الفصل الرابع: توقيع لا يُخفى

لم تكن هناك مسافة للتراجع في الممر الضيق. خلفهم جدار مغلق، وأمامهم كابتن سولارية تتقدم بخطى هادئة كأنها تملك الوقت كله.

"ليلى، خذي إيلارا وابتعدا." قال كاي بصوت منخفض، دون أن يحول نظره عن دوريان رين.

"كاي، لا—"

"الآن." قطع كلامها بحزم لم يعتد أحد سماعه منه. لم تكن هذه لهجته المعتادة، الساخرة، اللامبالية. كانت لهجة شخص اتخذ قراره ولن يتراجع عنه.

تردّدت ليلى للحظة، ثم سحبت إيلارا خلفها نحو فتحة جانبية ضيقة في الممر، بينما بقي كاي وحده يواجه الكابتن.

"تضحية نبيلة،" قالت دوريان رين، وقد توقفت على بعد خطوات منه، "من شخص وصف نفسه للتو بأنه 'لص وضيع لا شيء أكثر'."

"أتناقض أحيانًا. عيب في شخصيتي." ابتسم كاي، لكن يديه كانتا مشدودتين على القضيب المعدني الذي ما زال يحمله.

رفعت دوريان الجهاز الصغير في يدها مجددًا، ونظرت إلى شاشته، ثم إليه.

"التوقيع يتصاعد وأنت واقف أمامي بلا حراك،" قالت بفضول حقيقي هذه المرة، لا مجرد واجب. "هذا مثير للاهتمام. أغلب من رأيتهم بقدرات كهذه لا يستطيعون التحكم بها وهم في هذا العمر. من دربك؟"

"لا أحد." أجاب كاي بصدق نادر. "لم أكن أعرف أن لديّ شيئًا يستحق أن يُدرَّب، حتى الليلة."

توقفت دوريان للحظة، وكأن إجابته أربكت حساباتها.

"إن كان هذا صحيحًا،" قالت أخيرًا، "فأنت أخطر مما تخيلت. قدرة خام بلا تدريب ولا سيطرة، هذا لا ينتهي بشكل جيد أبدًا. لأحد."

"أقدّر قلقك على سلامتي." رد كاي بسخرية. "لكنني أفضّل أن أكتشف ذلك بنفسي، بعيدًا عنك وعن سفينتك الرمادية الجميلة."

"لن تُتاح لك الفرصة." قالت، وحركت يدها بسرعة نحو جهاز في حزامها.

لم يفكر كاي، بل تحرك.

اندفع نحوها بسرعة استمدها من الجمرة المشتعلة في صدره، والتي لم تعد جمرة صغيرة الآن، بل شعلة كاملة تسري في عروقه. رأى دوريان رين، للمرة الأولى، عينيها تتسعان قليلًا بمفاجأة حقيقية وهي تتفادى ضربته بصعوبة واضحة، ثم ترد بحركة مدروسة تكاد تصيبه لولا أنه انحنى في اللحظة الأخيرة.

كانت مدربة. مدربة جيدًا. لكنها، لأول مرة منذ زمن طويل على ما بدا من وجهها، كانت تُفاجَأ.

تبادلا ضربات سريعة في الممر الضيق، كاي يعتمد على غريزة خام لا يفهمها، ودوريان تعتمد على سنوات من التدريب العسكري المنظم. كانت المعركة متكافئة بشكل لا ينبغي أن يكون عليه، وكلاهما يدرك ذلك.

في لحظة، تمكنت دوريان من الإمساك بمعصمه وثبّته على الجدار، وجهها على بعد سنتيمترات من وجهه.

"من أنت حقًا؟" همست، وقد اختفت كل برودتها الرسمية للحظة، لتحل محلها حيرة صادقة.

"أتمنى لو أعرف الجواب بقدر ما تريدين معرفته،" قال كاي، وهو يبتسم رغم الألم في معصمه، "لكن يبدو أن الليلة مليئة بالمفاجآت لكلينا."

وقبل أن تستطيع الرد، دوّى انفجار صغير من الفتحة الجانبية التي اختبأت فيها ليلى وإيلارا — انفجار متحكم به، من نوع الأجهزة التي تصنعها الميكانيكية حين تحتاج إلى تشتيت انتباه، لا إلى قتل أحد.

استغل كاي اللحظة، ودفع دوريان بقوة كافية لتحرير معصمه، ثم اندفع نحو الفتحة الجانبية دون أن ينظر خلفه.

"لن تهرب مني مرتين يا صاحب التوقيع المجهول!" صرخت دوريان رين خلفه، وقد عاد صوتها الحاد الرسمي، لكن كاي لاحظ فيه، رغم كل شيء، نبرة لم تكن غضبًا خالصًا.

كانت أقرب إلى فضول لم يُشبَع.

ركض كاي عبر الأنفاق خلف ليلى وإيلارا، وقلبه ما زال يدق من المعركة، ومن شيء آخر لا يستطيع تسميته بعد.

حين توقفوا أخيرًا في زاوية مظلمة بعيدة، بعيدًا عن أي كاميرا أو حساس، انهار كاي على الحائط، يلهث.

"هذا،" قال بين أنفاسه المتقطعة، "لم يكن جزءًا من خطتي لهذه الليلة."

"لم تكن لديك خطة من الأساس." ردّت ليلى وهي تفحص جرحًا جديدًا على كتفه بقلق لم تستطع إخفاءه هذه المرة.

نظرت إيلارا إلى كاي بجدية غريبة على وجهها الصغير.

"لن يتوقفوا عن البحث عنك،" قالت بصوت هادئ لا يشبه صوت طفلة خائفة بعد الآن. "ليس بعد ما رأوه."

عرف كاي، وهو يستمع إلى كلماتها، أنها محقة تمامًا. أوروك-9، المكان الوحيد الذي عرفه بيتًا طوال حياته، لم يعد آمنًا له بعد الليلة.

وشيئًا ما بداخله، تحت كل السخرية والاستهتار المعتاد، بدأ يهمس بحقيقة لم يكن مستعدًا لمواجهتها بعد:

ربما لم تكن هذه الليلة بداية هروبه. بل بداية شيء أكبر بكثير.

2026/07/16 · 3 مشاهدة · 641 كلمة
Mon
نادي الروايات - 2026