انطلقت "الصقر الرمادي" من الرصيف بعنف جعل كاي يتشبث بأقرب مقعد معدني بارد، بينما كانت أضواء تحذيرية حمراء تومض في كل زاوية من مقصورة القيادة الضيقة، وصوت تحذيرات آلية يتكرر بلا توقف بلغة رسمية باردة لا تعبأ بالفزع الذي تسببه.
"لدينا رفيقان،" أعلن رورك بهدوء من اعتاد هذا كل أسبوع تقريبًا، وهو يميل بالسفينة بحدة بين هيكلين معدنيين مهجورين يطفوان بقايا معركة قديمة نُسيت أسبابها منذ زمن طويل. "مقاتلتان سولاريتان. سريعتان. مسلّحتان أكثر بكثير مما تستحقه سفينة نقل بريئة مثلي."
"'بريئة' كلمة كبيرة عليك يا رورك، حتى في أفضل أيامك." علّق كاي وهو يحاول تثبيت إيلارا في مقعدها الجانبي بحزام واقٍ يبدو أقدم من عمرها.
"التفاصيل، التفاصيل الصغيرة التي لا تهم أحدًا الآن." ابتسم رورك رغم التوتر البادي على جبينه المتصبب عرقًا، ودفع دفة السفينة بقوة، فانزلقت بينهما وبين حطام سفينة قديمة، بالكاد نجت من اصطدام مباشر كان سيمزقها إلى قطع صغيرة.
من خلف السفينة، أضاء وميض ليزر أحمر حاد الفضاء المظلم، أخطأ هدفه بأمتار قليلة فقط، تاركًا أثرًا حراريًا خافتًا على الهيكل الخارجي.
"ليلى!" صرخ رورك بحدة غير معتادة منه، "المولّد الخلفي، الآن، لا وقت للتردد!"
اندفعت ليلى نحو لوحة تحكم جانبية مليئة بأسلاك متشابكة، وبدأت تعيد توجيه الطاقة بحركات سريعة واثقة، أصابعها تتحرك بذاكرة عضلية واضحة، وكأنها تفعل هذا يوميًا لا للمرة الأولى في حياتها القصيرة نسبيًا.
على الشاشة الأمامية، لاحت مقاتلتان رماديتان سريعتان تقتربان من الخلف مباشرة، أضواؤهما الحمراء تومض كعينين متوحشتين في الظلام. أطلقت إحداهما دفعة نيران متتالية، اهتزت لها السفينة بعنف جعل كاي يصطدم بجدار المقصورة.
"كم من الوقت لدينا؟" سأل كاي وهو يمسك بمقعد إيلارا بقوة أكبر.
"أقل بكثير مما أحتاجه فعلاً." أجاب رورك بتوتر واضح، عيناه لا تفارقان الشاشة للحظة واحدة.
شعر كاي، وسط كل هذه الفوضى الصاخبة، بالجمرة في صدره تشتعل استجابة للخطر المحدق، ترغب في الخروج، في المساعدة بطريقة لا يفهمها بعد تمامًا، كحيوان محبوس يضرب جدران قفصه.
"لا." همست إيلارا فجأة، ويدها الصغيرة تمسك بذراعه بقوة غير متوقعة إطلاقًا لطفلة بحجمها النحيل. "ليس الآن يا كاي. ستكشف مكاننا للفضاء كله، لكل من يبحث عنا."
نظر إليها كاي بدهشة حقيقية اخترقت توتره للحظة. كيف عرفت ذلك بالضبط، ومن أين جاءها هذا اليقين الغريب؟ لكنه لم يسأل، لا الآن على الأقل، بل تنفس بعمق مضبوط، وأجبر الحرارة المتصاعدة على الهدوء رغم كل غريزة بداخله تصرخ بعكس ذلك تمامًا.
مرّت ثوانٍ طويلة تشبه الدهر بكامله، سفينتهم تتلوى بين أنقاض معدنية عملاقة كالثعبان الهارب، قبل أن تصرخ ليلى أخيرًا بانتصار واضح في صوتها المتعب: "الآن! حوّل الآن يا رورك!"
انحرفت "الصقر الرمادي" بشدة مفاجئة نحو حقل حطام كثيف، تلاعب رورك بالدفة بمهارة استثنائية بين قطع معدنية عملاقة متطايرة، أطراف سفن محطمة وأسلاك متفحمة، حتى اختفت السفينة تمامًا عن أنظار المقاتلتين خلفهما وسط الفوضى المعدنية الكثيفة.
حين خفتت الأضواء الحمراء أخيرًا، وساد صمت نسبي في المقصورة لا يكسره سوى أنين هيكل السفينة المتعب، زفر رورك بارتياح مبالغ فيه، جسده يسترخي دفعة واحدة كأنه يعود إلى الحياة.
"حسنًا،" قال وهو يمسح العرق الغزير عن جبينه بكم قميصه، "أظن أن هذا يستحق معروفين كاملين يا ليلى، لا معروفًا واحدًا كما اتفقنا سابقًا."
"سنناقش الحساب لاحقًا يا رورك." ردّت ليلى وهي تفحص لوحة الطاقة للتأكد من عدم وجود أضرار خفية. "الآن، لنطمئن على الجميع أولًا."
لكن كاي لم يكن يستمع إلى مزاحهما المعتاد. كان ينظر إلى إيلارا، التي عادت إلى صمتها المعتاد فجأة، عيناها فارغتان من أي أثر لما قالته للتو، وكأن تلك الكلمات لم تخرج من فمها أصلاً.
"إيلارا،" قال بهدوء حذر، محاولًا ألا يخيفها، "كيف عرفت أن استخدام قوتي سيكشف مكاننا؟ من أخبرك بهذا؟"
نظرت إليه بعينين هادئتين غريبتين، لا خوف فيهما ولا تردد. "لا أعرف." قالت ببساطة مقلقة أكثر من أي إجابة معقدة. "فقط عرفت، كما تعرف أنت أن الشمس ستشرق غدًا."
ساد صمت طويل في المقصورة، وشعر كاي أن هذه الرحلة، رغم أنها بدأت للتو، تحمل بداخلها ألغازًا أعمق بكثير مما توقعه في أي لحظة من حياته السابقة.
حين تأكدوا أخيرًا أن لا أحد يتبعهم، سمح رورك للسفينة بالانزلاق ببطء بعيدًا عن حقل الحطام نحو مسار أكثر هدوءًا. جلست ليلى بجانب كاي، ونظرت إلى الجروح الطفيفة على ذراعه من الارتطام، وبدأت تضمدها بصمت دون أن تطلب إذنه، بحركات معتادة من فعلت هذا آلاف المرات من قبل.
"ستكون بخير." قالت أخيرًا، أكثر لنفسها منه. "نحن جميعًا سنكون بخير، بطريقة ما."
لم يرد كاي، لكنه أمسك يدها للحظة قصيرة قبل أن تكمل عملها، شكرًا صامتًا لم يحتج كلمات.