الفصل الرابع والخمسون: أخيرًا في أمان
"آاااااااه!!"
دَوَّت صرخةٌ مدويةٌ في أرجاء الغرفة الفسيحة.
انتفض "نوح" جالسًا على السرير، وعيناه متسعتان على وسعهما بذهولٍ ورعبٍ وإحساسٍ جارفٍ بالخطر.
"هاه... هاه... هاه..."
كان يلهث بضراوة وتنفسه متقطّعٌ متموج. يتصبب العرق من جسده بالكامل حتى أغرق ملابسه، بينما اتجهت نظرات عينيه الزرقاوين المليئتين بالرعب نحو الفراغ أمامهما.
ابتلع ريقه بصعوبة، وشرع بلمس جسده وتفقده على الفور؛ تفحص عضلاته، وذراعيه، وصدره، ثم مرر يديه بسرعة على عنقه ووجهه بأكمله.
لم تكن هناك أي تشققات أو كسور في جسده، بل مجرد ضمادات قليلة موزعة هنا وهناك.
عندها فقط استوعب ما حوله وشعر بشيء من الارتياح.
سأله "ريجنار" بصوتٍ ينضح بالقلق وحاجباه معقودان من جواره: "ما الذي حدث بحق الخالق يا نوح؟! لمَ صرخت فجأة؟". كان الصوت مألوفًا بالنسبة له.
التفت "نوح" ليرى "ريجنار" مستلقيًا على سرير أبيض بجانبه. كانت ذراعاه ملفوفتين بالضمادات، بينما بدأت الجروح والكدمات التي تغطي وجهه بالتأمل والشفاء.
ومن الجانب الآخر لـ "نوح"، سأله "داميان" بنبرة تُبدي الاهتمام وهو يرمقه بنظرات ممتلئة بالحرص: "أجل... هل أنت بخير؟".
فقد كان يتمدد على سرير آخر بالجهة المقابلة.
تردد نوح وتمتم بخفوت: "أوه... أنا...".
في تلك اللحظة، ومضت في ذهنه ذكريات تواجده في ذلك المكان المجهول ورؤيته لتلك العينين الشبيهتين بالقمرين لكائنٍ غريب لا يعلم كنهه. إن ألم الرعب الذي اعتصره جراء تلك العينين كان شيئًا لم يسبق له معايشته قط، ألمٌ جعل روحه تبدو وكأنها تحطمت إلى شظايا.
حدث نفسه وهو يصارع لتهدئة روعه: 'هل كان ذلك مجرد حلم؟ كابوس مروع...'.
في هذه الأثناء، اقتربت منه امرأة ترتدي معطفًا طبيًا أبيض. كانت تتزين بشعر أسود داكن، ويبدو أنها المسؤولة عن المستوصف.
أجابها نوح متداركًا: "أوه... أنا بخير... لقد رأيتُ كابوسًا سيئًا فحسب".
رمقت المرأة هيئته المرتعدة، وجسده المغطى بالعرق، وتنفسه المضطرب، وتعابير وجهه الخائفة. اقتربت منه أكثر، وتناولت قطعة قماش ناعمة ونظيفة كانت مطوية بعناية على الطاولة الصغيرة المجاورة لسريره، ثم أخذت تمسح العرق عن وجهه برفق.
قالت له بنبرة حانية وهي تجفف جبهته: "يبدو أنه كان كابوسًا مروعًا بالفعل. على كلٍّ، هدئ من روعك الآن... لم تعد في خطر".
لم يمنعها نوح، وبدأ ضربات قلبه وتنفسه يستقران ويهدآن تدريجيًا. واستوعب حينها أنه يتواجد في المستوصف، وأنهم جميعًا باتوا في أمان الآن.
كانت القاعة شاسعة، تنتشر فيها الأسرة المصفوفة على جانبيها. وكان هناك العديد من الطلاب المصابين يغطون في النوم، بينما استيقظ قليل منهم على أثر صرخة نوح العالية.
كانت الأضواء الخافتة الموزعة في زوايا الغرفة تضيء المكان بدرجة كافية للرؤية، ودون أن تزعج نوم الآخرين.
وقع نظره على الساعة المعلقة على الجدار.
'إنها التاسعة مساءً'.
سحبت المرأة يدها بعد أن مسحت وجهه، وقالت بلهجة هادئة: "عليك أن ترتاح الآن. ستكون بخير بحلول الغد".
رد نوح باختصار: "شكراً لكِ".
ابتسمت له ابتسامة خفيفة ثم غادرت.
استلقى نوح مجددًا على السرير.
فكر في الأمر... لقد كان حلمًا لم يستغرق أكثر من دقيقة واحدة، ومع ذلك شعر وكأن ساعات طوال قد مضت. كان يفكر كيف أنه غرق في ذلك الحلم لدقيقة... بينما كان فاقدًا للوعي في الواقع لعدة ساعات.
علق "داميان" وهو يخرج زفيرًا خفيفًا: "لقد رأيت كابوسًا عصيبًا بحق".
ثم أردف نوح متسائلاً: "على أي حال... ما الذي حدث بالفعل؟ لا أذكر شيئًا... منذ أن فقدت وعيي".
أجابه "داميان" بهدوء: "همم... لقد كنت بخير... لا، ليس بخير تمامًا، بل كنت مصابًا بجروح بالغة وفقدت الكثير من الدماء، ومع ذلك كنت تواصل الصمود واقفًا باستنادك على رمحك. وعندما أثنيتُ عليك قائلاً: 'عمل جيد'... ابتسمت، ثم سقطت أرضًا وغبت عن الوعي".
"أهكذا إذن... على أي حال، من الجيد أننا في أمان".
قال "ريجنار" والابتسامة تعلو محياه: "أجل... في اللحظة التي قتلت فيها ذلك الوغد، تحطم الحاجز كأنه زجاج. وفي اللحظة التالية، ظهر المدير وقضى على جميع الوحوش خلال ثوانٍ معدودة".
علق نوح: "أوه، هذا رائع".
لكنه أردف في سريرته مستغربًا: 'ما هذا بحق السماء؟ إذا كان المدير هنا... ألم يكن قويًا بما يكفي لاختراق الحاجز والدخول؟ أو ألا يمتلك ذلك القوي الشديد القدرة على الانتقال الآني إلى الداخل؟'.
لم يكن نوح يعرف الكثير عن "أدريان"، لكنه يعلم يقينًا أنه يُصنف كأحد أقوى الكائنات في هذا العالم.
فكر نوح محاولاً التحليل: 'همم... إذن لا بد أن الأمر كان مخططًا له بإحكام... الشخص الذي أنشأ هذا الحاجز يجب أن يكون في مثل قوة أدريان... أو ربما أشد قوة منه'.
لاحظ "داميان" شروضه، فقال بكسل وهو يضع يديه خلف رأسه ويحدق بالسقف: "هل غنيت في التفكير مجددًا؟".
رد نوح: "كنت أفكر فقط في ذلك الكائن... حسناً، لننسَ الأمر الآن. كيف حال الآخرين؟ أين هم؟".
أجابه داميان وهو يستدير إلى الناحية الأخرى: "انظر بجانبي...".
التفت نوح إلى اليمين حيث يتواجد ريجنار، وعلى الجانب الآخر كان "درافين" يستغرق في نوم عميق.
قال نوح باعتذار: "أسف على إزعاجكم...".
ثم أضاف متعجبًا: "هذا الفتى لم يستيقظ حتى بعد صرختي تلك!".
ضحك ريجنار خفية وهو ينظر إلى درافين: "أجل... إنه في نوم عميق للغاية".
سأل نوح باستفسار: "صحيح... أين أريشا؟ هل هي بخير؟". كان يتساءل عنها وعن "ليريا".
جاءه رد هادئ من أحد الأسرة المقابلة بصوت حاد وواضح: "هل اشتقت إليّ بالفعل؟ أنا بخير، لا تقلق بشأني". كانت "أريشا" مستلقية هناك ترتاح.
رفع نوح رأسه قليلاً ليرمقها، ثم ضحك بخفوت وهو يعيد رأسه إلى الوسادة: "أجل اشتقت إليكِ... هيه، شكراً لكِ على مساعدتي حينها".
أجابته أريشا بنبرتها الجليدية المعتادة: "لا داعي للشكر، لقد فعل كل منا ما يتوجب عليه في ذلك الوقت...".
"حسناً، وأين ليريا؟".
صدر صوت رقيق من الجوار: "أنا بجانب أريشا تمامًا".
سألها نوح: "كيف حالكِ؟ هل أنتِ بخير؟".
ردت بلطف: "أجل، أنا بخير... وماذا عنك يا نوح؟ هل أصبحت أفضل الآن؟".
"أنا أفضل بكثير، شكراً لسؤالكِ".
ثم يحدث نفسه: 'إنها لطيفة وطيبة كعادتها دائماً'.
دفَع نوح نفسه محاولاً النهوض من السرير.
رفع ريجنار حاجبه متسائلاً: "إلى أين أنت ذاهب يا نوح؟".
أجابه: "إلى الحمام... أين يقع؟".