لحسن الحظ — أو ربما لسوء الحظ — عندما تواصل لي هيون-إيل مع لي دوها وحدد موعدًا للقاء، أخبره أنه سيزور الشركة قبل وقت الغداء. وبفضل دوها، الذي استيقظ قبلي وتولى الاتصال بالشركة بنفسه، لم يكن علي عند استيقاظي سوى أن أستحم وأستعد للمغادرة.

ما إن فتحت عيني حتى اغتسلت، وبدلت ملابسي، وفككت شيئًا من الأمتعة التي أحضرتها مساء الأمس مع الحقيبة، ثم جلست على أريكة غرفة المعيشة أفكّر بجدية.

‘…حافلة الأعضاء امتياز حقيقي.‘

لم يسبق لي في حياتي أن حظيت بدعم كامل إلى هذا الحد.

أن أتلقى الحلول جاهزة من غيري وأكتفي بالأخذ كان أمرًا غير مألوف منذ زمن، لذا بدا الشعور غريبًا، لكن جسدي كان مرتاحًا بلا شك. مجرد التفكير بأن أولئك الزملاء في مشاريع العمل الجماعي وهم يعيشون بهذه السهولة طوال سنوات الدراسة، شعرت بشيء من الغيظ والاستياء

وبينما كنتُ أضغط على وسادة الأريكة، متخيلًا أعضاء مشروع محتملين — غالبًا طلاب ثانوية يستعدون لاختبارات القبول — خرج لي يوغون من المطبخ مرتديًا مئزرًا أصفر مربعًا، يحمل صينية.

“توقف عن تفريغ غضبك في الوسادة وتناول فطورك.”

“هل هذا أسلوب غير رسمي أم رسمي؟”

“آه، مجرد عادة.”

“إذن قررت أخيرًا أن تعاملني كجدّ”

وضعنا معًا مائدة الإفطار التي أحضرها على الطاولة في غرفة المعيشة، وكانت أفخم مما توقعت.

ضلوع مطهية، وأنواع مختلفة من الأقراص المقلية…

حساء أعشاب بحرية مع محار، عدة أنواع من الكيمتشي، وأطباق جانبية متنوعة. لوهلة تساءلت إن كان اليوم تشوسوك.

مع أننا في اوائل أغسطس، ولم يأت الخريف بعد.

“…هل كانت هناك وليمة بالأمس؟”

“كان المفترض أن تكون، لكن أُغمي عليك فأُلغيت.”

“آه.”

اقتَنعت فورًا، ووضعت في فمي فطيرة مقليًا لأشغل لساني. لا أعلم من أعده، لكن التتبيلة كانت مثالية.

“واو. هذه الفطيرة لذيذ جدًا. من الذي أعده؟ ينبغي أن أشكره.”

“اشتريته من المتجر.”

“همم. إذًا سأبدأ بشكر المتجر كلما ذهبت.”

يبدو أن هذا اليوم لا تسير فيه الأمور كما ينبغي.

لم يكن يوغون لطيفًا بطبعه، لكنني شعرت اليوم بمسافة أكبر من المعتاد، فحشرت في فمي فطيرة اخرى.

كان بقية الأعضاء لا يزالون نائمين، وكنا ننتظر خروج لي لنأكل معًا. غير أن يوغون، بدل أن يعود إلى غرفته كما توقعت، جلس فجأة قبالتي والصينية لا تزال في يده.

“……?”

“…….”

“…ما الأمر؟ لماذا تنظر هكذا؟”

بساق مرفوعة، وذراع مستندة إلى ركبته، وذقنه على يده، راح يحدق بي بتمعن. وحين سألته، لم يجب. اكتفى بالنظر إلي كذئب متجهم، ثم هز رأسه فجأة ونهض.

“توقف. ماذا؟ لماذا؟ ماذا تعني بهزة الرأس تلك؟”

“لا شيء.”

“لا، لم يُحسم شيء بالنسبة لي. لماذا تتصرف وكأن كل شيء انتهى؟”

“…على أي حال، أنت لست شخصًا يستسلم ويهرب مثلي، لذا لا شيء أقوله.”

اعتن بنفسك. وإذا انتهيت من الطعام فاغسل الأطباق.

قالها ثم مضى بخطواته الطويلة إلى غرفته.

وقفت أحدق في ظهره غير فاهم، لكن ذكرى مرت كلمح البصر في رأسي، كأنها ديجافو.

— أنا سأندم كثيرا على عرضنا.

-إن لم تكن أنت فيه، فلن يكون له معنى

حين تذكرت مشهد تهدئتي ليوغون في حادثة “يوغون اللانهائي”، وأنا أطعمه لفائف الأرز بلحم الخنزير المتبل وأقنعه، أدركت أخيرًا ما الذي قصده بكلامه، فابتسمت بلا وعي.

هل أراد أن يردّ لي شيئًا شبيهًا بما فعلته انذاك؟

وبينما ألتقط الفطيرة الثالثة، خرج لي دوها من الحمام.

“لماذا تبتسم هكذا؟”

“لم أتوقع أن يكون يوغون كريمًا إلى هذا الحد. رد لحم الخنزير بأضلاع بقري. فتى طيب.”

“……?”

دون أن أشرح له، ملأت ملعقتي بكمية وافرة من الضلوع ووضعتها فوق الأرز الأبيض.

كما يقول المثل، الكوري يحتاج إلى الأرز. حتى جبل كومغانغ يُرى أجمل بعد الأكل. وحتى الميت يبدو أفضل إذا شبع.

وإن كنت ذاهبًا لمواجهة علاقة قديمة سيئة، يجب أن أكون ممتلئًا كي أتمكن من الصراخ والإمساك بياقة قميصه.

باندفاع مشتعل، أنهيت المائدة التي أعدها يوغون دون أن أترك حبة أرز واحدة. وكإضافة، جعلت الأطباق تلمع من شدة فركها، غاسلًا إياها بحماسة لا تقل عن مقدار غضبي.

***

عندما وصلنا إلى الشركة في سيارة مديرنا، قيل لنا إن لي هيون إيل قد وصل بالفعل.

‘هل يسكن في سيول؟’

وأنا أستحضر معلومة تافهة لا أذكرها عنه جيدًا، اتجهنا إلى قاعة الاجتماعات حيث كان ينتظر. وبينما كنا نسير في الممر، شعرت بعيون المارة تلتفت إلي خلسة.

“حاولوا قدر الإمكان ألا تلتقوا بأعين الناس وامشوا بسرعة. هناك كثير من الزوار الخارجيين، والأفضل تجنب الاحتكاك.”

في الظروف العادية كنت سأحيي بابتسامة لطيفة، لكن الوضع مختلف الآن، حتى المدير أضاف تنبيهًا.واصلت السير، وأشعر بظل المدير خلفي، وقد تعمد أن يتموضع بجسده العريض ليحجب الأنظار عني وعن دوها.

لم يمض وقت طويل حتى وصلنا.

“لتسهيل الحوار، لن يدخل موظفو الشركة إلى القاعة. لكن بما أننا بحاجة إلى الاطلاع على مجريات الحديث، فسنترك هاتفًا موصولًا داخل القاعة ونستمع في الوقت الفعلي ونسجل كذلك. وقد اتفقنا على هذا مع لي هيون إيل أيضًا.”

“نعم. شكرًا لكم.”

بشرح سريع ومنظم، دخل المدير إلى القاعة المجاورة.

أخذت نفسًا عميقًا، تبادلت نظرة مع لي دوها، ثم فتحت الباب.

“…ها، هاجين هيونغ.”

كان لي هيون-إيل جالسًا بملامح قلقة. ما إن راني حتى نهض متفاجئًا، ثم بدا عليه الارتباك أكثر حين لمح لي دوها يدخل خلفي. لا غرابة، فحتى من وجهة نظري، دخولنا معًا كفيل بأن يجعل أي شخص يبتلع ريقه أولًا. جلست دون تعليق.

“مرحبًا. مضى وقت طويل.”

“آه، نعم… فعلًا.”

كانت التحية أبسط مما توقعت.

في ذاكرتي، كان لي هيون إيل ممتلئًا أكثر، ويتلعثم قليلًا. لذلك كان يتجاهل ويُسخر منه من قبل المتدربين الآخرين، وكنت أشعر بالشفقة عليه. لم أستطع دعمه علنًا بسبب مراقبة الآخرين، لكنني حاولت حمايته قدر استطاعتي.

لا أعلم كيف يذكر هو ذلك.

تأكدت بطرف عيني من أن الاتصال عبر الهاتف الموضوع على الطاولة يعمل، ثم شبكت أصابعي وبدأت مباشرة:

“سمعت أن لديك ما تقوله لي. وأنك تعرف أيضًا من كتب ذلك المنشور.”

“هيونغ، إنه بارك شينووك. هل تتذكره؟ كان قريبًا من غوانغتشاي هيونغ.”

بارك شينووك… ويو غوانغتشاي .

رغم مرور الوقت، ما إن سمعت الاسمين حتى ارتسمت الوجوه في ذهني. خصوصًا غوانغتشاي، باسمه الغريب الذي يصعب نسيانه. ربما لأنني رأيت وجهه في أحلامي مرارًا.

- يا كانغ هاجين! لنذهب إلى التدريب معا.

—من الآن فصاعدًا، قررنا ألا نتدرب معك.

هو الذي ضمني إلى مجموعته يومًا بلا مقدمات، وهو نفسه الذي أبعدني عن الجميع فجأة.

ومع استحضار صورة بارك شينووك الذي كان يتبعه دائمًا، أسرع هيون إيل بالكلام:

“بعد خروجك، لم تمضِ فترة حتى أفلست شركتنا. هو رفض في كل تجارب الأداء، ولم يستطع التأقلم في المدرسة، و اصبح يتذمر كثيرًا مؤخرًا. ثم حين راك في ‘ميرو ميز’، يبدو أنه فقد صوابه.”

أراني هيون إيل لقطات شاشة هاتفه لحساب بارك شين ووك الخاص ورسائل كان قد سجلها، ما زاد انزعاجي.

“حتى قبل خروجك كان يردد كلام غوانغتشاي هيونغ… ويقول إنك المخطئ. وأنت ربما لا تعلم، لكن بعد رحيلك بدأ هو وغوانغتشاي هيونغ…يحركان الرأي ضد المتدربين ويعزلانهم… وأنا كنت من بينهم.”

“….”

“ثم الآن يكتب عنك هذا المنشور؟ هذا سخيف. على الأقل أنا أعلم أنك لست ذلك النوع من الأشخاص، لذلك أردت مساعدتك.”

كان يبدو صادقًا، أو ربما كانت رغبته في رد الصاع لبارك شينووك أقوى من رغبته في مساعدتي. فالكلام الذي تلا ذلك كان شكوى طويلة عن كيف تعرض هو أيضًا للعزل بطريقة ماكرة، وكم كان ذلك ظالمًا.

استمعت حتى النهاية.

وحين انتهى، تكلمت أخيرًا.

“لكن يا هيون إيل.”

“نعم؟”

“أنت أيضًا فعلت ذلك.”

كم بدا لي حديثه الآن مثيرًا للسخرية.

“أنتم فعلتم بي الشيء نفسه. استدعيتُموني إلى غرفة التدريب فجأة وأخبرتموني أنكم لن تتدربوا معي بعد الآن. ومنذ ذلك الحين كنتم تضحكون علي وتستهزئون بي و تتحدثون بسوء خلف ظهري. ألا تتذكر؟”

“…….”

“صراحةً، ليس لدي ما أقوله الآن. أنت فعلت بي ذلك، ثم بعد أن غادرت الشركة حذفت رقمي أيضًا. لماذا تأتي الآن لتقول هذه الأشياء؟”

لم أغير رقمي قط منذ الإعدادية.

لو أراد حقًا، لكان العثور عليّ سهلًا. لكنه تواصل مع دوها قبل أن يحاول الاتصال بي.

لستُ ساذجًا إلى هذا الحد.

“حسنًا، بما أننا فتحنا الموضوع، اسألك الآن. لماذا فعلتم بي ذلك؟ كنا على ما يرام، ثم فجأة انقلب كل شيء. هل كانت كلماتي وأفعالي مؤذية إلى هذا الحد؟”

“هيونغ، الأمر هو…”

“أعلم أن طباعي لم تكن جيدة انذاك. لكن بصراحة، لم يكن الأمر يستحق أن تديروا ظهوركم في لحظة، وأن تواصلوا السخرية مني طوال الوقت.”

“….”

“لم يكن مجرد خلاف وقطع علاقة. لقد عزلتموني جماعيًا. بما أن الأمور وصلت إلى هنا، أخبرني على الأقل بالسبب. لماذا فعلتم ذلك؟”

ومع استمرار الكلام، اندفعت مشاعري وارتفع صوتي دون أن أشعر.

حين اشتد صوتي، وضع دوها يده برفق على كتفي ليهدئني. بالكاد استطعت خفض نبرتي وكبح غضبي. أما هيون إيل، فكان يعبث بيديه، وعيناه تتحركان بقلق.

تدخل دوها، الذي كان يراقبنا، لكسر التوتر.

“…لا أعرف تفاصيل وضعكم.”

“……”

“لكن إن كنتَ تريد حقًا مساعدة هاجين، فعليك أن تكون صادقًا تمامًا. ما لم تكن تحاول فقط استغلالنا للانتقام.”

بهيئته السوداء بالكامل وصوته العميق، بدا كلامه ثقيلًا. أخذ هيون إيل نفسًا عميقًا وخفض رأسه، ثم بدأ يفكر قليلاً قبل أن يجيب.

“……”

“……”

“في الحقيقة…”

“….”

“بصراحة تامة، لا يوجد سبب.”

“ماذا؟”

“هيونغ,كنت فقط الشخص الذي صادف أن يقع عليه الاختيار. هذا كل شيء.”

وكانت تلك "الحقيقة"، تافهة جدًا مقارنةً بعشر سنوات من حياتي.

********

قايز ذا الفصل ؟؟؟ ارجعوا له يوم ينزل ماضي هاجين قبل التراجع عشان تشوفون مقدار انه سبب تافهة مقارنة بعمر سنوات من الظلم و و الهموم و عدم الثقة الي عاشها

2026/03/01 · 57 مشاهدة · 1452 كلمة
Solan
نادي الروايات - 2026