عاد كاي إلى السفينة مضطربًا بشدة، لكنه لم يخبر أحدًا بتفاصيل ما حدث فعلاً بعد — ليس بعد أن يفهم هو نفسه طبيعة ما حدث معه بشكل كامل أولاً، قبل أن يثقل الآخرين بأسئلة لا يملك إجابات مقنعة لها.
لكن الليل في رصيف الغراب لم يكن قد انتهى بعد من مفاجآته الثقيلة.
بدأ الأمر بصراخ بعيد متقطع، ثم انقطاع مفاجئ في الكهرباء في نصف المحطة تقريبًا، ثم ذلك الصوت الذي عرفه كاي جيدًا جدًا الآن: ذبذبة عميقة تسري في الهيكل المعدني كلّه، كأن المحطة نفسها تتنفس بصعوبة مفاجئة.
شق آخر.
"هذا مستحيل تمامًا،" همست ليلى وهي تندفع خارج السفينة بسرعة للاطمئنان على المحيط المباشر، "الشقوق لا تظهر بهذا القرب من بعضها البعض، ليس بهذه السرعة المرعبة على الإطلاق."
خرج كاي خلفها مسرعًا، ليجد السوق المزدحم يتحول بسرعة مذهلة إلى فوضى صراخ وركض جماعي، بينما كان شكل دخاني مألوف تمامًا يخرج ببطء مقلق من تمزق أسود عميق في زاوية بعيدة من الرصيف، أكبر بكثير من الجاثم الذي واجهه سابقًا في أوروك-9 قبل أيام قليلة فقط.
هذه المرة، لم يتردد كاي ولو للحظة واحدة.
اندفع نحو المعركة دون تفكير واعٍ، والجمرة في صدره تشتعل بالكامل هذه المرة، غير آبهة تمامًا بأي تحذير سابق يتذكره. تحرك بسرعة تفوق كل ما اختبره من قبل في حياته القصيرة، يضرب الجاثم بحركات بدأت تكتسب شكلاً واضحًا، نمطًا متماسكًا، كأن جسده يتذكر بغريزة عميقة شيئًا لم يتعلمه عقله الواعي بعد على الإطلاق.
وسط المعركة الصاخبة، ظهرت سايبل فوس فجأة إلى جانبه مباشرة، تقاتل بأسلوب مختلف تمامًا عن أسلوبه الخام، هادئ ودقيق جدًا، كسكين حادة تتحرك بثقة في الظلام الكثيف.
"لم أطلب مساعدتك، على الإطلاق!" صرخ كاي وهو يتفادى بالكاد ضربة قوية من مخلب دخاني ضخم.
"لم أعرضها من أجلك أساسًا، فلا تغتر كثيرًا," ردّت سايبل ببرود تام وهي تضرب الجاثم في نقطة دقيقة محسوبة جعلته يتراجع صارخًا بصمت مرعب. "بل من أجل حل هذا الأمر بسرعة قبل أن يجذب انتباهًا أكبر بكثير مما نحتاجه كلانا الآن."
من بعيد، حاول رورك تفريق الحشد المذعور بعيدًا عن مسار المعركة، صارخًا بأوامر لا يسمعها أحد وسط الفوضى، بينما وقفت إيلارا بجانب السفينة بثبات غريب، لا خوف ظاهر في عينيها هذه المرة على الإطلاق، بل تركيز عميق غير معتاد، وكأنها تتحدث بصمت تام مع شيء لا يراه أحد غيرها في هذا العالم كله. لاحظت ليلى ذلك من بعيد، لكنها لم تجرؤ على مقاطعتها وسط الخطر المحدق.
حين انتهت المعركة الشرسة أخيرًا، وانطوى الجاثم على نفسه ببطء واختفى تمامًا في الشق الذي أغلق خلفه بصوت معدني حاد، وقف كاي يلهث بشدة، جسده مغطى بجروح سطحية متعددة، لكنه على الأقل ما زال حيًا يرزق.
نظرت سايبل إليه بتقييم جديد تمامًا انعكس بوضوح في عينيها الحادتين.
"أنت تتعلم بسرعة مذهلة حقًا." قالت بصدق نادر. "أسرع بكثير مما يجب لشخص بلا معلّم حقيقي إلى جانبه."
"ربما أحتاج معلّمًا إذن، بشكل عاجل." قال كاي بصوت منهك تمامًا، لكن جادًا لأول مرة حقيقية بشأن هذه الفكرة الغريبة عليه.
ابتسمت سايبل ابتسامة غامضة مليئة بمعانٍ خفية. "أعرف اسمًا واحدًا فقط قد يوافق على تعليم شخص متهور مثلك. لكن إيجاده... مسألة أخرى صعبة تمامًا، تستحق نقاشًا أطول من هذا الوقت المتأخر."
جلس كاي على الأرض المتربة بجانب السفينة، يلتقط أنفاسه أخيرًا، بينما كانت سايبل تتفحص جرحًا طفيفًا في يدها بلا مبالاة ظاهرة، وكأن المعارك ضد وحوش الفراغ كانت جزءًا روتينيًا من يومها المعتاد.
"لماذا ساعدتني بالضبط؟" سألها كاي أخيرًا، فضوله يتغلب على حذره. "قلتِ إنك لا تفعلين شيئًا مجانًا."
"لم أساعدك." ردّت ببساطة. "ساعدت نفسي في حل مشكلة كانت ستكبر لو تُركت للفوضى. أنت كنت مجرد أداة مفيدة في تلك اللحظة، لا أكثر." لكن نظرة عينيها حين قالت ذلك لم تكن بنفس برودة كلماتها تمامًا.
بعد المعركة، وبينما كانت ليلى تضمد جروحه السطحية في السفينة، سألها كاي بهدوء عما رأته في عيني إيلارا أثناء المعركة.
"لم أرَ شيئًا واضحًا،" أجابت ليلى بصدق، "لكنني شعرت أن شيئًا في هذه المحطة يعرفها هي، لا نحن. وهذا يخيفني أكثر من أي جاثم رأيته الليلة."
نظر كاي إلى إيلارا النائمة أخيرًا في زاوية المقصورة، وتساءل، ليس للمرة الأولى، عن الأسرار الحقيقية التي تحملها هذه الطفلة الصغيرة الهادئة، وعن مدى استعداده لمعرفتها حين يحين الوقت.
لاحظ رورك، وهو يساعد في تنظيف آثار المعركة عن هيكل السفينة الخارجي، أن يد كاي كانت لا تزال ترتجف قليلًا من التوتر، رغم محاولاته الواضحة لإخفاء ذلك خلف ابتسامته المعتادة. لم يعلّق على الأمر مباشرة، لكنه وضع يده على كتف كاي للحظة صامتة، إشارة تضامن بسيطة لم تحتج كلمات كثيرة لتوصيل معناها.