الفصل 69: امتصاص المانا
كان السكن السكني يلفه الهدوء.
حل المساء المتأخر حين عاد "نوح". كانت غرفة المعيشة خاوية، بينما ألقى ضوء المصابيح المعتلية للسقف ظلالًا دافئة وخافتة على أرجائها.
خلع نوح سترته وألقاها على الأريكة. ثم أخرج حقيبة الحمل من خاتمه المكاني، وفك قفلها متأملًا ما بداخلها.
نواة مانا اثنتان.
كان هذا كل ما تمكن من الحصول عليه؛ نواتان من الرتبة (+E). لم تكن ثلاثين، ولا حتى قريبة من ذلك. وعلى الرغم من أن نواتي الرتبة (+E) تميزتا بجودة أعلى من النواة القياسية—إذ كانتا أكثر كثافة ونقاءً—إلا أن كل واحدة منهما كلفته 200,000 نقطة نوفا. ومع ميزانيته المنهكة بالفعل جراء المصاريف الأخرى، كانتا كل ما باستطاعته شراؤه دون أن يجد نفسه مفلسًا تمامًا.
التقط إحداهما، فاستقرت في كفه صغيرة وملساء، يبعث ملمسها دفئًا طفيفًا، بينما كان الوهج الخافت بداخله ينبض ببطء شبيه بالتنفس. كانت بحجم كرة المضرب تقريبًا.
نحّى الحقيبة جانبًا، وزاح طاولة القهوة من طريقه، ثم جلس على الأرض في منتصف الغرفة.
تمتم بابتسامة خفيفة: «حان وقت الامتصاص».
جلس متربع القدمين باستقامة ظهر، ووضع يديه على ركبتيه ببطنين يتجهان لأعلى. استقرت النواة في حضنه، وأغمض عينيه.
أول ما فعله كان إبطاء وتيرة تنفسه، تاركًا ضوضاء المبنى تتلاشى في الخلفية—صوت الخطوات البعيدة في الطابق العلوي، وصوت باب يُغلق في نهاية الممر.
كان يسعى وراء هدوءٍ أعمق من ذلك. وجّه تركيزه إلى الداخل، تمامًا كما تدرّب في الأكاديمية وفي كنف عائلته قبل أن يُنفى. مدّ إدراكه الخارجي ببطء نحو النواة، فشعر بها على الفور.
كانت المانا القابعة داخل النواة خامًا—وهذه هي الكلمة الوحيدة الصالحة لوصفها؛ إذ لم تكن ناعمة ولا نقية كالمانا التي يتمرنون عليها في قاعات التدريب بالأكاديمية. بل كانت مانا وحشية، عاشت داخل مسخ واستمدت طبيعتها من غرائزه وحيويته. كان لها ملمس وقوام، وضغط يشبه وضع يدك بالقرب من النار لتشعر بحرارتها قبل أن تلمس اللقب.
بدأ نوح يسحبها بنعومة وتأنٍ. لم يسحبها دفعة واحدة، فهذا هو الخطأ الذي يقع فيه المبتدئون بانتشار سحبهم للمانا بقوة شديدة، مما يُغرق أنظمتهم بأكثر مما تحتمل أجسامهم.
سحبها كمن ينسل خيطًا؛ بثبات وسيطرة. تيار رفيع من المانا ينبعث من النواة ليتدفق إلى داخل جسده عبر كفيه. وما إن دخلت جسده، حتى بدأت مرحلة المعالجة على الفور.
فالمانا الخام ليست شيئًا يمكنك ضخه مباشرة إلى نواتك الخاصة؛ إذ يحمل جوهر الوحش شوائب، وآثارًا من الكائن الذي نبعت منه، وكسورًا من طاقة غريبة لا تنتمي لنظام المانا البشري. ولو سمح المرء لمرور تلك الشوائب دون تنقية وضخها إلى نواته، فستتسبب في تلفها—تلفًا بطيئًا في البداية، ثم يتحول إلى أذى جسيم.
لذا كان لزامًا عليه تنقيتها أولًا.
مع تدفق المانا عبر يديه، وجهها نوح إلى الأعلى عبر ذراعيه نحو صدره، ثم بدأ بتدويرها داخل جسده في مسار بطيء دائم: الذراعان، الصدر، الظهر، مرورًا بالساقين، ثم صعودًا من جديد... تمامًا كجريان الماء عبر مرشّح.
ومع كل دورة، كان يعترض الشوائب ليطردها خارجًا عبر جلده وأنفاسه.
كانت عملية بطيئة؛ فالمانا التي تخرج من الطرف الآخر لهذه الدورة تصبح أقل حدمًا وأرق كثافة. جمع تلك المانا المنقاة بعناية وبدأ بمرورها هبوطًا نحو الدانتيان السفلي.
كان يقع في عمق بطنه، أسفل السرة بإنشات قليلة، في الموضع الذي يُعرف بأنه مركز طاقة الجسد، حيث تقبع نواة المانا.
كانت نواة نوح سوداء. النوى الكامنة تتمثل في لون أسود حالك، كقطعة من الحجر البركاني الصقيل في منتصف أحشائه. كانت لا تزال صغيرة ومضغوطة على نفسها، كما هي حال النواة الكامنة قبل أن تمتك من الطاقة ما يكفي لتتفطر وتنتقل إلى المرحلة التالية.
أنزل المانا المنقاة إليها، وما إن لامست السطح حتى بدأت تستقر عليه، رقيقةً كطبقة من الطلاء في البداية، مكسوةً القشرة السوداء ببطء. جزءٌ منها امتصته النواة مباشرة للداخل، ليزيد من كثافتها الداخلية، بينما انضغط الجزء المتبقي على السطح الخارجي، مضيفًا وزنًا وضغطًا على الغلاف.
كلا الأمرين كانا بنفس القدر من الأهمية؛ فالمانا الممتصة في الداخل تعزز الطاقة الكلية، بينما المانا المضغوطة في الخارج تزبد الصلابة والكثافة، مما يبني الضغط المطلوب تدريجيًا لدفع النواة لتجاوز مرحلتها الحالية.
كان الأمر يتشابه مع ملء وعاء وفي الوقت ذاته تقوية جدرانه.
حافظ نوح على تركيزه واستقراره في سحب المانا. وبعد فترة من الزمن، بدأت النواة الاستقرار في حضنه تخف وزنًا، بينما تساقطت قطرات العرق من على وجهه.
تلك هي الخصلة الأخرى لنوى الوحوش: لا يمكن لأحد نزع مانا النواة في جلسة واحدة، فالطاقة المحتبسة بالداخل مضغوطة بإحكام شديد، وتتحرر ببطء وتدريجيًا عبر جلسات متعددة.
نواة واحدة من هذا المستوى تتطلب أيامًا متواصلة من التأمل المستمر لامتصاصها بالكامل، والإسراع لن يجدي نفعًا؛ فالمانا لن تخرج بأسرع مما تتيحه طبيعتها.
لم يستعجل نوح؛ واستمر في تدوير المانا لساعة أخرى، يجمع كل أثر للمانا النقية ويلبس بها نواته بحذر، بينما يطرد الشوائب مع كل زفير بطيء.
وعندما صار تيار المانا أضعف من أن يُستغل بكفاءة، توقف.
بعد ساعات من التدوير والامتصاص، فتح عينيه.
كانت الغرفة على حالها، بينما فقدت النواة المستقرة في حضنه جزءًا من بريقها؛ خبت قليلاً لكن نبضها الخافت استمر—لا يزال فيها الكثير.
تنهد نوح وحرك رقبته ببطء. كان جسده يشعر بدفء مريح، ذلك النوع من الحرارة المنبعثة من الداخل كمن جلس تحت أشعة الشمس المعتدلة لساعة من الزمن.
شعر بنواته أثقل قليلاً وأكثر كثافة مقارنة بذي قبل. لم يكن التغيير جذريًا، لكنه استطاع تمييز التقدم.
التقط النواة ورفعها أمام وجهه لبرهة، يتأمل النبض المعتدل في أعماقها.
بضعة أيام أخرى مع هذه النواة، ثم يتبعها بالنواة الثانية.
نواتان فقط؛ هذا كل ما يملكه، ولم يكن بالشيء الكثير، لكنه في الوقت الحالي يمثل كل ما يمكنه العمل عليه.
نواة مانا (+E).. سيجعلهما تؤتيان أكلهما حتى آخر قطرة.
تمتم وجسده مبلل بالعرق: «هذا القدر كافٍ لليوم». ثم فتح نافذة الحالة:
[ شاشــة الحالــة ]
* الاسم: نوح إلدريتش
* العرق: بشري
* العمر: 19 عامًا
* القوة: 90
* السرعة: 76
* التحمل: 93
* الجلد: 73
* الجاذبية: 510
* المانا: 834
* رتبة النواة: كامنة (عالية)
* الإمكانية: نواة مكثفة (عالية)
* المهنة: [مقاتل - المستوى 1]
* التقنية: [فن سيف اللوتس المتجمد]
* التقارب العنصري: الصقيع / الجليد
* التعاويذ: [شظية الجليد]، [قيد الجليد]
* القدرة الفطرية: تكوين الجليد
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال لنفسه: «قريبًا... سأتمكن من الاختراق».