لا يتذكر كاي كيف انتهت المعركة بالضبط.
يتذكر الحرارة في صدره، ويتذكر الجاثم يتراجع أمامه وكأن شيئًا بداخل كاي نفسه كان يخيفه أكثر مما يخيف كاي الجاثم. ويتذكر صرخة صامتة، واهتزازًا في الهواء، ثم انطواء الشكل الدخاني على نفسه حتى تلاشى في الشق الذي خرج منه، كأن الفراغ ابتلع خطأه.
بعدها، سقط كاي على ركبتيه، وشعر أن كل عظمة في جسده تحترق من الداخل.
"أنت مجنون. أنت فعلاً مجنون." كان هذا أول ما سمعه حين استعاد وعيه، صوت امرأة حادّ، يخلط الغضب بالقلق بطريقة لا تجيدها إلا من تهتم فعلاً.
فتح عينيه ببطء، فوجد نفسه ممددًا على طاولة معدنية باردة في عيادة صغيرة مخبأة بين الأنفاق، إضاءتها شحيحة، ورائحة المطهرات الرخيصة تملأ المكان. وفوقه، تقف ليلى ناصر، ميكانيكية المحطة وطبيبتها غير الرسمية، تحمل أداة لحام في يد ومحقنة في الأخرى وكأنها لا تفرّق بينهما.
"ليلى..." تمتم كاي بصوت أجش. "أخبريني أنكِ لم تستخدمي أداة اللحام على جرحي."
"لا، استخدمتها على الجدار الذي كسرته حين سقطت فوقه." ردّت وهي تربط ضمادة حول ذراعه بقسوة أكبر مما يستدعيه الجرح. "لكن لو استمريت في مطاردة أشباح الفراغ بقضيب معدني صدئ، سأفكر جديًا في استخدامها عليك."
ابتسم كاي رغم الألم. "اشتقتِ لي بهذا الشكل؟"
"اشتقت لهدوئي قبل أن تظهر في حياتي." لكنها لم تخفِ الارتياح في عينيها وهي تتأكد أنه بخير.
بجانب السرير، جلست إيلارا، ملفوفة ببطانية رمادية، ما زالت صامتة، تراقب كاي بعينين واسعتين لم تفارقاه منذ أن أفاق.
"هي بخير؟" سأل كاي بصوت أهدأ، ملتفتًا نحوها.
"خائفة. لكنها بخير." أجابت ليلى. "بفضلك، على ما يبدو، رغم كل غبائك."
جلس كاي ببطء، وشعر بشيء غريب: الحرارة التي انفجرت في صدره أثناء القتال لم تختفِ تمامًا، بل استقرت في مكان ما عميق بداخله، كجمرة صغيرة لا تنطفئ.
"ليلى،" قال بجدية نادرة الحدوث منه، "ماذا حدث لي هناك؟"
توقفت ليلى عن الحركة للحظة. نظرت إليه نظرة طويلة، وكأنها تزن كم يجب أن تخبره.
"سمعت قصصًا،" قالت أخيرًا، بصوت أخفض من المعتاد، "عن أناس وُلدوا بقدرة على 'توليف' الروحيوم داخل أجسادهم بدل استخدامه من الخارج كالبقية. يسمونه البعض 'فن الظل'. أناس كهؤلاء كانوا يُصطادون في الحروب القديمة، يُستخدمون كأسلحة، أو يُقتلون قبل أن يكبروا ويصبحوا خطرًا على من يريد السيطرة عليهم."
شعر كاي ببرودة تسري في جسده رغم الحرارة التي ما زالت تسكنه.
"تقصدين أنني..."
"أقصد أنك أوقفت جاثمًا بقضيب معدني صدئ ويدين عاريتين، يا كاي." قاطعته ليلى. "لا أحد يفعل هذا. لا أحد عادي، على الأقل."
ساد صمت ثقيل في الغرفة، لم يكسره سوى صوت إيلارا الخافت، وهي تتحدث للمرة الأولى منذ الحادثة.
"رأيت عينيك," قالت بصوت طفولي مرتجف، "كانتا تلمعان... مثل عيون الوحش، لكن بلون آخر."
نظر كاي إلى يديه، كأنه يبحث فيهما عن إجابة لن يجدها.
كان يعرف طوال حياته أنه مختلف بطريقة ما، أن سرعته وحدسه في القتال يتجاوزان ما تعلّمه في الشوارع. لكنه اختار دائمًا ألا يسأل، لأن الأسئلة في أوروك-9 عادة ما تكلّف أكثر من إجاباتها.
الليلة، انتهى وقت عدم السؤال.
قبل أن يستطيع قول أي شيء آخر، ارتجّ جدار العيادة بصوت خافت، وأضاء شاشة صغيرة معلّقة في الزاوية، تعرض تنبيهًا أحمر وامضًا.
اقتربت ليلى من الشاشة، وتجمّد وجهها.
"ليلى؟" سألها كاي، محاولًا النهوض رغم الألم. "ماذا يقول؟"
استدارت نحوه ببطء، وفي عينيها شيء لم يعتد كاي رؤيته فيهما من قبل: خوف حقيقي.
"سفينة إمبراطورية سولارية دخلت للتو نطاق أوروك-9،" قالت بصوت منخفض. "يقولون إنهم يتتبعون 'توقيع طاقة غير مصرّح به' صدر من هذا القطاع بالضبط، منذ أقل من ساعة."
نظر كاي إليها، ثم إلى يديه من جديد، وفهم فجأة أن الحرارة التي أيقظها بداخله لم تكن سرًا صغيرًا يخصه وحده.
"يبدو،" قال أخيرًا، وقد عادت السخرية إلى صوته رغم كل شيء، لأنها الدرع الوحيد الذي يعرف كيف يرتديه، "أن ليلة الشراب الرخيص والسرقة الصغيرة ستتأجل أكثر مما توقعت."