وقت يتجاوز المساء ويمضي مسرعا نحو الليل.
بعد ان غادر العمل باكرا على غير العادة، انهى جي سوهو استحمامه، ثم جلس على الاريكة وامامه وجبة ليلية اعدها بعناية، يتأملها برضا وهو يفتح حاسوبه المحمول. لا يزال هناك عمل يجب انهاؤه.
‘اعتدت على هذا دائما، لكن لسبب ما… اشعر اليوم بقليل من التوتر.’
راجع جي سوهو بعناية للمرة الاخيرة ملف الاكسل الذي كان نائب مدير فريق تطوير المواهب، يو، قد اعده وسلمه اياه، ثم دخل الى بريد الانترانت الداخلي للشركة. ومع صوت نقر لوحة المفاتيح، كُتبت بسرعة رسالة البريد، وهي اخر مهامه لهذا اليوم.
التاريح: 20XX-02-28
من : جي سوهو <[الايميل محمي]>
الى جميع المعنيين،
يرجى الاطلاع على نتائج التقييم الشهري لمتدربي ميرو لشهر فبراير 20XX.
سيتم ابلاغ المتدربين بالنتائج عبر ملف منفصل.
المحتوى ادناه والملفات المرفقة مخصصة للاستخدام الداخلي فقط،
ويرجى الالتزام التام بالحفاظ على سريتها ومنع اي تسريب.
※ مشاركة نتائج التقييم الشهري لميرو – فبراير 20XX ※
المركز الاول: جونغ سيوو
المركز الثاني: سيو تايهيون
المركز الثالث: جو اونتشان
المركز الرابع: لي دوها
المركز الخامس: دان هارو
المركز السادس: لي يوغون
المركز السابع: هان سونغوو
المركز الثامن: يوكي
المركز التاسع: كيم وونهو
المركز العاشر: كانغ هاجين
…….
جي سوهو
رئيس فريق تطوير المواهب
..........................
“المركز العاشر… كان الامر فعلا على الحافة.”
تمتم جي سوهو وهو يتفقد تفاصيل درجات هاجين، ثم ارتشف جرعة اخرى من البيرة. ولو خرج هاجين من قائمة العشرة الاوائل، لاعتبر ذلك ايضا نتيجة مستحقة، ولم يكن ليتدخل. ومع ذلك، لا بأس ان تسير الامور على هذا النحو.
“حسنا، يكفي لهذا اليوم. انتهى العمل.”
تلاشت الافكار المتراكمة دفعة واحدة، تماما مع اغلاق الحاسوب المحمول. كانت هذه اخر فرصة من الهدوء قبل انطلاق برنامج البقاء.
سأستمتع بهذه الليلة كما ينبغي.
ازاح جي سوهو الحاسوب بعيدا، وتمدد على الاريكة ممسكا بعلبة البيرة، وارتسمت على وجهه ابتسامة رضا هادئة.
***
[مهمة فردية 03.]
[«هل تريد ان تصبح مميزا؟»]
المحتوى: المدربون لا يولونك اهتماما كبيرا بعد، لانك ما زلت متدربا مبتدئا. حقق نتيجة ممتازة في تقييم نهاية الشهر وادخل ضمن العشرة الاوائل!
[مكافاة النجاح: دليل لتتبع العودة بالزمن واستقطاب رفيق]
[عقوبة الفشل: زيادة احتمال تفعيل العودة الخامسة بنسبة 40%، وزيادة احتمال الاقصاء من برنامج البقاء بنسبة 15%]
[تم اكمال المهمة.]
***
هاجين كان يرى حلما.
‘…اه، يا له من ازعاج.’
كان يدرك انه يحلم، ومع ذلك لم يستطع الاستيقاظ. مع انها مجرد صور من ماضٍ انقضى، الا ان مزاجه كان ينهار ببؤس.
-قررنا الا نتدرب معك بعد الان.
- كانغ هاجين، كف عن التباهي.
- بصراحة، انت فعلت ذلك لمصلحتك ، اليس كذلك؟
-لا تفهم مرة اخرى. حقا، هذا يبعث على الاختناق.
-هاجين، هذا القدر على الاقل كان يجب ان تتحمله.
تلك كانت احداث الحياة الاولى كما يتذكرها هاجين. ومن بين عدد لا يحصى من الذكريات، كانت هذه هي الاسوأ على الاطلاق.
‘لماذا ارى شيئا كهذا في حلم….’
- …لا استطيع الاستمرار بعد الان.
في قلب الحلم، كان هاجين يبكي. منهارا تماما، وقد نُفيت حياته كلها، وتُرك وحيدا بعد ان تخلى عنه اكثر ما كان يحبه.
كان يشعر بانفاسه تضيق شيئا فشيئا، لكن جسده كان عاجزا عن الحركة، كمن اصيب بالشلل. كان احساسا خانقا، كما لو ان جسده كله مقيد بإحكام. ثم تبدل المشهد.
-وانت؟
-نعم؟
-انت يا هاجين؟ الا يمكنك انت ايضا القيام بذلك؟
اصبح الحلم يعرض مشهدا من التقييم الشهري.
اللحظة الاولى التي انغلق فيها لسان هاجين.
لم يستطع هاجين لسبب ما ان يواجه نظرة سيو تايل الموجهة اليه مباشرة.
دق… دق.
صوت وضغط يشبهان اصطدام صخرة ضخمة بحصاة صغيرة بلا توقف التفّا حول جسد هاجين. ذلك الاحساس المشترك الذي يهتز بعنف شوه كل مشاهد الحلم وحطمها في اللحظة نفسها.
وفي تلك اللحظة، استيقظ هاجين.
“…حلم سخيف.”
حين فتح عينيه، كان الفجر لا يزال بعيدا عن الاكتمال. ادرك هاجين حرارة الغرفة التي تميل الى الزرقة المائلة للبنفسجية، ثم نهض بجسده.
“……؟ اه، كانغ هاوون.”
وبينما كان ينهض بجسد مثقل، سقط عنه شيء ثقيل فجأة، ليشعر بعدها مباشرة بخفة غير متوقعة. حدق في الظلام مغمضا عينيه ليتبين ما سقط، فكان اخاه الاصغر هاوون، الذي لم يره منذ مدة.
‘صحيح، عاد الى المنزل البارحة.’
خلال فترة التحضير للتقييم الشهري، كان يعود يوميا الى منزل اونتشان، لكنه استغل الاجازة ليعود اخيرا الى البيت.
وخلال غيابه، كان هاوون قد استولى على الصالة بحجة وجود اعمال صيانة في غرفته، ونتيجة لذلك، نام الاثنان معا في الصالة تلك الليلة، على فرش مفروشة.
حين ادرك ان الثقل الذي كان يضغط عليه طوال الحلم لم يكن شللا، بل وزنا حقيقيا، تسلل اليه شعور بالفراغ.
“…….”
لا يزال هناك وقت طويل قبل بدء الصباح، لكن هاجين لم يستطع العودة للنوم. فكما هي طبيعة الاحلام، حتى وان تلاشت تفاصيلها فور الاستيقاظ، بقي ذلك الاحساس المقشعر والجو الثقيل عالقين في صدره.
“…….”
“…ماذا تفعل.”
لصغر المنزل، كان يخشى ان يوقظ عائلته اينما تحرك، فكان المكان الذي لجأ اليه مجددا هو ملعب الاطفال امام البيت. جلس على الارجوحة التي صارت بمثابة مقعده الخاص، يترك الرياح الباردة تبرد رأسه، قبل ان يرفع نظره عند سماع صوت مألوف.
“لماذا خرجت بدل ان تنام؟”
“وانت؟”
“هل هذه طريقة كلامك مع اخيك؟”
“هل انت متحجر الفكر؟”
“الى حد ما.”
صاحب الصوت، هاوون، اقترب بخطوات متثاقلة بملامح لم يزل النعاس يثقلها، وجلس على الارجوحة المجاورة. وعلى عكس هاجين الذي ارتدى فقط معطفا طويلا فوق ملابس النوم، كان هاوون قد استعد جيدا للبرد بجوارب ووشاح، وهو يزفر انفاسا متقطعة.
“…هل لم تسر الامور على ما يرام؟”
“ما الذي؟”
“بدوت وكأن لديك قصة طويلة وانت جالس هكذا.”
قصة؟ بل قصص لا تحصى، يا اخي الصغير.
ابتلع هاجين كل تلك الحكايات التي كادت تبلغ حلقه.
“…….”
“…….”
لم يسأل هاوون اكثر من ذلك. اخوه قليل الكلام، محدود التعبير عن مشاعره، وكان دائما على هذه الحال. لا يستجوب، لا يضغط، فقط يكون هناك. دائما الى جانبه، صامتا، مستمعا.
‘ثابت كما هو دائما.’
استعاد هاجين صورة هاوون في حياته الاولى حين كان في الثامنة والعشرين، وتساءل للحظة ان كان من الصواب ان يصف هاوون ذي الثمانية عشر عاما بالثبات. ومر بخاطره ايضا ان العودة بالزمن تخلق افكارا غريبة لا طائل منها.
وفجأة، شعر بان هذا الجلوس المنفرد وجها لوجه مع هاوون يبعث في نفسه طمأنينة غريبة.
واخيرا، امتلك الشجاعة لمواجهة ما في داخله.
“اليوم كان التقييم الشهري.”
“امي اخبرتني. لذلك حصلت على اجازة، صحيح؟”
“نعم. حتى بعد غد.”
“وهل لم يسر جيدا؟”
“لا، ليس بهذا المعنى. كان جيدا، جيدا فعلا.”
لف هاجين ذراعيه حول سلاسل الارجوحة، ثم شبك يديه وضغط اطراف اصابعه. كانت هذه عادته حين تتراكم افكاره.
“كان هناك بريك دانس على المسرح. اسندته الى اثنين اخرين، لكن احد المقيمين سألني لماذا رتبت الادوار هكذا. فشرحت اسبابا مختلفة، ثم…”
“…….”
“سألني لماذا لم افعل انا ذلك بنفسي.”
“…هل كنت غير واثق؟”
لم يكن هاوون مطلعا على تفاصيل حياة المتدربين، فحاول تشغيل كل خلاياه العقلية ليفهم ما يقصده هاجين.
‘يعني… لماذا لم يؤد الجزء المهم بنفسه وتركه لغيره؟’
حين انتظر هاوون اجابة اخيه، ضحك هاجين بخفة.
“لا. فقط… لم افكر في الامر.”
“…ماذا؟”
“منذ البداية، لم اضع نفسي كخيار. ولم ادرك ذلك الا عندما سمعت السؤال. انني كنت استبعد نفسي.”
كانت هناك اعذار: فارق الطول مع تايهي، اشياء من هذا القبيل. لكن في الحقيقة، لو اراد، لكان قادرا على فعلها مهما كانت الصعوبات. وكان يعلم ايضا ان اشراك الثلاثة المتبقين جميعا في فاصل الرقص بعد ارتجال غونغ سوك ورقصة وونهو المنفردة، كان سيجعل البناء الادائي اكثر كثافة.
لكن.
“يبدو انني… لم ارد فعلها.”
“…….”
“مع ان فعلها كان سيمنحني فرصة اضافية للدخول ضمن المراتب العليا. لكنني لم ارد.”
من دون ان يشعر، بدأت يد هاجين ترتجف. عاد اليه ذلك الاحساس الذي شعر به سابقا على السطح. احساس انقطاع شيء ما، وتدفق المشاعر دفعة واحدة، مزعج ومربك.
[اشعار النظام: (ثابت) الحالة النفسية للعاثد غير مستقرة.]
[اشعار النظام: تم تفعيل وضع «التيه والانجراف».]
[اشعار النظام: تشغيل نظام العناية الذهنية لكبح وضع «التيه والانجراف».]
[اشعار النظام: جار المعالجة…]
[اشعار النظام: جار المعالجة…]
[اشعار النظام: تفعيل <كبح الذاكرة> لدعم الاستقرار النفسي.]
وقبل ان يتمكن من قراءة النوافذ التي ظهرت تباعا، تلاشت المشاعر التي كانت تعصف برأسه فجأة. عاد احساس الهواء البارد من حوله واضحا.
‘…ما الذي حدث للتو؟’
الذكريات التي كادت تعود بقوة من حياته الاولى ابتعدت فجأة. كان يعرف انها موجودة، لكنه لم يعد قادرا على استحضار تفاصيلها بدقة.
كمن يحاول تذكر كتاب قرأه منذ زمن بعيد. ومع ذلك، استطاع هاجين اخيرا ان يطلق زفيرا اعمق بقليل.
“هل انت بخير؟”
نظر الى هاوون الذي القى سؤاله بنبرة هادئة كعادته. حدق هاجين طويلا في اخيه الذي بدا اصغر بكثير مما تحتفظ به ذاكرته، ثم اومأ.
“نعم. على الاقل… حتى الان.”
“…….”
“لنعد الى الداخل. الجو بارد.”
نهض هاجين اولا، وتبعه هاوون بتردد. لم يتبادلا حديثا اضافيا. كل ما حدث هو ان هاوون، قبل ان يناما مجددا، سحب الغطاء بصمت ليغطي جهة هاجين اكثر.
و في تلك الليلة، كان ذلك كافيا ليصبح هاجين بخير تماما.
***
ثم كان هناك ليلة شخص اخر.
“…….”
فضاء لا هو مظلم ولا هو مضيء، حيز من العدم، بعد يلامس فيه الحلم الواقع دون أن يكون أيا منهما.
[حان الوقت.]
رن ذلك الشيء الذي سبق لهاجين أن التقاه يوما ما.
وجود مجهول، لا صوت له ولا صورة ولا موجة يمكن ادراكها.
وفي قلب كل تلك الظواهر، وقف الفتى بدا وكأن كل هذا مألوف لديه، ثابت الخطى، يطلق زفيره ببطء.
[حان وقت اتخاذ القرار.]
سأل الوجود.
[الخيارات هي نفسها كما في كل مرة. هل ستعود؟ ام ستواصل؟]
في فضاء يخلو من كل شيء، ظهرت امامه خياران.
[KEEP OR SKIP]
حدق الفتى طويلا في الخيارين، ثم اتخذ قراره.
“سأواصل.”
[…حقا؟]
“نعم. اعطني المعلومات.”
ما ان اومأ برأسه، حتى اهتز الفضاء متموجا كما لو كان يستمتع بذلك. سرعان ما تلاشى الخياران، وتحولا الى نص طويل. قرأ الفتى السطور بعناية، محاولا ان يحفظها حتى لا ينساها. فمعرفة الاحداث الثابتة التي ستقع في المستقبل كانت، بعد تجارب العودة المتكررة، امرا لا غنى عنه.
[اذن، اتمنى لك حظا سعيدا.]
في اللحظة التي انضغط فيها الفضاء ثم تمدد، كأنه يُبتلع في شيء ليس ضوءا ولا ظلام، شعر الفتى وكأنه يسبح فوق الكون، وفكر
“هذه المرة…”
ربما تكون هذه المرة مختلفة.
*********
اوه يالدسامة لمحة عن ماضي هاجين و فوق كذا العائد المختار اول ظهور له و اخيرًا!!!!
و بالنسبة للفائز طلع ولا واحد هاجين اصلا ما فكر بالموضوع لكن نظرية دوها كانت الاقرب .
*** ونصيحتي لا تحرقون على نفسكم من هو العائد المختار لان ممتع كيف هاجين قلبها رواية تحقيق بنص الجزء الاول 😭😭