5 - لا مكان يُدعى وطنًا

لم يكن القرار صعبًا بقدر ما توقّع كاي أن يكون. الأصعب كان النظر إلى وجه ليلى وهو يقوله بصوت عالٍ، كأن الكلمات نفسها تزن أكثر مما تحتمل حنجرته.

"سنغادر أوروك-9." قالها بهدوء، جالسًا في زاوية مظلمة بعيدًا عن أي حساس، بينما كانت أصداء الإنذارات ما زالت تتردد بعيدًا في ممرات المحطة. "الليلة. الآن، في الواقع."

نظرت إليه ليلى طويلًا، عينان أعرف كاي كل نظرة فيهما منذ كان طفلاً يسرق منها أدواتها. لم تكن هذه المرة نظرة غضب، بل شيء أثقل: قبول متعب.

"لن أدعك تذهب وحدك لتموت في مكان لا تعرفه." قالت أخيرًا، وأومأت برأسها دون مزيد من الاعتراض. "ساعدتك أمام كاميرا واحدة على الأقل يا كاي. لن يستغرقوا طويلًا ليعرفوا من أنا، ولا أين أعيش، ولا من أحب."

"ليلى، لا يجب أن تدفعي ثمن غبائي."

"هذا بيتي أيضًا،" قاطعته بحسم لا يقبل النقاش، "وأنا من قرر التضحية به، لا أنت. لا تسلبني حتى هذا القرار الصغير."

التفتت إيلارا نحوهما من زاويتها الصامتة، عيناها الواسعتان لا تحملان خوفًا بقدر ما تحملان يقينًا غريبًا لا يليق بعمرها الصغير. "لا يوجد أحد ينتظرني هنا،" قالت ببساطة موجعة، وكأنها تصف حقيقة لا تحتاج شفقة. "سآتي معكما، أينما تذهبان."

عرف كاي، وهو يستمع إليها، أن هذا الجواب أنهى أي نقاش ممكن، وأن شيئًا في داخله بدأ يتقبل أنه لم يعد وحيدًا كما اعتاد أن يكون طوال سبعة عشر عامًا.

قبل أن يغادروا، توقف كاي عند كشك صغير مهجور كان يستخدمه مخبأً لأدواته القليلة القيّمة. لم يكن يملك الكثير: سكينًا قديمًا، بضع عملات مخبأة تحت لوح معدني فضفاض، وقطعة قماش رمادية باهتة كانت ملفوفة حوله يوم وُجد بين الحطام قبل سبعة عشر عامًا. أخذ القماشة فقط، وترك الباقي دون تردد، كأنه يترك خلفه نسخة كاملة من حياته لم تعد تخصه.

في الطريق، اعترضهم رجل ضخم يعمل محصّلًا لأحد التجار الذين يدين لهم كاي بمبلغ صغير متراكم منذ أشهر.

"لن تذهب إلى أي مكان قبل أن تدفع ما عليك يا آش." قال الرجل بصوت مهدد وهو يسد الممر الضيق.

ابتسم كاي ابتسامته المعتادة رغم الوقت الحرج. "أنا فعلاً في عجلة من أمري الليلة، لكن دعني أقترح عليك صفقة سريعة: انسَ الدَين، وسأنسى أنني رأيتك تختبئ من دورية أمنية قبل ساعة بسبب بضاعة مهربة في حقيبتك."

تجمد الرجل للحظة، ثم تراجع متمتمًا بشتائم خافتة، وأفسح الطريق. كانت آخر مرة يستخدم فيها كاي مهاراته القديمة في هذا المكان، وشعر بشيء أشبه بالحنين رغم كل شيء.

قادتهم ليلى عبر أنفاق لا يعرفها إلا من عاش في أوروك-9 عمرًا كاملاً، ممرات ضيقة تفوح منها رائحة الزيت والمعدن الصدئ، حتى وصلوا أخيرًا إلى رصيف تحميل مهجور بعيد عن أعين الحراسة. هناك، ترسو سفينة نقل صغيرة، هيكلها مرقّع بألوان متعددة تشي بتاريخ طويل من الإصلاحات المتعجلة، تحمل اسمًا مطليًا بالكاد يُقرأ تحت طبقات الصدأ: الصقر الرمادي.

عند مدخلها، وقف رجل طويل نحيل، شعره أشعث يتطاير مع نسيم مكيفات الهواء الصناعية، وابتسامة تشبه ابتسامة كاي نفسه في وقاحتها المحببة.

"ليلى ناصر،" قال الرجل بصوت مرح رغم توتر واضح يختبئ خلف عينيه المتحركتين بلا توقف. "تدينين لي بمعروف كبير، وأنا هنا لأحصّله في أسوأ توقيت ممكن على الإطلاق."

"رورك دالكا،" ردّت ليلى بضيق محبب واضح في نبرتها، "أحضرت لك ثلاثة ركاب بدل معروف واحد. اعتبرها فرصة ذهبية لا تتكرر."

"ثلاثة ركاب يعني ثلاثة أضعاف الوقود المستهلك يا ليلى، وثلاثة أضعاف المخاطرة." اعترض رورك وهو يحسب بأصابعه بمبالغة واضحة. "لكن لأنني رجل نبيل بطبعه، سأكتفي بمضاعفة الدَين القديم بدل مضاعفته ثلاث مرات."

"أنت لست نبيلًا يا رورك، أنت مفلس فقط." ردّت ليلى بابتسامة خفيفة رغم التوتر.

نظر رورك إلى كاي بعينين فاحصتين، ثم إلى إيلارا الصامتة، ثم أخيرًا إلى أضواء الحصار الحمراء المنعكسة بعيدًا في سماء المحطة الاصطناعية فوقهم. صفّر بإعجاب ساخر لا يخفي توتره الحقيقي.

"أوه، هذا معروف كبير حقًا. أكبر بكثير مما كنت أتوقع حين استيقظت هذا الصباح." قال وهو يفتح باب السفينة بضربة يد معتادة. "اصعدوا بسرعة، قبل أن أُقنع نفسي بأن أذكى قرار الليلة هو الفرار وحدي، وترككم لمصيركم."

بمجرد أن أغلق الباب المعدني خلفهم بصوت معدني ثقيل، دوّى إنذار عبر أرجاء المحطة كلها، أعلى وأكثر إلحاحًا من أي إنذار سمعوه تلك الليلة، وأضاءت أضواء بيضاء حادة الرصيف من الخارج، تكشف كل زاوية مظلمة كانت تحميهم قبل لحظات.

"يبدو أنهم وجدوا الممر الذي أخفيته منذ سنوات." قال رورك وهو يندفع نحو مقصورة القيادة بخطى سريعة، أصابعه تتراقص فوق لوحة التحكم بسرعة من اعتاد الهروب أكثر من اعتاد البقاء. "تشبثوا بشيء ثابت. سنغادر بالطريقة الصعبة، وأخشى أنها الطريقة الوحيدة المتبقية لنا."

جلس كاي بجانب النافذة الصغيرة، ونظر للحظة أخيرة إلى أضواء أوروك-9 المتلألئة، المكان الوحيد الذي عرفه بيتًا طوال حياته، وشعر بشيء يشبه الحزن يختلط بشيء آخر أقوى منه: يقين هادئ بأن هذه الليلة، رغم كل فوضاها، كانت بداية حقيقية لا مجرد هروب عابر.

2026/07/16 · 1 مشاهدة · 742 كلمة
Mon
نادي الروايات - 2026