الفصل السابع: ربما ليست عائلته بهذا السوء
تجمد نوح في مكانه لعدة ثوانٍ، محدقاً في هاتفه الذي استمر في الرنين.
تسارعت دقات قلبه قليلاً. وبعد تردد وجيز، أخذ نفساً هادئاً ثم ضغط على زر الرد.
رفع الهاتف إلى أذنه. وللحظة، لم يكن هناك سوى تشويش خفيف على الطرف الآخر.
ثم جاءه صوت ثقيل لا مبالٍ:
— "نوح."
كان مجرد سماع تلك الكلمة الكفيلة بأن تجعل ظهره يتصلب تلقائياً.
— "سمعتُ بما حدث أثناء استكشافك... وعن إصابتك."
ضل الصوت بارداً، هادئاً، ومبتعداً:
— "هل أنت بخير؟"
اتسعت عينا نوح قليلاً؛ لقد تملكته الدهشة.
إنه والده.. الدوق إلدرتش؛ الرجل الذي نفاه من العائلة. ومع ذلك، ها هو ذا يتصل الآن ليتفقد صحته!
لم يدرِ نوح كيف يتصرف، وظل صامتاً لبرهة.
تحدث الصوت مجدداً، بنبرة أكثر حزماً هذه المرة:
— "نوح. هل تسمعني؟"
رد نوح بسرعة وهو يحاول إظهار ثبات صوته:
— "...أجل، أنا بخير."
جاء إجابه مقتضباً ومباغتاً بعض الشيء.
تابع والده قائلاً:
— "تبدأ الدراسة في الأكاديمية قريباً. إذا أبديتَ أداءً حسناً... وكانت رتبتك بين الطلاب الأوائل... فقد أتمكن حينها من إعادتك إلى أحضان العائلة."
شدد نوح قبضته على الهاتف.
واستطرد والده:
— "لكن والدتك لا تزال معارضة للأمر. سأحاول إقناعها إذا أصبحتَ من بين المتفوقين في الأكاديمية."
ساد صمت قصير آخر، قبل أن يضيف:
— "على الأقل، آمل أن تتمكن من تحقيق ذلك. حتى وإن كان الأمر شاقاً، فلن يعود إلا بالنفع عليك."
لم تلن نبرة صوته ولم تهتز:
— "اعتَنِ بنفسك. وإذا احتجت إلى المال، أرسل لي رسالة فحسب."
وقبل أن يتمكن نوح من الرد، انتهت المكالمة، وعم السكون الخط.
أنزل نوح الهاتف ببطء عن أذنه، وكانت الشاشة قد أظلمت بالفعل.
"ما الذي حدث للتو بحق الجحيم؟ هل اتصل بي والدي بحق... وسأل عن صحتي... وأخبرني كيف يمكنني العودة إلى العائلة... بل وقال إن بإمكاني طلب المال منه متى أردت؟"
أخذ يراجع المحادثة بأكملها في ذهنه.
لكن أكثر ما أثلج صدره وجعله سعيداً كان أمر المال؛ إذ أضحى بإمكانه أن يطلب من والده المال متى ما احتاج إليه.
"هههههههه!"
وفجأة، انفجر نوح ضاحكاً كالأحمق.
استلقى نوح على السرير وغطى وجهه بإحدى يديه.
"هاه... في الوقت الحالي، عليّ التركيز على الأكاديمية. ليس لدي أي رغبة في العودة إلى العائلة أو ما شابه. لكن الانتماء إلى عائلة الدوق قد يكون مفيداً... لذا يتحتم عليّ القيام بذلك."
بقي نوح مستلقياً يفكّر في خططه المستقبلية.
ستبدأ الأكاديمية في الأسبوع المقبل. ونحن الآن في الشهر الأول من عام 2048.
اسم الأكاديمية هو "أكاديمية نوفاريس"؛ وهي الأكاديمية الأكثر أعرق وأرفع شأناً في إمبراطورية أوريليان. وتقع في مدينة تُدعى "نوفاريس"—نعم، سُميت المدينة على اسم الأكاديمية، أو هذا على الأقل ما قرأه على شبكة الإنترنت.
كان نوح قد بحث عن الأمر بالفعل؛ إذ من المفترض أن تكون هذه السنة هي السنة نفسها التي يلتحق فيها البطل الرئيسي للعبة بالأكاديمية. ولذا، كان من الطبيعي أن تكون هذه السنة مختلفة عن كل ما سبقها.
'عليّ أن أجهز نفسي وأغادر إلى مدينة نوفاريس هذا السبت!'
تبدأ الأكاديمية يوم الاثنين القادم، واليوم هو الثلاثاء.
لم يكن نوح يملك أدنى رغبة في ارتياد الأكاديمية، لكن لم يكن أمامه خيار آخر؛ فالعالم مقبلٌ لا محالة على الغرق في الفوضى. وإذا أراد أن يغدو أقوى، فعليه الحضور والمشاركة في أحداث الأكاديمية حيث ستجري مجريات اللعبة. كان بحاجة للمساهمة في حبكة القصة ليحصل على المكافآت من هذا النظام عديم الفائدة.
وإلا، كيف يُفترض به أن ينقذ حياته ويصمد في هذا العالم؟
بعد برهة من التفكير، قرر نوح إزاحة تلك الأفكار جانباً؛ فهو بحاجة ماسة إلى القليل من النوم.
'سأنام لفترة من الوقت.'
كان مجهداً ذهنياً إلى أقصى حد، فغلبه النوم على الفور.
فتح نوح عينيه ببطء. ولعدة ثوانٍ، ظل يحدق بذهول في السقف، بينما كان عقله لا يزال مشوشاً من أثر النوم.
ثم استدار نحو الطاولة المجاورة للسرير والتقط هاتفه.
3:30 مسائاً
رمش بعينيه مرتين:
"هل نمتُ كل هذا الوقت...؟"
شعر بأن جسده أصبح أخف وزناً من ذي قبل، واستكان الإرهاق الذهني، بينما تلاشى الصداع الذي كان يداهمه سابقاً كلياً تقريباً.
جلس على السرير ومط يديه:
"لا فائدة من إضاعة الوقت."
إذا كان يريد حقاً النجاة في هذا العالم—خاصة مع اقتراب موعد بدء الأكاديمية الأسبوع المقبل—فلن يكون الراحة وحدها كافية.
إنه بحاجة إلى القوة.. بحاجة إلى تحكم أفضل بـ "المانا".. وبحاجة إلى الخبرة.
نهض نوح وعدّل قميصه الكحلي وسرواله الأسود اللذين كان يرتديهما سابقاً، ثم غادر الشقة.
كان الرواق هادئاً كالعادة. استقل المصعد هابطاً إلى الأسفل، ثم خرج من مجمع "سيلفركريست السكني".
كان هواء المساء عليلاً منعشاً. ورغم أن الشمس كانت لا تزال في كبد السماء، إلا أنها بدأت رحلة هبوطها البطيء نحو المغيب.
سار نوح خارج المجمع السكني واضعاً يديه في جيبيه.
على بعد مسافة ليست ببعيدة عن المجمع، وتحديداً على بعد عشر دقائق سيراً على الأقدام، كان ينتصب مبنى ضخم مشيد من الزجاج المقوى وألواح الصلب الداكنة. تعلو مدخله لافتة مضيئة:
[مركز كرايثوس للقتال والتدريب على المانا]
في هذا العالم، كانت مراكز التدريب شائعة تماماً كشيوع الصالات الرياضية على كوكب الأرض، باستثناء أنها هنا كانت أكثر تطوراً بكثير... وأغلى ثمناً بمراحل.
لحسن الحظ، كان "نوح السابق" قد دفع بالفعل قيمة اشتراك لمدة شهر كامل.
في الداخل، لا يقتصر الأمر على رفع الأثقال فقط؛ بل يتدرب الناس على استخدام السيوف، والرماح، والدروع، وسحر العناصر، وتكنيكيات التحكم بالمانا.
كانت هناك حجيرات تدريب مخصصة ومجهزة لاحتواء انفجارات المانا؛ أرضيات مدعمة، وجدران مقاومة للصدمات. وبالطبع، كانت التكلفة باهظة؛ فالعدات والمعدات المشبعة بالمانا لم تكن رخيصة الثمن قط.
وقف نوح أمام المبنى وتطلع إليه متأملاً:
"حسناً... أظن أن معاناتي تبدأ من هنا."
زفر بتنهيدة قبل أن يخطو خطواته إلى الداخل.
كان المكان يعج بأجهزة ومعدات مصممة لقياس القدرات البدنية. وعلى جهة اليمين، امتدت حجيرات تدريب خاصة تفصل بينها حواجز سميكة شفافة تتوهج بخفة بروموز ورونيات حماية.
وفي العمق الداخلي، كانت هناك رفوف أسلحة مليئة بسيوف التدريب، والرماح، والعصي، وحتى أقواس التمرين؛ وكلها صُيغت من مواد وسبائك خاصة صُممت خصيصاً لتتحمل ضخ المانا وضغطها.
كان العديد من الأشخاص يتدربون بالفعل؛ بعضهم يمارس مهارات السيف، وبعضهم يجلس معقود القدمين في وضعية التأمل بينما تدور المانا بهدوء حول أجسادهم، وآخرون يتطاحنون ويتبارزون داخل الحجيرات المغلقة، حيث تومض شرارات من الضوء العنصري مع كل اشتباك وصدة.
اشتعلت شرارة صغيرة في أعماق نوح؛ شعر بأن هذا هو المكان المناسب.
'هذا المكان مذهل حقاً.'
توجه نحو منصة الاستقبال.. فقد حان الوقت للبدء في الاستعداد؛ فأكاديمية "نوفاريس" لن تكون رحيمة أو متساهلة مع سيد شاب منفي.