الفصل الخامس: نوح إلدريتش (3)
خطا الرجل إلى داخل الغرفة بكامل جسده، وأُغلق الباب خلفه بنعومة.
كان يبدو في أواخر عشرينيات عمره، يعلو رأسه شعر بني قصير ومصفف بعناية. أطلت من عينيه الخضراوتين كالزمرد هدوءٌ وصفاء يحملان في طياتهما ثقة واثقة غير متكلفة، أما ملامحه فكانت مسترخية، لا تنضح بودٍ مفرط ولا ببرودٍ جاف.
كان طويلاً وقوي البنية، بعريضِ كتفين سدّا ممر الباب بسهولة. وحتى من دون درعٍ أو سلاح، لم يكن هناك أدنى شك في أنه رجل خاض نزالات وجولات في المعارك... إنه الرجل نفسه الذي انتشل "نوح" من براثن الموت في الغابة.
دنا من السرير بخطوات خفيفة تسعى فوق الأرضية المصقولة.
وقال بصوت ثابت وهادئ:
— "إذاً، كيف حالك الآن؟"
طرف نوح بعينيه، ثم دفع بجسده أداءً لجلسته ببطء، متأوهاً بخفة لكنه استطاع النهوض دون مشقة كبيرة.
ردّ نوح بعد برهة بصوت بحّاتُه واضحة:
— "أنا... أنا على قيد الحياة. أعتقد أن هذا أمر جيد."
ارتسمت على وجه الرجل ابتسامة باهتة يكسوها الارتياح، وقال:
— "بل هذا أفضل من جيد. لقد كنت في حالة سيئة للغاية عندما وجدتك، ولم أكن واثقاً من أنك ستستفيق بهذه السرعة."
تأمله نوح بعناية؛ إذ كان هدوؤه وخلوّه من الغرور يبعثان على طمأنينة غريبة.
قال نوح بصوت خفيض:
— "لقد أنقذتني... في الغابة."
هز الرجل رأسه مرة واحدة وكأن الأمر لا يستحق الذكر، وأجاب:
— "فعلت ما كان عليّ فعله. استرح الآن، فأنت في أمان هنا."
ترددت كلمة الأمان في ذهن نوح لأطول مما ينبغي. شعر بالارتياح، لكنه في أعماقه كان يعلم أن هذا الهدوء لن يدوم إلى الأبد.
تطلعت عيناه إلى الأسفل وهو يطلق زفرة طويلة.
زفرة...
كانت لدى نوح بعض الذكريات عن هذا الجسد؛ ذكريات متناثرة، لكنه تذكر كيف انتهى به المطاف في تلك الغابة.
لقد جاء إلى هناك بنية التدرب، وقتل الوحوش، وتعلم كيفية استكشاف الغابة بمساعدة مرشد وفرته النقابة. وكان معه شباب آخرون، قادمين مثله تماماً لممارسة التدريب واكتساب الخبرة.
كانوا يستكشفون منطقة يُفترض ألا تجوبها إلا وحوش ضعيفة من المنخفضة الرتبة، حيث كان من الممكن تقريباً استحالة وجود وحش قوي هناك.
لكن الكارثة وقعت؛ حيث ظهر وحش من رتبة عالية، وقتل الجميع... باستثناء نوح.
ربما كان نوح قد مات هو الآخر... وحلّ "آرون" مكانه.
اكتفى نوح بالإيماء وهو يستمع إلى الرجل الواقف أمامه، وقال:
— "لا تعتذر، فهذا ليس خطأك. و... شكراً لك مجدداً، لقد أنقذتني في الوقت المناسب."
في الحقيقة، كان أولئك الرجال الآخرون غرباء بالنسبة له؛ لم يكن يعرفهم. وكان وجود مرشد برتبة (D) كافياً لجولتهم الاستكشافية، إذ لم يكن يُفترض وجود أي وحش أعتى من الرتبة (D) في تلك المنطقة. ولكن يبدو أن حظهم كان عاثراً للغاية.
كانت الغابة تابعة لنقابة متوسطة المستوى تُدعى "القبضة الحديدية". وكان نوح قد التحق ببرنامج استكشافي تدريبي ليتمكن من التدرب هناك واكتساب بعض الخبرة.
هذا كل ما استطاع تذكره حتى الآن.
— "ماذا تقصد بقولك إنني مختلف؟"
رد الرجل:
— "نوح إلدريتش... الابن المنفي للدوق إلدريتش. أنت لا تملك تلك الشخصية الخبيثة أو السيئة التي تتحدث عنها الشائعات."
صدمت تلك المعلومة نوح.
(ما هذا بحق السماء؟ ابن الدوق إلدريتش؟ وابن منفي أيضاً! ما هذا الحظ الساخر؟ إنها أسوأ حبكة مبتذلة ممكنة!)
مرة أخرى، لم يسترد ذكرياته دفعة واحدة، بل كانت تعود إليه ببطء، لذا لم تكن لديه معرفة كاملة عن نفسه بعد.
فكر بمرارة: (إذاً كنت سيداً شاباً طائشاً ومتهوراً... ارتكب أفعالاً شنيعة... وفي النهاية نُفي من عائلته. تباً! هذا أسوأ موقف يمكن أن أقع فيه).
بدأ نوح يلعن حظه ووضعه الحالي، بينما واصل الرجل ذو الشعر البني مراقبته.
وعندما أدرك نوح أن الرجل ما زال يرمقه بنظراته، قال:
— "حسناً... لقد تغيرت كثيراً منذ أن نُفيت. والآن أدركت كم كنت مخطئاً."
ثم أتبع كلامه بابتسامة مرتبكة. وبما أنه لم يكن يملك معلومات كافية عن ماضيه، لم يكن أمام نوح سوى أن يطلق بعض الكلام المرسل.
فقال الرجل:
— "أوه... أستطيع تفهم ذلك. الظروف قد تغير البشر، إما للأفضل أو للأسوأ، ويبدو أنها تركت أثراً طيباً عليك."
لم يرد نوح، واكتفى بالإيماء مجدداً، ثم قرر تغيير مجرى الحديث:
— "على أي حال، ما اسمك؟ لقد أنقذت حياتي ولا أعرف حتى اسمك يا سيدي."
شبّك الرجل ذراعيه أمام صدره وضحك بقهقهة خفيفة:
— "ههه، لا داعي لقول 'سيدي'. اسمي سيدريك وينستون، يمكنك صداقتي ودعوتي بسيدريك."
— "حسناً، في هذه الحالة سأناديك باسمك. شكراً لك مجدداً يا سيدريك."
— "أقدر لك ذلك. هذا أقل ما يمكننا فعله لك بعد أن أوشكت على الهلاك بسبب قصورنا. على أي حال، حان وقت ذهابي، نلتقي لاحقاً."
— "أجل، نلتقي لاحقاً."
ومع تلك الكلمات، غادر سيدريك وترك نوح بمفرده.
وما إن خلا بنفسه حتى أغمض نوح عينيه ومتمت:
— "هذا كثير جداً... الموقف أكثر خطورة مما ظننت."
كان يتذكر أين يعيش حالياً، وكان يملك بعض المال؛ إذ يبدو أن عائلته لم تصادر حساباته أو أمواله. لكن المشكلة الحقيقية الآن تكمن فيما اقترفه "نوح" القديم. فمهما كانت الكوارث التي تسبب بها الأخير، أصبحت الآن مسؤولية يجب عليه التعامل معها.
(على الأقل سأحصل على بعض التعويضات المالية... لكن لماذا قررت خوض تدريب الاستكشاف هذا؟ هل كنت حقاً شخصاً يسعى للتدرب بجد ويرغب في أن يصبح أقوى؟)
دلك نوح صدغيه محاولاً التذكر بأقصى ما يستطيع، وفي تلك اللحظة اتسعت حدقتا عينيه.
(الأكاديمية! ستفتح أبوابها قريباً! لقد كنت أحاول أن أصبح أقوى وأكتسب الخبرة قبل أن تبدأ الدراسة في الأكاديمية!)
امتقع وجه نوح وتردّت ملامحه؛ فهو سيد شاب منفي وسيء السمعة، وأمامه الآن دخول الأكاديمية... كان بإمكانه التكهن منذ الآن بأن الأمور لن تكون سهلة على الإطلاق بالنسبة له.
ورغم قلة معرفته بـماضيه، إلا أنه بدأ يستوعب دوره وشخصيته في هذا العالم...