده المنهك كي لا يسقط.

في هذه الأثناء، ظل "نوح" واقفاً بالقرب من الجثة متكئاً على رمحه. كانت الدماء تقطر من يديه والجروح تغطي جسده. أخيراً، استطاع قتل بيتريك.

رمش ب عينيه بذهول: "لـ... لقد قتلت...".

في زحمة الصراع من أجل البقاء، لم يخطر بباله حتى أنها المرة الأولى التي يقتل فيها أحداً؛ فهو لم يسبق له إزهاق روح بشرية من قبل، وحتى "نوح القديم" لم يسبق له قتل أي إنسان. لم تساوره فكرة أنه سيقتل شخصاً قط، ناهيك عن الطريقة الوحشية التي قُتل بها بيتريك أمام عينيه؛ حيث تناثرت الدماء في كل مكان كالمصورة لتلطخ كل ما حوله.

بدأ قلبه يخفق بسرعة شديدة، واضطرب تنفسه وزاغ بصره. لم يستطع تحديد سبب هذا الشعور؛ هل هو استيعابه المفاجئ لأنه أنهى حياة إنسان، أم بسبب استنزاف الدماء والإرهاق الشديد؟

كان يعلم أن ذلك الرجل كان يتحكم بجسد عامل يدعى بيتريك... فماذا لو كان بيتريك بريئاً وحياً في أجزاء من هذا الصراع؟ ولكن على أي حال، بيتريك قد مات الآن، وعلى يد نوح.

حدق نوح في رأس بيتريك المقطوع والذي لا تزال تلك الابتسامة المريبة ترتسم عليه. هز رأسه محاولاً طرد هذه الأفكار غير النافعة من عقله.

سأله ديميان بابتسامة من جانبه: "هل أنت بخير يا نوح؟ لقد قمت بعمل رائع يا رجل".

ابتسم له نوح ومؤماً برأسه: "أجل... أظن أنني فعلت... لا، بل جميعنا قمنا بعمل رائع".

أغلق نوح عينيه لثانية واحدة؛ فقد كان على وشك فقدان الوعي. أبقاهما مغلقين لبرهة، ثم فتحهما ليجد نفسه فجأة في مكان آخر تماماً!.

تمتم بصوت خافت: "ما هذا بحق السحر؟ أين أنا؟".

جال ببصره حوله ليرى ما هناك؛ كان المكان عبارة عن فراغ مطلق، لا أرض فيه ولا ضياء. الظلام يمتد في كل اتجاه. شعر وكأنه يطفو، ورغم ذلك كان يشعر بشيء تحت قدميه... أو ربما لا، لم يكن متأكداً.

كان الصمت في هذا المكان مرعباً ومروعاً؛ فلا رياح، ولا صوت يُسمع، ولا شيء يُرى... فقط سواد تام.

إعلان

سرى خوف غريب في جسده كدبيب حشرات باردة تتحرك تحت جلده، وأخذت ضربات قلبه تتسارع:

طَخ...

طَخ...

طَخ...

كان صوت دقات قلبه يتردد صداه في ذلك الفراغ المظلم، مما زاد من توتره وقلقه.

همس مجدداً: "مـ... ما هذا المكان...؟". حتى صوته بدا غريباً، وكأن الظلام يبتلع الصوت قبل أن ينتقل في الهواء.

بدأ يسير ببطء متفقداً ما حوله بحذر، ولكن مهما مشى، لم يتغير شيء؛ فالظلام ظل كما هو في كل جانب. وازدادت ضربات قلبه سرعة...

فُووووووش!

تعثر نوح متراجعاً خطوة إلى الخلف، ورفع ذراعيه ليغطي وجهه. كانت الرياح حارة وكأنها قادمة من أتون مرجل محترق، وتحمل معها رائحة معدنية غريبة... رائحة الدم!.

أنزل نوح ذراعه ببطء ونظر نحو الاتجاه الذي أتت منه تلك الرياح الحارة.

في البداية، لم يرَ شيئاً... ولكن فجأة، انفتحت عينان عملاقتان بلون الدم في قلب الظلام!.

كانتا ضخمتين بشكل يفوق التخيل، أكبر بكثير من عيون أي مخلوق؛ كانت كل عين كأنها قمر قرمزي ضخم يطفو في الفراغ، وبؤبؤاهما الأسودان الشاقوليان يحدقان في نوح مباشرة.

وفي اللحظة التي التقت فيها عينا نوح بتلك العينين الحمراوين، حلت عليه هالة ضغط مرعبة. تجمد جسده في التو؛ فلم يعد قادراً على الحركة أو حتى التنفس.

ثم جاء الألم... ألم رهيب لا يُطاق سرى في كامل جسده وكأن ملايين الإبر تطعنه من الداخل.

صرخ نوح بأعلى صوته من شدة العذاب وعيناه متسعتان: "آاااااااااخغغغغغ!!!".

شعر وكأن عظامه تُسحق، وعروقه تُمزق، وأعضاءه الداخلية تُعصر بأيدٍ خفية.

بدأت الدماء تسيل من عينيه، ثم من أنفه، ثم من فمه.

أخذت رؤيته تهتز بعنف، لكن العينين الحمراوين ظلتا واضحتين أمامه دون أن ترمشا.

تضاعف الضغط الهائل، وبدأت تصدعات دقيقة تظهر على بشرة نوح كالزجاج الموشك على التحطم، وأخذت الدماء تتسرب منها.

صرخ مجدداً وصوته يتحشرج: "أااااااااخغغغغغ!!!".

بدأت ذراعاه بالتفتت والتمزق مع تناثر الدماء منهما. حاول إبعاد نظره عن هاتين العينين، لكنه لم يستطع تحريك شيء.

ظلت العينان الحمراوان تحدقان فيه؛ باردتين، قديمتين، ومفزعتين...

حتى تحطم جسده بالكامل إلى أشلاء صغيرة من اللحم.

2026/09/27 · 48 مشاهدة · 906 كلمة
Rams
إعلان
نادي الروايات - 2026