وصل جي سوهو الى مكان الموعد خلال ثلاثين دقيقة فقط، في سرعة لافتة. ورغم انه كان قد اغلق الهاتف معي على عجل، فقد اقترب الان بادب واضح، وهو يضغط على اسنانه قائلا:
“ما هذا الكلام المفاجئ الذي قلته قبل قليل…؟”
“سالتني ما الامر، فقلت لك الحقيقة لا اكثر.”
“كاد قلبي يتوقف خوفا من ان يكون الموظفون الاخرون قد سمعوا ذلك.”
في كل مرة اشعر بالامر نفسه: مقارنة بلقبه كـ “حارس ميرو”، فهو انسان رقيق الاعصاب اكثر مما يبدو.
كنا نجلس في مطعم قريب للوجبات السريعة، نتناول وجبة هامبرغر. راودني تساؤل عابر: هل يليق بمتدرب ايدول ان ياكل مثل هذا الطعام؟ لكن رائحة البطاطس المقلية انهت هذا التردد بسرعة.
لا باس. اذا شعرت بالذنب، يمكنني ان اجري عشر دورات في الملعب قبل النوم.
“تتكلم فجاة عن ترقية ومنصب رئيس قسم… ماهذا الكلام الفارغ.”
نظرت الى جي سوهو، الذي كان يحدق بعينين متسعتين من شدة الارتباك، وشرحت له كل ما عرفته، من البداية الى النهاية: تصرفات رئيس القسم الجريئة، وتسلطه على المتدربين. ومن باب الحيطة، لم اذكر اسمي جو اونتشان ولا دان هارو.
“…لم اكن اعلم شيئا عن هذا كله.”
“هذا طبيعي. فانت كنت مسؤولا عن اندروواي فقط.”
“لكن مع ذلك… ان اكون داخل الشركة ولا اعلم بمثل هذه الامور….”
كان واضحا ان الامر يزعجه حقا، حتى انه شد على اسنانه.
“على اي حال، فكرت ان استغل هذه الفرصة لاقصاء رئيس القسم تماما من ميرو.”
“وكيف؟ الامر ليس سهلا. صحيح انه لم يعد يملك نفوذا كبيرا الان، لكنه من اوائل المؤسسين.”
“…….”
“ثم ان كثيرين ما زالوا يقولون ان نظرته في اختيار المتدربين الجيدين لم تضعف.”
المشكلة انه يستخدم تلك النظرة لاختيار من يستغلهم فقط.
اخذت اطول عود بطاطس بدا مقرمشا، وغمرته في الميلك شيك قبل ان اكله، ثم هززت كتفي بلا اكتراث.
“سيدي المدير.”
“نعم.”
“هل تعرف ما اسرع طريقة لازالة قنبلة؟”
سقطت قطعة البطاطس من فمي مرة اخرى داخل الكوب، وتناثر قليل من الميلك شيك المذاب.
“تفجيرها. هذا اضمن حل. فلا تعود تنفجر لاحقا، ولا تقلق من فشل التفكيك.”
“…لكن هذا ليس امنا.”
“اذن، ما الطريقة الاكثر امانا لتفجير قنبلة؟”
بدا كانه يريد ان يقول بعينيه: التفجير ليس امنا من الاساس. تجاهلت ذلك وواصلت:
“اطلب من الشخص الذي زرعها ان يفجرها بنفسه.”
“هذا اقل امانا.”
“لكنه امن بالنسبة لي.”
“…….”
“ولست في مرحلة من حياتي تجعلني اقلق على سلامة شخص يستغل القاصرين.”
الذي يزرع، هو من يحصد. عند ابتسامتي الخفيفة، بدا جي سوهو متوترا. كأن المعنى لم يرق له تماما.
“اذا، ما خطتك بالتحديد؟”
رغم ذلك، بدا عليه الفضول. فسحبت ملفا بلاستيكيا على شكل L، وناولته رزمة اوراق A4 كنت قد اعددتها مسبقا.
“ما هذا؟”
“اقراه.”
“…‘من يسعى لملامسة الشمس، فليحلق’؟”
“اكمل الى الاسفل.”
“عنوان مبدئي: البحث عن كايروس* ميرو؟ ما هذا؟”
بعد ان قلب الصفحات حتى النهاية بسرعة، نظرت اليه وقلت مباشرة:
“برنامج بقاء. مسابقة داخلية لتحديد فرقة الايدول الذكور القادمة في ميرو.”
من يقرر من يستحق الظهور؟
لا احد بعينه.
لكن الجمهور يستطيع. خصوصا اذا كان هناك معجبون اوفياء يتابعون كل فرقة، ويؤمنون بفكرة دعم الشركة لابنائها.
“هذا هو المشروع الذي ستعرضه على الرئيس التنفيذي في الاجتماع القادم.”
“برنامج بقاء؟ داخل ميرو؟ ومن اين سنأتي بالتمويل؟”
“كل هذا جاهز. افتح الصفحة الثامنة.”
قلب الصفحة، فوجد اسماء شركات استثمار ابدت اهتماما، وعلامات تجارية كبرى تفكر في الرعاية، الى جانب جهات اعلامية يمكنها تولي الانتاج.
“كنت اعمل في مجال البث في حياتي الاولى.”
“لكن قلت انك كنت متدرب ايدول.”
“لفترة قصيرة في سن المراهقة فقط. ثم غيرت المسار.”
“وقلت ايضا انك عملت في شركة؟”
“خلال فترة توقف دراسي قصيرة.”
توقف جي سوهو قليلا، ثم سأل بجدية:
“…هل هناك شيء لم تجربه؟”
“ربما… ان اكون ايدولا.”
بدا الجواب مقنعا له، فعاد يقلب اوراق الخطة بتركيز.
“رئيس القسم لا يهتم اصلا بتشكيلة الظهور القادمة. بل سيحاول سحب المتدربين الجيدين قبل حسمها. لهذا علينا ان نتحرك قبله.”
“تسمي هذا دفاعا؟”
“لن يظهر الجميع على اي حال. وفي وضعهم الحالي، من هم خارج الصف الخاص ليست لديهم فرصة.”
حتى لو وُجد مرشحون محددون سلفا، يظل للبرنامج ميزة اساسية: الظهور الاعلامي.
من يسقط بصمت، ينساه الجميع.
اما من يظهر على الشاشة، فقصته تبقى.
“حتى لو لم يظهروا، يكفي ان يتركوا انطباعا لدى جمهور ينتظر الايدول القادم.”
وحين يظهر شخص موهبته، قد تتغير مكانته داخل الشركة، او تتلقى شركات اخرى اشارات اهتمام.
لهذا، كان هذا هو الوعد الذي قطعته: فرصة عادلة للجميع.
“لكن… كيف حصلت على هؤلاء المستثمرين؟”
“سر مهني.”
بدا انه يريد ان يعرف اكثر، لكن لكل شيء حدوده.
“المعرفة الزائدة تؤذي.”
“ليست امور غير قانونية، صحيح؟”
“…لا. حتى الان.”
بعد كل شيء، لم يكن الامر استثمارا فوريا، بل مجرد اهتمام مبدئي.
“ساراجع الخطة اولا. طرح مثل هذا المشروع ليس سهلا، خصوصا انه الاول من نوعه في ميرو.”
اومات براسي. لم اكن انوي الضغط عليه.
كنا على وشك الانتقال للنقاش التالي، حين اهتز هاتفي.
“اه، اعتذر. اتصال مفاجئ.”
“لا باس. ساطلع على الخطة.”
نظرت الى الشاشة، فظهر رقم دان هارو الذي حفظته مؤخرا.
‘…؟ لم استدعِه.’
لم اضمه حتى كزميل. فلماذا الاتصال؟ شعور غير مريح تسلل الي.
“اهلا؟ ماذا هناك؟”
-هيونغ، ارجوك ساعد تايهيون هيونغ !
“ما الذي حدث؟”
-هو الان في رينيه! يبدو انه تشاجر بشدة مع مينسوك!
“ماذا؟”
القطة الصغيرة التي كانت ترتجف تحت المطر… انفجرت اخيرا.
تبًا، كنت اعرف ان هذا سيحدث.
***
“دان هارو!”
“هيونغ….”
“اه. السيدة جانغ، مدير القسم.”
“نلتقي مجددا بسبب امر كهذا، سيد المدير. هل نتحادث قليلا على انفراد؟”
كانت قاعة الاجتماعات في المقر الجديد لشركة رينيه، الذي ازوره لاول مرة، لامعة على نحو يذكر بالمعابد اليونانية.
وكما كان متوقعا، كان في استقبالنا مديرة رينيه، جانغ سويون. تركت تنظيم الامور المعقدة لجي سوهو، ودخلت مع دان هارو الى قاعة الاجتماعات حيث كان سيو تايهيون.
ذلك الذي كانوا يصفونه بـ “الابتسامة المنعشة”، تشيري بوي، كان جالسا في زاوية القاعة بوجه يحمل كل مظاهر التمرد، وكأن كل ابتساماته السابقة لم تكن سوى كذب.
حين رأيت سيو تايهيون يتجنب النظر بعينين ممتلئتين بالغضب، شعرت بشيء يغلي في صدري. بدا انه تشاجر بالايدي، فوجهه الذي كان دائما صافيا ظهرت عليه خدوش واضحة.
رغم انني لم اكن قد التقيته الا مرات قليلة، تساءلت: هل تعلقت به خلال هذا الوقت القصير؟ تدفقت في رأسي سيول من التوبيخ.
هل فقدت عقلك؟ انت متدرب ايدول، هل تضرب الناس؟ في يوم عطلتك، كان الاجدر بك ان تبقى في المنزل وتشاهد نتفلكس، فماذا تفعل هنا؟ ماذا لو ترسمت مستقبلا؟ هل ستصبح شخصا يضرب الناس؟ هل انت بلطجي؟ هل لهذا تدربت بكل هذا الاصرار طوال هذه السنوات؟
ومن بين كل تلك الافكار، خرج اول ما نطقت به:
“سيو تايهيون.”
“…….”
“هل فزت؟”
لا، ليس هذا ما قصدته.
“…هيونغ؟”
“…….”
رفع الجميع رؤوسهم نحوي بوجوه متفاجئة، بمن فيهم سيو تايهيون. في الحقيقة، اكثر من تفاجا من هذا الكلام كنت انا نفسي، لكن بعد ان خرج الكلام، لم يعد من الممكن التراجع، فتابعت بتظاهر بالهدوء.
“لا تقل انك خسرت.”
“…لقد فزت!”
“حسنا. هذا مدعاة للفخر، يا فتى.”
“…….”
بمجرد ان وخزته بالكلام، انفجر غاضبا. تصرفات مراهق في التاسعة عشرة تماما. هؤلاء المراهقون مرهقون حقا.
“لا بد انك سعيد، يا تايهيون. لانك تغلبت على تشا مينسوك.”
“…توقف عن السخرية. ماذا تعرف انت؟”
لم يكن متوقعا ان تخرج كلمات لطيفة من فم تايهيون وهو في هذه الحالة. بدا دان هارو مذهولا، وكأنه يرى هذا الجانب منه للمرة الاولى. اما انا، فكنت افضل التعامل مع هذا الصدق على الابتسامة المصطنعة.
“حقا؟ وماذا لا اعرف؟”
“…….”
“قلقك من ان تعيد ما حدث في مملكة الفتيان، حين خسرت بسبب الصراع على الدور والمفهوم؟”
“او استعجالك، خوفا من ان تكون ذروة مجدك قد لمعَت للحظة ثم انطفات؟”
نظر الي سيو تايهيون بوجه يقول: كيف عرفت ما بداخلي؟ اسندت ذقني بيدي، واستعددت بهدوء لتوجيه الضربة التالية.
“او ربما غضبك من رئيس القسم الذي يهددك بانك لن تترسم ، ومن تشا مينسوك الذي تخلى عنك وذهب الى رينيه؟”
“…هيونغ، هل سمعت كل ذلك في ذلك اليوم؟”
“اذا، ماذا لا اعرف؟ اخبرني، ربما استفيد.”
بدا ان كل ما استنتجته من ذكريات حياتي السابقة كان صحيحا، اذ احمر وجه سيو تايهيون بشدة وعض على شفتيه في ارتباك. لا يعرف كيف يحافظ حتى على نفسه.
عندها ضربته على ساقه.
“اه! هل جننت؟ لماذا تضرب ساقي؟!”
“الست متدرب ايدول؟”
“…….”
“لن ترخي شفتيك؟ ماذا ستفعل لو بقي اثر ؟ هل ستعدلهما بنفسك بالفوتوشوب؟”
اتسعت عينا سيو تايهيون، ووضع يده على شفتيه بسرعة، ثم تذكر انه في حالة تمرد، فاسقط يده بعنف.
“…على اي حال، لن اترسم. فما المشكلة ان اؤذي شفتي قليلا؟”
خرجت مشاعره الحقيقية اخيرا، وكانت ممزقة اكثر مما توقعت. بدا صوته مبحوحا، كأن البكاء يختنق في حلقه.
“انا لن اترسم ابدا. ساعتزل.”
اعلن سو تايهيون ذلك بوجه حاسم.
كان هذا مسارا مختلفا تماما عن سو تايهيون الذي عرفته في حياتي السابقة.
***
يعجبني الي يأخذ حقه بنفسه ما تفاهم علطول تصافق هههههه
*اسطورة من اساطير الاغريق و كايروس هو بمعنى " الوقت المناسب "