الفصل التاسع: التدريب (2)
«هاه... هاه...»
مسح "نوح" العرق النازل من ذقنه ونظّم أنفاسه المجهدة.
'أعتقد أن هذا القدر يكفي لهذا اليوم.'
كان يشعر بإجهاد في نواته السحرية، إلا أنها باتت أكثر امتلاءً بقليل مقارنة بما كانت عليه من قبل؛ ليس بالقدر الكافي للوصول إلى اختراق جديد، ولكن بما يكفي لملاحظة تقدم بسيط.
وقف ببطء، وداهم خدرٌ خفيف قدميه جراء الجلوس متقاطع الساقين لفترة طويلة، غير أنه نفضهما بخفة وتوجه نحو إحدى حجيرات تدريب المانا المغلقة.
كان يعلم أنه إذا أرد النجاة داخل الأكاديمية، فلن يكفيه الاقتصار على الجانب النظري أو التأمل الفكري، بل إنه بحاجة ماسة إلى التطبيق القتالي الفعلي.
في داخل مركز التدريب، وُجدت عدة حجيرات مُعززة خصيصاً لممارسة التعاويذ العنصرية؛ حيث كانت الحواجز الشفافة تتألق ببريق خافت جراء الرونات الواقية المنقوشة عليها، مانعةً أي تسرب للمانا الشاردة إلى الخارج.
خطا "نوح" إلى داخل إحدى الحجيرات الفارغة، ولُحِم الباب خلفه بصوت هتاف منخفض.
وانتصبت أمامه عدة دُمى تدريبية مصنوعة من سبيكة مقاومة للمانا، مع دوائر أهداف خافتة عُلمت على صدورها.
زفر ببطء وقال في نفسه: 'تعويذتان: شظية الجليد، وقيود الجليد.'
رفع يده اليمنى، مقرراً البدء بإلقاء تعويذة "شظية الجليد" أولاً.
كان يجب أن تكون التعويذة باردة، حادة، ومكثفة.
دفق المانا من نواته السحرية باتجاه راحة يده، مشكّلاً إياها بعناية فائقة.
في البداية، بدت المانا مضطربة وغير مستقرة؛ تضيّقت حدقتا عينيه وهو يتخيل ضغط الهواء البارد في نقطة واحدة فريدة.
ثم استرجع في ذهنه بنية التعويذة، ورسومات خطوط الدائرة السحرية.
بدأت درجة الحرارة المحيطة بيده بالانخفاض بشكل ملحوظ، وتجمعت جزيئات بيضاء صغيرة أمام كفه، لتشرع دائرة سحرية ذات لون أزرق فاتح في التشكل بحجم صغير.
تألّق الهواء بخفة حوله بينما تملكه شعور مألوف؛ إذ بدأت شظية بلورية في التبلور والتجسد — وهي الشظية ذاتها التي استخدمها سابقاً أثناء فراره من الوحش الدب.
كانت ذات لون أزرق شبه شفاف وحواف حادة كالموس، وبطول يماثل طول الخنجر تقريباً.
'إذاً هذه هي شظية الجليد...'
اهتزت بنية الشظية قليلاً، لكنه سارع إلى تثبيت تدفق المانا؛ ولأنها تعويذة من المستوى المنخفض، فقد كانت بنيتها بسيطة وميسورة التحكم، على عكس التعاويذ عالية المستوى التي تمتلك بنى معقدة للغاية.
حدث "نوح" نفسه قائلاً: 'لا تستعجل، ثبّت الحواف وشسّد القوة في المركز.'
تصلبت الشظية تماماً، والتفت ضبابة من الجليد حول أصابعه. صوّب نحو الدمية:
«انطلقي!»
بنقرة خفيفة من معصمه، انطلقت شظية الجليد نحو الأمام قاطعة الهواء بسلاسة ونقاء.
طقطقة!
استقرت في منتصف صدر الدمية وانغرست إلى منتصفها، واختقت طبقة رقيقة من الصقيع ينتشر إلى الخارج من موضع الاصطدام.
رمش "نوح" بعينيه وقال محدثاً نفسه مع ابتسامة طفيفة ارتسمت على شفتيه: 'ليست سيئة.'
تساقطت قطرات العرق من صدغه وهو يعيد الكرّة، فتكونت الشظية هذه المرة بحجم أكبر قليلاً.
'جيد جداً!'
كانت أكثر حدة من الأولى؛ أطلقها على الفور بنفس السرعة.
بانغ!
ضربت الشظية الثانية بقوة أكبر، مما أدى إلى تصدع جزء من الطبقة الخارجية للدمية وتفشي الصقيع بشراسة أشد هذه المرة. ابتسم "نوح" بخفة:
'التحكم وقوة الإخراج كلاهما مهمان.'
لقد بدأ يعتاد على هذا الأمر بشكل أفضل مما كان يتوقع، وبنفس هذا المعدل سيعود ليماثل قوته السابقة.
في هذه اللحظة، بدأ يشعر باستهلاك المانا لديه؛ فشظية الجليد لم تكن تستهلك الكثير، ولكن الاستخدام المتكرر لها سيؤدي بالتأكيد إلى إستنزافه، على الرغم من أنه كان يستمتع بإلقاء التعاويذ.
والآن جاء دور تجربة تعويذة أخرى: 'قيود الجليد.'
كانت هذه التعويذة تتطلب قدرة أكبر على التحكم مقارنة بالقوة المباشرة؛ لذا رفع كليتا يديه هذه المرة.
وبدلاً من ضغط المانا لتشكيل مقذوف، سمح لها بالانتشار والتمدد نحو الخارج على طول الأرضية.
تدفقت الطاقة الباردة من نواته السحرية، نزولاً عبر ذراعيه، حتى أطراف أصابعه. ضغط بكفه بخفة باتجاه الأرض.
انخفضت درجة الحرارة حوله بشكل حاد، وتخيل في ذهنه تجميد السطح بالكامل، وتقييد الحركة، وكبح الهدف.
بدأت طبقات رقيقة من الصقيع تبتلع الأرض وتزحف نحو الأمام، مثل خيوط العنكبوت المنتشرة على الحجر، حتى وصلت إلى قدمي الدمية ثم اندفعت فجأة نحو الأعلى.
وجّهها نحو الدمية بالكامل.
'إنها أصعب قليلاً مقارنة بشظية الجليد، كما أنها تستهلك قدراً أكبر من المانا،' فكّر في نفسه.
وكان الحفاظ عليها يتطلب تدفقاً مستمراً للمانا؛ أَبقاها لعدة ثوانٍ إضافية حتى ازداد سمك الجليد، ثم ألغى التعويذة.
توقف انتشار الصقيع، وبدأ الجليد يذوب ببطء تحت تأثير نظام تثبيت الحرارة الخاص بالحجيرة.
خفض "نوح" يديه:
«هاه...»
كان صدره يعلو ويهبط بشدة، وشعر بسحب الإرهاق الناتج عن نفاد المانا من نواته.
'أفهم الآن...'
شظية الجليد أكثر ملاءمة للضرر المباشر، بينما قيود الجليد متخصصة في التقييد والتحكم. وإذا استخدمتا معاً — إعاقة وتجميد حركة الهدف أولاً، ثم الهجوم عليه، أو الهجوم عن بعد مع التحكم بحركته — فستكون النتيجة مذهلة.
تحددت نظرته وازدادت حدة: 'ليست بداية سيئة على الإطلاق.'
لكن سرعة الإلقاء لا تزال بطيئة، وتحكمه لم يصل إلى درجة الإتقان والتنقيح الكامل بعد. أما مخزون المانا لديه، ورغم أنه جيد، إلا أنه بعيد كل البعد عن الكثرة الهائلة. نظر إلى كفه؛ حيث كان الصقيع الخفيف لا يزال عالقاً على بشرته قبل أن يتلاشى تدريجياً.
«أحتاج إلى التدرب على الإلقاء السريع.» أطلق زفيراً وضغط بقبضته بقوة.
فلو تردد لثانية واحدة في قتال حقيقي، سيكون مصيره الموت المحتوم؛ وقد واجه ذلك الخطر سابقاً ونجا بفضل حظه، ولكن قد لا تسلم الجرة في المرة القادمة.
خرج "نوح" من حجيرة التدريب بعد عدة محاولات إضافية ذات إخراج منخفض ليتجنب إستنزاف نفسه بالكامل.
كان جسده بالكامل يشعر بالثقل، والعرق ينزل من بدنه. كان مجهداً للغاية، لكنه كان يشعر بالرضا في الوقت ذاته؛ فقد تدرب اليوم على الأسلحة، وصقل المانا، ومارس التعاويذ القتالية.
كما كانت قدرة "تخليق الجليد" تتطلب المانا أيضاً، ولكن عبرها كان بمقدوره تشكيل أي شيء من الجليد، وكان مستوى إتقانها يزداد تدريجياً وببطء.
تذكر حين شكل خنجراً في يده أثناء قتاله ضد الوحش؛ فقد نُفذ ذلك الخنجر بوساطة هذه القدرة الذاتية.
القدرة الذاتية هي موهبة لا يمتلكها إلا عدد قليل من الأشخاص بعد تشكيلهم للنوة الخاملة.
فكر في نفسه وهو يبتسم: 'يمكنني تجربة تخليق الجليد في المنزل، بمجرد محاولة صنع بعض الأشياء الصغيرة والأسلحة.'
كان متحمساً لتجربة تشكيل أشياء مختلفة من الهواء المباشر، ومصنوعة بالكامل من الجليد.
ولأول مرة منذ استيقاظه في هذا العالم، شعر بأنه يستعد بحق. ولم يتبقَ سوى أسبوع واحد فقط على افتتاح "أكاديمية نوفاريس"، وبدأ يشعر بالحماس الحقيقي للانضمام إليها.