ما ان رأيت الشاشة الكبيرة التي يظهر عليها وجهي ووجه دان هارو، حتى اجتاحني قلق مفاجئ، فادرت رأسي ونظرت الى دان هارو الواقف في الجهة اليمنى من المسرح.
كان قد تأكد بدوره انه مرشح للمركزين السابع والثامن، فبدا عليه الارتباك لحظة، ثم عض شفتيه وخفض رأسه كمن يعلن تقبله للنتيجة. رد فعله الهادئ على نحو غير متوقع جعلني استعيد رباطة جأشي انا ايضا، وعدلت هيئتي من جديد.
‘اهدأ. في كل الأحوال، كلانا ضمن الوصول إلى النهائي.‘
لسنا في موقف خطير كالذي كان في المرة السابقة، حيث كان يمكن ان نُقصى لولا فائدة الجولة الثالثة. بل ان بعض ارقام التصويت المعلنة جزئيا او نقاط التقييم تبدو اعلى او مماثلة لما كانت عليه في الإقصاء السابق.
لم يكن هذا خطئي او خطأ دان هارو، بل كان من المنطقي القول ان الاخرين وفاندوماتهم ادوا افضل.
‘لإلغاء هذه النتيجة، عليهم إعادة الجولة الرابعة بالكامل… ولا أظن أنهم سيخاطرون بذلك الآن.’
اذن لا بأس بعد.
طمأنت نفسي بذلك، وارخيت دون وعي قبضتي المشدودة. لم ادرك كم كنت متوترا الا حين شعرت بتخدر في اصابعي وارتجاف جسدي.
ومع ذلك، مقارنة بتلك الايام التي كنت اعود فيها بالزمن دون ان افهم شيئا، كان مجرد امكانية التوقع هذه كافيا ليمنحني هدوءا اكبر.
لا يزال بوسعي ان احمي كل شيء.
“من منهما استقر في المركز السابع، وهو اخر مراكز الترسيم؟ سنكشف النتيجة الان.”
مع موسيقى مشحونة بالترقب، تحركت الاضواء في ارجاء المسرح.
انا ودان هارو.
حاولت بسرعة ان احسب اي النتيجتين افضل، لكن لم يكن الجواب سهلا.
مع ذلك، بما ان ترتيبي السابق كان التاسع، ومع احتمال خسارتي عددا من افراد الفاندوم هذه المرة، فقد يكون دان هارو، الذي حافظ على وضعه نسبيا، اقرب الى المركز السابع.
دارت الاضواء طويلا، ثم توقفت في موضع واحد.
وامتلأت الشاشة باسم…
“المركز السابع، المتدرب كانغ هاجين.”
…كنت انا.
“انا؟ انا السابع؟”
“هاجين هيونغ، اخيرا خرجت من مرتبة الريش؟”
“هيونغ، تهانينا!”
سمعت اصوات التهنئة ولمسات تربت على ظهري، لكنها بدت بعيدة، غير مؤلمة. حتى وانا اتقدم نحو المنتصف باشارة من المخرج المساعد، شعرت بانفصال غريب عن الواقع. ولم استفق تماما حتى صعدت المنصة وامسكت الميكروفون.
“المتدرب كانغ هاجين. بعد ان دخلت مرتبة الاجنحة بتحقيقك المركز الخامس في الجولة الاولى، بقيت في مرتبة الريش طويلا، وها انت تعود اليها مجددا. كيف تشعر؟”
“اه… نعم، شعوري.”
الشعور، نعم. يجب ان اتحدث.
استوعب عقلي الامر، لكن جسدي لم يستجب.
“اممم….”
ليس المركز الاول ولا الثاني، بل السابع فقط.
ودان هارو، المرشح الابرز لكونه العائد المختار، تراجع الى الثامن خارج نطاق الترسيم، وهذا امر خطير.
واذا كنت ما ازال في السابع رغم كل هذا الجدل الذي اثير حولي، فربما تكون المشكلة اعمق مما تبدو.
“…اشعر بسعادة كبيرة.”
لكن في هذه اللحظة، لم يخطر ببالي شيء من ذلك.
“هكذا يكون الشعور اذن.”
انفلتت مني ضحكة خفيفة بلا سبب.
ليس هذا الترتيب النهائي، ومع ذلك بدا وكأن حبلا كان مشدودا في زاوية من قلبي قد انقطع اخيرا. كلما حاولت الكلام، تسللت ابتسامة بلهاء الى وجهي. تمسكت بقوة كي لا تخونني ساقاي.
ومع ذلك، لم يكن بوسعي ان اواصل الوقوف صامتا هكذا. تمسكت بالميكروفون وفتحت فمي بصعوبة، فيما كانت يداي ترتجفان على نحو غير لائق.
“بصراحة، لا اعرف تماما ماذا ينبغي ان اقول….”
تدفقت في رأسي مشاعر وافكار كثيرة، فلم تخرج الكلمات بسهولة.
لم اكن يوما شخصا يعجز عن الكلام.
حتى حين عملت بائعا مؤقتا في الشتاء القارس عند منصة مستحضرات تجميل في الشارع، كنت اتحدث بطلاقة لاقناع الزبائن.
وانا ابحث عن كلمة تليق بهذا الشعور، التقت عيناي فجأة بعيني دان هارو الواقف في مكان المتدربين المقابل لي.
على عكس ما توقعت، كان يبتسم لي ابتسامة صادقة مشرقة. وحين التقت نظراتنا، رفع ابهامه نحوي وهو يبتسم اكثر، كأنه اكثر فخور اكثر مني.
ما ان رأيت وجهه حتى هدأ الاضطراب في رأسي دفعة واحدة.
ارخيت جسدي المشدود، ونظرت الى الكاميرا ذات الضوء الاحمر، وقلت كلمتي.
“…بعد ان وصلت الى هنا، بدأ الطموح يتملكني حقا.”
كانت هذه التجربة في الاصل محاولة لايقاف العودة بالزمن، ومشاركة في برنامج بقاء اقترحتها بلا مبالاة.
لكن الان، بالنسبة لك ولي،
اصبح هذا الوقت شيئا لا يمكن التفريط به.
“سأترسم حتما مع هؤلاء الاصدقاء هنا. وسأبذل قصارى جهدي ليصبح ذلك واقعا. شكرا لكم، ديستي.”
ان كان هذا هو سعادتك التي وجدتها، فساحميها في هذه الحياة مهما كلف الامر.
بهذا العزم، انحنيت امام الكاميرا التي لا تزال تصورني.
كان ذلك شكرًا لمعجبي الذين دفعوني لأصعد هذه الدرجات.
***
بعد خطابي، تسارعت إعلان المراتب.
وحين انهى دان هارو، صاحب المركز الثامن، كلمته البريئة قائلا انه ممتن لفرصة الوقوف مجددا مع الهيونغ، نودي مباشرة على المركزين الرابع والسادس في وقت واحد.
جو اون تشان، الذي ظل متجذرا في المراتب العليا رغم كل التقلبات، وكيم وونهو الذي بدا وكأنه حصد يقظة فاندومه وربما شيئا من اصوات التعاطف.
“سأصبح ايدولا لا يخجل من اصواتكم.”
“انا… لم اكن… لم اتوقع ابدا…. اه، شكرا لاختياركم لي.”
بينما تحدث جو اون تشان بصوته المعتاد المتماسك، لم يستطع كيم وونهو منع بعض الدموع. اقترب متعثرا ليقف بجانبي بعينين محمرتين، فاكتفيت بالتربيت على ظهره قائلا انه بذل جهدا كبيرا.
بدا لي ان هذا هو التصرف الصحيح فحسب.
“والان سنعلن صاحبي المركزين الثاني والثالث.”
على نحو مفاجئ، كان التوتر هنا اقل مما كان عند اعلان السابع والثامن.
فبعد تراجع جو اون تشان الى الرابع، وهو الذي كان من دعائم القمة باستثناء الجولة الاولى التي شهدت مناورة هان سونغوو، بدا واضحا من سيشغل هذين المركزين.
وكما توقعت، ظهرت لقطة مزدوجة للي دوها وسيو تايهيون على الشاشة.
“صاحب المركز الثاني في حفل الاقصاء الثاني هو… المتدرب لي دوها.”
“حقا؟ ليس تايهيون هيونغ؟”
المفاجأة الوحيدة كانت ان سيو تايهيون لم يحتل المركز الثاني بل تراجع الى الثالث.
وبالنظر الى الفارق الطفيف في النقاط رغم حصول لي دوها على الفائدة، بدا الامر اقرب الى صعود قوي لدوها منه الى تقصير من تايهيون.
‘سيكون الامر مزعجا لتايهيون.’
فقد سبق ان تراجع ترتيبه قبل النهائي في برنامج مملكة فتيان، الأمر مقلق.
قد يبدو الانتقال من الاول الى الثالث بسيطا، لكنه بالنسبة لمن اعتاد مرتبة الاجنحة، قد يكون صدمة. فالسقوط من الدرجة الاولى الى الثالثة ليس كالسقوط من الرابعة الى السادسة.
‘تشكيلة الترسيم الحالية ايضا ليست مثالية لتايهيون.’
جونغ سيوو، لي دوها، جو اون تشان، لي يوغون، كيم وونهو، وانا.
صحيح ان جونغ سيوو يضفي قدرا من التوازن، لكن حتى ملامحه المنحوتة التي تخلو من اي عيب تضيف ثقلا في الحضور. اجواء كل واحد منهم مختلفة عن تايهيون.
لم يكن غريبا ان يتساءل الناس: “سيو تايهيون في ميرو؟”
حتى في مملكة فتيان، كان سبب اقصائه انه لا يتناسب مع صورة الفرقة التي ارادها الجمهور. كان اصغر سنا و اكثر واشراقا مما تخيلوه.
‘كان امرا سيصطدم به عاجلا ام اجلا.’
تذكرت حيرته في جولة“صرخة إليك”، وادركت ان عليه تجاوز هذا الجبل في يوم ما. كان عليه ان يستعد لذلك منذ قرر الانضمام الى ميرو، سواء بإقناع تشا مينسوك او غيره.
راقبت سو تايهيون وهو يصعد ببطء الى موقعه في المركز الثالث، ثم حولت نظري الى الامام. لم يحن وقت القلق على المرحلة التالية بعد، فما زال هناك من لم يُحسم مصيره.
“والان… حان وقت اعلان اول المتدربين الذين سيغادرون.”
بدا ثقل الكلمات واضحا على سو تايل، فصمت للحظة.
حتى بعد اشارة فريق الانتاج لم يستطع ان يتكلم فورا. وبعد دقائق من ضبط مشاعره، رفع الميكروفون اخيرا.
“في حفل الاقصاء الثاني لميـرو ميـز. اول متدرب سيغادر دون الوصول إلى النهائي هو…..”
بقي خمسة متدربين.
جايدن، غونغ سوك، يوكي، بارك جاييونغ، وشين كيونغهو.
وكان اول المقصيين هو من توقعه الجميع.
“بالمركز الثالث عشر، المتدرب شين كيونغهو.”
خفض كيونغهو رأسه بوجه مستسلم، كأنه كان يتوقع ذلك. انطفأ الضوء الذي كان يسلط عليه بصمت، فيما واصل سو تايل دون توقف.
“والان سنعلن المتدرب صاحب المركز التاسع، الذي تأهل بصعوبة الى النهائي. هذا المتدرب نجح في تثبيت موقعه بوضوح في عرضه الاخير.”
بين المتبقين، كان “الموقع” ينطبق فقط على غونغ سوك وجايدن.
ففي الجولة الرابعة، ثبت الاول نفسه كمغن، والثاني كرابر لميـرو ميـز.
‘ترتيب جايدن في المرة السابقة كان اعلى من سوك هيونغ بفارق بسيط.’
ومع حصوله على الفائدة، ما لم يتضاعف فاندوم سوك فجأة، فالمركز التاسع سيكون على الارجح…
“المركز التاسع، المتدرب جايدن.”
“اه….”
كما توقعت.
في لحظة قصيرة، تقاطع الفرح والحزن بين جايدن وغونغ سوك.
اندفع جايدن الى الامام وهو يطلق تعبيرات انجليزية متتابعة، مازحا بانه بحث امس عن سعر تذكرة العودة الى شيكاغو. لكن العرق البارد الذي غطى ظهره كشف كم كان خائفا من الاقصاء.
“سوك هيونغ ….”
التفت الى الصوت الخافت بجانبي، بدان هارو في المركز الثامن يقبض على يديه بقوة وينظر بقلق الى المسرح. كان يخشى اقصاء غونغ سوك، زميله في الفريق.
“دان هارو.”
“نعم؟”
“لا تقضم اظافرك. ستعتاد ذلك.”
“…اه. نعم!”
كان يعبث بجلد اظافره دون وعي، فلفت انتباهي ذلك. اسقط يديه مذعورا، ثم امسك بطرف ملابسه و بعينين توشكان على البكاء.
انتقلت خطوة نحوه، وامسكت معصمه بلطف لابعد يده عن ملابسه.
“لا بأس.”
“…….”
“لا بأس، دان هارو.”
ربما كانت تلك الكلمات موجهة الي ايضا.
“والان سنعلن المتدرب الذي سجل المركز الثاني عشر واقصي.”
برنامج البقاء الذي تشكل بعد عودتي.
الاقدار التي تغيرت بسببه.
مقاعد ربما انتزعتها من احدهم.
“بالمركز الثاني عشر، المتدرب يوكي.”
لعلها كانت كلمات تغطي شعوري الغامض بالذنب.
“لم يتبق سوى بطاقة واحدة للنهائي. وبقي متدربان.”
ظهرت صورتا الاثنين على الشاشة.
“غونغ سوك وبارك جاييونغ، تفضلا الى المنصة.”
لقد حان الوقت ليضع احدهم نقطة النهاية في هذه الرحلة.