بعد يومين كاملين من السفر عبر ممرات فضائية مهجورة، تُضاء فقط بنجوم بعيدة باردة، وصلت "الصقر الرمادي" أخيرًا إلى وجهتها: محطة رصيف الغراب، عالم صغير من المعادن الملحومة بعناية عشوائية والأضواء الملونة المتراقصة، حيث لا تسري قوانين أي إمبراطورية معروفة، ولا يسأل أحد عن اسمك الحقيقي طالما معك ما يكفي من العملة المشتركة.
"مرحبًا بكم في المكان الوحيد في المجرة كلها،" أعلن رورك بفخر ساخر وهو يقود السفينة بحذر نحو رصيف مزدحم بالسفن من كل الأشكال والأحجام، "حيث لا أحد يهتم من أنتم فعلاً، طالما لا تسببون مشاكل أكبر من التي تجلبونها معكم أصلاً."
"مطمئن جدًا لسماع هذا." تمتم كاي وهو ينزل من السفينة بحذر، عيناه تمسحان السوق الصاخب المكتظ بأجناس لا حصر لها: بشر بملابس رثة يتاجرون بصوت عالٍ، وفضائيون بحراشف لامعة تعكس الأضواء الملونة، وآخرون بأربع أذرع يبيعون قطعًا معدنية غريبة الشكل لا يعرف كاي وظيفتها.
توزعوا سريعًا لإنجاز مهامهم: احتاجوا جميعًا إلى المال، وإلى معلومات موثوقة، وإلى مكان آمن يختبئون فيه حتى تهدأ الأمور قليلاً. أنفق كاي ساعات طويلة يبيع مهاراته القديمة في السرقة الصغيرة والتفاوض الحاد، محاولًا جمع ما يكفي من العملة، بينما بحثت ليلى عن قطع غيار نادرة لإصلاح أضرار السفينة الطفيفة، مساومة تجارًا مرهقين بلباقة لا تقل عن لباقة كاي نفسه. بقي رورك عند السفينة يراقبها بحذر، فيما بقيت إيلارا قريبة منه، صامتة كعادتها، تراقب كل شيء حولها بعينين لا تنامان أبدًا حقًا.
في زقاق جانبي مظلم، بعيدًا عن ضجيج السوق الرئيسي، وبينما كان كاي يفاوض تاجرًا مريبًا على سعر معلومة صغيرة عن حركة السفن الإمبراطورية في القطاع، شعر بشيء غريب يزحف على جلده: إحساس ثقيل، كأن عينين تراقبانه من الظلام المحيط دون أن يستطيع تحديد مصدرهما بدقة.
توقف عن الحديث فجأة، ونظر حوله بحذر مفاجئ.
لم ير أحدًا يستحق الانتباه.
لكن الإحساس بقي عالقًا، كخيط رفيع مشدود حول عنقه بلطف، يذكّره بوجوده كل بضع ثوانٍ، حتى أنهى صفقته بسرعة أكبر من المعتاد وابتعد.
في تلك الليلة، وهو يعود إلى السفينة عبر ممر ضيق شبه فارغ إلا من أضواء خافتة متقطعة، سمع صوتًا خلفه — خطوات خفيفة، دقيقة، لا تكاد تُسمع إلا لمن دُرِّب طويلاً على سماعها تحديدًا.
استدار كاي بسرعة غريزية، قضيبه المعدني القديم جاهز في يده رغم بساطته السخيفة مقارنة بما رآه من أسلحة في هذه المحطة.
لم يكن هناك أحد أمامه.
ثم سمع صوتًا من فوقه مباشرة، هادئًا، أنثويًا، باردًا كليل بلا نجوم.
"استرخِ. لو أردت أذيتك حقًا، لكنت ميتًا منذ ثلاث دقائق كاملة، وربما أكثر بقليل."
نظر كاي إلى الأعلى بحذر، فوجد امرأة تجلس بهدوء تام على حافة سقف معدني منخفض، شعرها داكن قصير يتحرك مع نسيم خفيف، عيناها تلمعان في الظلام كعيني قطة مفترسة تراقب فريستها بصبر لا نهائي، وابتسامة هادئة غامضة لا تفصح عن أي شيء حقيقي.
"مين أنتِ بحق الجحيم؟" سأل كاي بحدة، وقد شعرت الجمرة في صدره باقتراب خطر حقيقي لأول مرة منذ أيام طويلة من الهروب النسبي.
قفزت المرأة بخفة مذهلة من السقف العالي، وهبطت أمامه مباشرة دون أدنى صوت يُسمع، كأن الجاذبية نفسها تتجنبها عن قصد.
"اسمي سايبل فوس." قالت، وهي تدور حوله ببطء مدروس، كصياد ماهر يتفحص فريسته المحتملة قبل أن يقرر إن كانت تستحق الجهد المبذول أصلاً. "وأنت، يا صاحب التوقيع الغريب، أصبحت مؤخرًا اسمًا يتكرر كثيرًا جدًا في أوساط لا يجب أن تعرف بوجودها أصلاً في حياتك القصيرة."
حين وصل أخيرًا إلى السفينة، توقف للحظة عند المدخل، ونظر خلفه إلى أضواء رصيف الغراب المتلألئة، متسائلاً كم من العيون الخفية الأخرى قد تراقبه في هذه اللحظة بالذات دون علمه. لم يكن هذا شعورًا مريحًا على الإطلاق، لكنه بدأ يدرك أنه ربما لن يشعر بالأمان الكامل مرة أخرى، ليس بعد الليلة التي استيقظت فيها قوته لأول مرة.
قبل أن يبتعد كثيرًا، توقف كاي عند بائع متجول يعرض خرائط قديمة مطبوعة على ألواح معدنية رقيقة، فضولٌ عابر دفعه للتوقف رغم كل ما حدث للتو. لمح بين الخرائط رسمًا تخطيطيًا باهتًا لمنطقة بعيدة من المجرة، مكتوب بخط يدوي متآكل: "أراضٍ لا قانون فيها، حيث لا تصل يد أي إمبراطورية". لم يكن يعرف حينها أن هذه القطعة الصغيرة من المعلومات ستصبح مهمة لاحقًا، فدفع ثمنها بلا تفكير كبير، وأخفاها في جيبه، عادة قديمة من أيامه كلص لا يترك أي معلومة تذهب سدى مهما بدت تافهة.