“أنت تسأل رغم أنك تعرف ما سأقوله، أليس كذلك؟”
وبينما ابقيت نظري على سيبسام الجالس داخل الهولوغرام، اجبت ذلك “الكيان”.
“اخبرني ماذا يجب ان افعل. لا تطل الكلام، باختصار.”
بعد اجابتي ساد الصمت للحظة.
لم يهتز الفضاء مجددا الا بعد ان تحطم الغروب البرتقالي فوق الموج ثلاث مرات تقريبا.
[…حسنا. سأخبرك بما يجب عليك فعله.]
[هناك الكثير مما يجب شرحه، لكن احيانا يكون هناك ما هو اسرع من الكلمات.]
مع صوت طقطقة كهربائية اختفى الهولوغرام أمامي، وظهرت نافذة نظام أخرى.
[امتياز الاطلاع على أدلة تتبع التراجع الزمني]
وظهر خط فوق مكافاة المهمة التي لم استطع استخدامها سابقا بسبب دولجا.
بدأ المحيط من حولي يتحول تدريجيا إلى بياض تام، وكأن العالم يُمحى، وأدركت غريزيا أنني سأواجه جزءا من الماضي.
[اذهب.]
[الى تلك اللحظة التي تخلى فيها ذلك الطفل عن حياته.]
ومع تلاشي الصوت، فتحت عيني مجددا.
وما واجهته كان…
[اذن هل ستعود؟ الى اللحظة التي كنت فيها سعيدا.]
-……نعم.
كان ذلك دان هارو ‘الاول’، يومئ براسه بعينين شاردتين بعد ان فقد كل شيء.
****
كانت العودة الزمنية الاولى لدان هارو في اليوم الذي توفيت فيه المديرة.
-الطقس مشمس اليوم، فلماذا تحمل مظلة؟
-لا نعلم ما قد يحدث. انها مجرد احتياط. سأذهب الان!
حمل المظلة مسبقا، واوصى المديرة مرارا وتكرارا ان لا تخرج لاستقباله مهما تأخر اليوم وان تذهب للنوم اولا.
ثم بدل حذاءه، واتصل بالشرطة لطرد السكير المزعج الذي صادفه في عمله الجزئي.
-حسنا.
قضى ليلة لم يبتل فيها بالمطر، وبقي حذاؤه سليمًا، ولم يمت فيها احد.
وفي اليوم التالي.
اعتقد دان هارو ان كل شيء اصبح مثاليا.
ظن ان الامر انتهى الان. وان كل شيء عاد كما كان.
ظن انه استطاع حماية يومه.
-…اهلا؟
-عذرا، ما علاقتك بصاحب هذا الهاتف؟
لكن المديرة توفيت في النهاية.
لقد كانت فقط تعبر الطريق، وحدث الأمر فجأة.
- لماذا… لماذا…
مرة اخرى فقط،
-انا، فقط… فقط، انا…
مرة اخيرة فقط،
-انا…
مرة اخرى.
مهما أعاد الزمن إلى الوراء،
-انا…….
في كل تلك الخطوط الزمنية، لم ينجح دان هارو ولو مرة واحدة في إنقاذ الشخص الذي اعتبره عائلته الوحيدة.
كان ذلك حادثا ولد من جهله بحقيقة أن دورة الحياة والموت وقوانين الطبيعة لا يمكن مقاومتها مهما كان السبب.
-يبدو ان قدري ان اكون تعيسًا.
عاش دان هارو حياته كلها وسط التعاسة،
لكن اللحظة التي بدأ فيها يشعر حقا بانه تعيس كانت في ذلك الوقت.
-عذرا، ما علاقتك بالمريض؟ نحتاج توقيع ولي الامر.
-…….
-ولي الامر؟
-…انا، لست من عائلة المديرة.
-ماذا؟
-لست… من العائلة…
الشخص الوحيد الذي جعله يعيد الزمن لانه اراد ان ينقذه حقا قد مات، ومع ذلك لم يكن لدى دان هارو حتى سبب قانوني ليقيم جنازته.
المديرة التي فقدت زوجها وطفلها في شبابها، ثم دفعت الى مكان لا اقارب لها فيه وادارت دار الايتام وحدها، توفيت هكذا.
سجلت كشخص بلا اقارب، ولم يقم لها حتى عزاء، وهكذا اصبحت نجمة في السماء.
لكن التعاسة لم تنته عند هذا الحد.
دار الأيتام التي أصبحت بلا مالك تورطت في نزاع عقاري مفاجئ وتم هدمها قسرا.
ودان هارو الذي لم يكن لديه مال ولا علاقات لم يستطع حماية دار الايتام التي تركتها المديرة ولا حتى الاطفال.
حاول ان يعرف ارقام اليانصيب الرابحة ليكسب المال، وجرب الاستثمار في الاسهم بكل ما يملك،
وحاول بلا تردد كل وسيلة قد تخرجه من هذا الشقاء، لكن دان هارو ظل عاجزا عن حماية اي شيء.
بل على العكس، اثر الفراشة الناتج عن افعاله ازداد، وبدأ كل شيء ينهار بشكل لا يمكن السيطرة عليه.
في النهاية، اضطر دان هارو الى العودة الى “اليوم الاول”.
الى ما قبل ان يبدأ كل شيء،
الى اليوم الذي بدأت فيه تعاسته.
-…لو كنت اعلم ان الامر سينتهي هكذا، لكنت الححت عليهم ان يتبنوني على الاقل.
جلس دان هارو على شاطئ البحر حيث نثر رماد المديرة، ونظر بعينين فارغتين الى الغروب.
فكر انه ربما لو اعاد الزمن الان، وعاد الى ماض بعيد جدا،
الى ذلك الوقت الذي كان فيه ممتنا فقط لكونه هو وهي على قيد الحياة، ربما كان سيطلب منها ان تقبله كعائلة.
فكر دان هارو.
وفكر مرة اخرى.
لكن مهما فكر الاف المرات، لم يجد جوابا.
-…….
ثم فجاة خطرت له فكرة.
-هل اموت؟
ماذا لو ترك نفسه يغرق في مياه البحر الباردة؟
ماذا لو سقط في مكان عميق في الجبال حيث لا يستطيع أحد العثور عليه؟
تسللت تلك الأفكار المخيفة حول جسده كالأفاعي، تخنقه ببطء.
لكن السبب في أن دان هارو لم يستطع الموت كان، بشكل ساخر، خوفه من الموت.
فالوفاة التي اختبرها أكثر من ألف مرة كانت مرعبة لدرجة لا يمكن وصفها بالكلمات.
لم يعد لدى دان هارو اي امل في العيش، لكنه ايضا لم يملك الشجاعة للموت.
[هل تريد ان تصبح سعيدا؟]
عندها ظهر “الصوت” مرة اخرى.
في اللحظة التي خسر فيها دان هارو كل شيء مرة اخرى.
[لنبرم صفقة.]
همس الصوت بلطف.
[يمكنني ان اعطيك شيئين.]
[السعادة والموت.]
[سامنحك هذين الشيئين.]
كان مضمون الصفقة بسيطا.
[اختر “اليوم” الأفضل الذي يمكنك التفكير فيه.]
[وسيعيش “دان هارو” في ذلك اليوم إلى الأبد.]
-…هل تقصد ان الزمن سيتوقف؟
[همم. كيف اشرح هذا؟]
ظهر امام دان هارو كرة ثلج صغيرة.
داخلها منزل جميل وعائلة تصنع رجل ثلج، بينما يتساقط الثلج الابيض فوقهم.
[ستعيش داخل هذا.]
[تكرر ذلك اليوم السعيد الى الابد.]
[دون ان تعرف حتى انك تكرر ذلك اليوم.]
[في الحقيقة سيبقى مجرد جزء من وعيك يكرر الحلقة الزمنية… لكن هذا لا يهمك، اليس كذلك؟]
دان هارو الأكثر سعادة.
ذلك اليوم الذي لا يحتاج فيه للقلق من الغد ولا الندم على الامس.
وكان ثمن ذلك اليوم شيئا واحدا فقط.
[في المقابل اعطني حياتك.]
-…….
[انا لا استطيع ان اصبح كائنا حيا. لكن يمكنني ان ارتدي “قشرتك” الفارغة.]
فكر دان هارو قليلا، ثم اومأ في النهاية.
-…حسنا.
-لكن لدي شرط.
[قل.]
-أنا” الذي سيعيش ذلك “اليوم” يجب أن ينسى كل شيء.
موت المديرة، التعاسة، وحتى حقيقة اليوم الذي سيعيشه.
عندما قال انه يريد نسيان كل شيء، ابتسم “الصوت” ابتسامة واسعة.
[حسنا.]
[ساجعل “دان هارو” يعيش دون ان يعرف شيئا.]
وهكذا، هرب دان هارو من حياته.
وكان ذلك بداية حياته الزائفة.
****
دان هارو الذي هرب من حياته دخل منذ ذلك الحين في حلقة زمنية ليصنع “يوما واحدا سعيدا”.
لم يكن صنع “سعادة كاملة” امرا سهلا ابدا.
فلم يكن الامر مجرد لحظة معينة من يوم ما تكون “الاسعد”، بل كان يجب ان تكون كل الذكريات التي تشكل ذلك الشخص في تلك اللحظة مشرقة وسعيدة ايضا.
وفوق ذلك، فان الجروح النفسية التي حصل عليها بعد تكرار العودة عدة مرات جعلته ضعيفا الى درجة انه لم يعد قادرا على مواجهة ولو قدر ضئيل من التعاسة.
[سأغير “اعداداتك”.]
[الا يجعل ذلك تخطيط حياتك اسهل قليلا؟]
وكأن “الصوت” يشجع دان هارو، فقد ساعده على تعديل “حياة دان هارو” باستخدام الخطوط الزمنية التي تم التخلي عنها او اختفت.
اول ما فعله دان هارو هو تكوين عائلة.
غير اعدادات ابن المديرة الذي قيل انه مات منذ زمن بعيد ليصبح “ما زال حيا”، ثم جعل نفسه ابنها الوحيد.
[بالطبع لا توجد طريقة لاعادة شخص ميت الى الحياة.]
[لكن يمكن جعل “الاعداد يقول ذلك”.]
وهكذا حصل دان هارو على عائلة جديدة وواصل تحريك الخط الزمني.
كلما حدث امر تعيس ولو قليلا، كان دان هارو يعود بالزمن.
وكلما لم تسر الامور كما يريد، كان يعيد الزمن او يتجاوزه.
وكان معيار الانتقال بين الخطوط الزمنية واحدا فقط.
ان يكون ذلك قبل يوم واحد من عيد ميلاده السادس والعشرين، اليوم الذي توفيت فيه المديرة.
وهكذا، من دون ان يختبر ابدا اليوم الاول من عمر السابعة والعشرين، ظل دان هارو يتجول في عدد هائل من الاوقات.
ومع انه عاش عددا لا يحصى من الحيوات، بقي فارغا من الداخل.
-هل تعلم؟
[نعم، قل.]
-…ما رأيك في هذا؟
[ايدول؟]
قرار ان يصبح ايدول جاء من سبب بسيط جدا.
-يبدو الامر رائعا. الجميع يحبك. ويتذكرونك.
-…ويقولون انهم يحبونك.
<نجمنا الاكثر تألقا، عيد ميلاد سعيد>
كان هذا مكتوبا في اعلان عيد ميلاد شخص ما المعلق في محطة المترو.
نظر دان هارو الى الملاحظات الملونة الملصقة فوق الاعلان، والى الزهور البرتقالية التي تركها المعجبون، وفكر.
-فقط، مرة واحدة…
-مرة واحدة على الاقل، اريد انا ايضا ان اتألق هكذا.
حياة يتلقى فيها الاضواء امام الاف الاشخاص وهو يعلن بقوة انه على قيد الحياة.
حياة يتلقى فيها الحب والدعم من عدد لا يحصى من الناس.
حياة يكون فيها رفاق متماسكين يقفون الى جانبه مهما حدث.
حياة يرتدي فيها ملابس جميلة ويصعد الى مسارح براقة ويحرق شبابه ببساطة.
ولحسن الحظ، كان يجيد الغناء منذ صغره. ولم يكن الرقص صعبا عليه ايضا.
في الماضي لم يكن لديه حتى رفاهية استغلال هذه الموهبة، لكن الامر لم يعد كذلك الان.
فكر انه ربما ليس سيئا ان يمتلك اخيرا “حُلما” كما يقول الناس.
-وايضا….
كان دان هارو لا يزال يخاف الموت.
فعندما يختار “اليوم الاكثر سعادة”، سيختفي “هو” وسيبقى وعيه فقط ليكرر ذلك اليوم الى الابد.
وذلك يعني ايضا موته.
لهذا خطرت لدان هارو فكرة غبية جدا.
-الا يقول الايدول عادة انهم يتمنون ان تبقى هذه اللحظة الى الابد؟
-…ربما انا ايضا امر بمثل تلك اللحظة؟
إذا قضى أجمل وأصغر وأكثر لحظات حياته تألقا،ففي يوم ما سيخاف من المستقبل الذي يتلاشى فيه شبابه، وتنخفض فيه شعبيته، وينساه العالم.
-عندها ربما استطيع استقبال اليوم الذي سيتكرر الى الابد بفرح اكبر.
اذا استطعت ان اجمد نفسي الى الابد في تلك اللحظة الشابة الجميلة المشرقة السعيدة.
في مكان مليء بالاشخاص الذين يحبونني، وسط اضواء عصي التشجيع التي تلمع مثل النجوم، ومع رفاق يمكنني مشاركة كل شيء معهم، وفي لحظة ابذل فيها جهدي حتى يتصبب العرق مثل المطر.
-انا ايضا اريد ان اعيش مثل ذلك اليوم.
[كما تريد.]
وهكذا قرر دان هارو ان يصبح ايدول.
وبعد عدة “تعديلات”، اصبح متدرب في ميرو.
لكن بما انه كان يكتب خط زمني جديدا بالكامل لم يوجد من قبل، لم يكن الامر سهلا كما تخيل.
-تايهيون هيونغ!
-اه، هارو مرحبا. هل ذاهب لرؤية اونتشان؟
-نعم!
هناك التقى دان هارو بكثير من الناس.
ومن بينهم اشخاص كانوا يعانون من الاثار الجانبية للخطوط الزمنية التي كررها مرات لا تحصى.
مثل سيو تايهيون الذي فشل في الظهور كايدول في الخط الزمني الذي اعاده دان هارو، فاصبح ذلك الفشل “حدثا ثابتا”،
او جو اونتشان الذي اصبح يخاف الناس غريزيا ويتهرب منهم لان الخط الزمني الذي تعرض فيه للتنمر تكرر مرارا.
ومن المؤكد ان شعورا بالذنب المدفون في اعماق قلب دان هارو لعب دورا في تقربه منهما اولا بعد دخوله شركة ميرو.
ولم يكن هذان الاثنان فقط، فقد كان دان هارو قد غير حياة عدد لا يحصى من الناس بالفعل.
ربما حتى حياة شخص ما على الجانب الاخر من الارض قد تأثرت بعوداته الزمنية.
لكن ماذا في ذلك؟
-انا فقط…
دان هارو الذي انهكه تماما كل تلك اللحظات التي لا يمكن اعادتها، قرر ببساطة ان يغلق عينيه.
-انا فقط… اردت ان اكون سعيدا.
ان يغلق عينيه عن العالم الذي تخلى عنه،
ويعيش فقط ليصنع “يوما واحدا” يريده هو.
وكان في تلك الفترة بالذات، حين كان يعيش بهذه الافكار،دان هارو التقى بالشخص الذي سيقلب عالمه رأسا على عقب.
-اذا كان لديك امر يصعب عليك قوله في مكان ما، فقط قل لي لنذهب الى الالة. عندها سأشتري لك مشروب.
-لدي اخ اصغر. في الحقيقة… عندما رأيتك قبل قليل تذكرت اخي وشعرت بشيء غريب.
-اه، هل تدخلت؟ فقط بدا وكأن لديك شيئا يصعب قوله للاشخاص في الداخل.
“البالغ” الاول الذي مد يده الى عالم دان هارو بعد المديرة.
ذلك كان الانطباع الاول الذي شعر به دان هارو عن كانغ هاجين.