الفصل السادس: مأوى مؤقت
وقف "نوح" عند مدخل المستشفى بعد أن تم إذن خروجه عقب قضائه اليوم بأكمله هناك.
كان يرتدي قميصًا قطنيًا بسيطًا باللون الكحلي وبنطالاً أسود. ورغم أن شعره الأبيض كان لا يزال مبعثرًا قليلاً، إلا أن بنيته القوية وطوله البالغ نحو 182 سنتيمترًا —ما يقارب الأقدام الستة— كانا يمنحانه حضورًا لافتًا.
وفي الواقع، حين نظر "نوح" إلى انعكاس صورته في المرآة صباح اليوم، تملكته الحيرة والسرور في آنٍ واحد؛ فقد كان وسيمًا للغاية، ومثل هذا الأمر يسعد أي شخص بالطبع. علاوة على ذلك، استرد أمواله وحصل على تعويض إضافي، مما زاد من سروره.
بدأ "نوح" يخطو عبر شوارع المدينة.
كان يقيم حاليًا في مدينة تُدعى "كريثوس"، وهي المدينة التي اتخذها مستقرًا له طوال الشحرين الماضيين.
وطأ الشارع الرئيسي، لتتجلى المدينة أمامه في مشهد ساحر يمتزج فيه الفولاذ بالزجاج والأنوار. نطاحات السحاب العملاقة كانت تطاول العنان نحو السماء الشاحبة، بينما تعكس أسطحها المصقولة أشعة شمس الظهيرة.
اللوحات الإعلانية الرقمية كانت تطوق أبنية بأكملها، وتومض بإعلانات تروج لأجهزة التكنولوجيا المعتمدة على المانا، ومثبتات النواة، وأحدث صيحات معدات القتال.
أما السيارات فكانت تنساب في تدفق منتظم عبر الطرق الفسيحة وأزيز محركاتها يهمس بهدوء، بينما كان بعضها يعمل بصمت تام بفضل بطاريات المانا المكررة.
فاضت الأرصفة بالمواطنين؛ من موظفي الشركات بأرداء أنيقة، وطلاب صغار بزيهم المدرسي، وباعة جائلين يبيعون وجبات خفيفة يتصاعد منها البخار من عربات معدنية مدمجة. كانت العبَق الناجم عن رائحة القهوة المحمصة يختلط بنسيم المساء. وكانت الإشارات الضوئية الهولوجرافية تتراقص عند تقاطعات الطرق، وتتعدل تلقائيًا كلما ازدادت كثافة الحشود.
'لا يبدو هذا العالم مختلفًا كثيرًا عن عالمي السابق، الفارق الوحيد أنه عالم سحري... يحكمه نظام ملكي بدلاً من الديمقراطية.'
وتحت هذا المظهر العصري الذي تتزين به المدينة، كان "نوح" يستشعر الحقيقة؛ فالمانا كانت تتسرب بغير رؤية عبر أرجاء المدينة كالأوردة تحت الجلد. طائرات الأمان دون طيار كانت تحوم بكسل في الأعالي، تمسح المنطقة بحثًا عن أي أنواة مانا غير مستقرة أو استخدام غير مصرح به للتعاويذ. كانت المانا هي المصدر الأساسي للطاقة لكل شيء تقريبًا.
مرت بجانبه مجموعة من المراهقين يتبادلون الضحكات، وبحركة عفوية شكل أحدهم كرة صغيرة من النار في كفه قبل أن يطفئها بابتسامة.
في هذا العالم، لم يكن السحر مجرد ضرب من الخيال.
'عليّ استقلال الحافلة للوصول إلى شقتي.'
وصل "نوح" إلى موقف الحافلات وانتظر هناك. ألقى نظرة خاطفة على خاتم التخزين المستقر في سبابة يده اليمنى.
'إنه لأمر مذهل أن تملك تكنولوجيا كهذه... يمكنني حمل الكثير من الأشياء دون أدنى مشقة.'
كان متفاجئًا، وإن لم يبلغ به العجب حد الصدمة، ويرجع ذلك أساسًا إلى استيعابه التدريجي لذكريات "نوح" الأصلي.
في تلك اللحظة، وصلت الحافلة، وصعد "نوح" برفقة بقية الركاب، الذين رمقه كثير منهم بنظرات متفحصة، ولا سيما النساء. دفع أجرة الرحلة عبر جهاز الدفع المستقر بجوار السائق، وكانت وجهته إلى حي "نافُور".
اتخذ مقعدًا بجوار النافذة، وراقب الحافلة وهي تبتعد ببطء وتنساب عبر الشوارع النظيفة. كانت المدينة تبدو بائعة وجميلة.
'آه، لم أتحقق من قائمة حالتي الشخصية بعد.'
الاسم: نوح إلدريتش
العرق: بشري
العمر: 19 عامًا
القوة: 79
السرعة: 67
التحمل: 84
المثابرة: 61
الجاذبية (الكاريزما): 501
المانا: 640
رتبة النواة: خاملة (متقدمة)
الإمكانية: نواة مكثفة (متقدمة)
المهنة: [فن المبارزة بالسيف: المستوى 1]، [فن القتال بالرمح: المستوى 1]
التقنية: لا يوجد
التقارب العنصري: الجليد
التعاويذ: [شظية الجليد]، [القيد الصقيعي]
القدرة الفطرية: خلق الجليد
تأمل "نوح" إحصائياته وهو يعقد ذراعيه إلى صدره.
تمتم بصوت خفيض: "مقبولة إلى حد ما."
لكنه في قرارة نفسه كان يشعر ببعض الخيبة؛ إذ إنه لا يزال في رتبة "النواة الكامنة"، وهي المرحلة الأولى تمامًا من تطور نواة المانا. وبكلمات أخرى، كان يقبع في القاع.
غير أن البشر لا يدركون وجود المانا فورًا؛ بل يتعين عليهم تدويرها تدريجيًا لتشكيل نواة المانا مع تقدمهم في العمر، ولا ينتهي الأمر بالجميع إلى النجاح في تشكيلها. أما أولئك الذين ينجحون في إيقاظ "النواة الخاملة"، فيحصلون على إمكانية الوصول إلى شاشة الحالة التي تعرض صفاتهم الجسدية وقدراتهم وإمكانياتهم.
في مستوى النواة الخاملة، لا يستطيع المرء سوى إنجاز قدرات جسدية عادية إلى جانب تنفيذ بضع تعاويذ أساسية من المستوى المنخفض. أما التعزيز الجسدي بواسطة المانا فيكون محدودًا للغاية، كما أن السيطرة على المانا تتسم بالصعوبة وغالبًا ما تكون غير مستقرة أثناء الاستخدام.
كان "نوح" قد وصل بالفعل إلى المرحلة المتقدمة من النواة الخاملة، مما يعني أن تحكمه بالمانا كان جيدًا نسبيًا. بالإضافة إلى ذلك، يوقظ بعض الأشخاص قدرة فطرية بمجرد تشكيل النواة الخاملة، وهو أمر نادر لا يحظى به الجميع، ولحسن الحظ كان "نوح" أحدهم.
'على حد علمي من ذكريات نوح... فإن امتلاك نواة مستيقظة خلال السنة الأولى في الأكاديمية أمر شائع جدًا، وتعتبر الوصول للمرحلة المتقدمة من النواة الخاملة وضعًا مثاليًا.'
أغلق شاشة الحالة.
وسرعان ما توقفت الحافلة بسلاسة في شارع "نافُور". انزلقت الأبواب مفتوحة بفيز خفيف. وقف "نوح"، وعدّل قميصه قليلاً، ثم هبط إلى الرصيف. انطلقت الحافلة مبتعدة على الفور لتندمج مجددًا في حركة المرور.
كان شارع "نافُور" أكثر هدوءًا بكثير من الطرق الرئيسية للمدينة. فقد أفسحت المباني التجارية الشاهقة المجال للمباني السكنية متوسطة الارتفاع.
مصابيح الشوارع كانت مصطفة بانتظام على طول الأرصفة، وقد حُفرت على قواعدها نقوش رونية باهتة تتوهج بنور خافت مع اقتراب المساء. كانت الأجواء هنا توحي بالسكينة وتخلو من صخب مركز المدينة.
بعد بضع دقائق، توقف "نوح" أمام مجمع سكني مكون من اثني عشر طابقًا.
(مجمعات سيلفركريست السكنية - المبنى C - 118 شارع نافُور، كريثوس)
كان التصميم الخارجي للمبنى بسيطًا وعصريًا في آنٍ واحد، يتداخل فيه الخرسانة الرمادية مع ألواح الزجاج الداكن.
وعلى جانب المدخل، انتصبت لوحة أمان رقمية. نقر "نوح" على الشاشة قبل أن يضغط إبهامه على منصة التحقق. مسح ضوء أزرق خافت بصمة إبهامه.
(تم التحقق من القاطن - الشقة C-804)
انزلقت الأبواب مفتوحة.
كان البهو الداخلي متواضعًا ولكنه شديد النظافة، وتضيء أرضيته ذات النقوش الرخامية إضاءة خافته. انتصب مكتب الاستقبال في أحد الجوانب خاليًا من الموظفين، إذ إن معظم عمليات المبنى كانت تُدار عبر أنظمة آلية. وقفت شجيرتان داخليتان بالقرب من المصعد، وكانت أوراقهما تنبض بالحيوية على نحو غير عادي، ويرجح أن ذلك يعود إلى تربة معززة بالمانا.
خطا "نوح" داخل المصعد وضغط زر الطابق الثامن. كانت الرحلة هادئة وسلسة.
وعندما انفتحت الأبواب، استقبله ممر هادئ؛ جدران بيجية، وأبواب متراصة بانتظام، وإضاءة خافته تضفي على الرواق جوًا من السكينة. كانت أصداء خطواته ترتد بخفة وهو يسير نحو شقته.
توقف أمام الشقة رقم C-804.
لم تكن الشقة واسعة للغاية، لكنها كانت مريحة ومثالية لشخص يعيش بمفرده.
استقبلته غرفة معيشة صغيرة في البداية؛ أريكة باللون الرمادي الداكن تواجه تلفازًا أسود كبيرًا، وبينهما طاولة قهوة زجاجية بسيطة.
على اليمين، كان هناك مطبخ مدمج بأسطح عمل نظيفة، وموقد حثي ذو شعلتين، وثلاجة صغيرة، وخزائن مرتبة بعناية.
وعلى اليسار، يؤدي ممر قصير إلى غرفة النوم والحمام.
تضمنت غرفة النوم سريرًا كبيرًا بملاءات بيضاء بسيطة، ومكتبًا للدراسة متموضعًا بالقرب من النافذة، وخزانة ملابس مدمجة. كانت النافذة تطل على أفق المدينة الذي يسبح الآن في وهج البرتقالي الدافئ لشمس الغروب.
لم يكن المكان فاخرًا، لكنه كان يعبق بالهدوء ويوحي بالألفة.
أغلق "نوح" الباب خلفه وزفر بأناة: "إذن... هذا هو بيتي الحالي،" تمتم تحت أنفاسه، "على الأقل في الوقت الراهن."
وبينما كان على وشك أخذ قسط من الراحة، بدأ هاتفه يرن.
بيـب!
بيـب!
أخرج "نوح" هاتفه ليرى من المتصل.
"أبي؟"
اتسعت حدقتا عينيه قاطبةً من المفاجأة.
(ملاحظة المؤلف: أعتذر عن الوصف المفرط، أردت فقط أن أمنحكم رؤية أوضح للمدينة لتتمكنوا من تخيلها بوضوح أكبر).