توقفت الذكريات عند هذا الحد.
منذ البداية وحتى النهاية، كان وجه “ذلك الطفل” مخفيا كظل لا يمكن تمييز ملامحه، لكن معرفة صاحب هذه الذكريات لم تكن صعبة.
“هذا كل شيء؟ انتهى؟”
‘لابد انها ذكريات ذلك المختار. سبب عودته بالزمن.’
نعم، في العادة يكون لكل عودة هدف واضح. وعند التفكير في كل قصص العودة التي قرأتها من قبل، كان الامر دائما يدور حول واحد من هذه:
1-الانتقام من عدو
2-الانتقام نيابة عن شخص اخر
3-التكفير عن حياة سيئة
4- الندم على حياة ساذجة ومحاولة التغيير
يبدو ان السؤال الذي طرحته على النظام لم يكن اختيارا من متعدد، بل سؤالا مفتوحا. “فرصة” حلوة ظهرت في اشد لحظات البؤس. لم اكن بحاجة لرؤية ما حدث له بعد ذلك. كنت اعرف.
[ستفشل حتى لو عدت. هذا هو مستقبلك.]
[الا تريد ان تعيش داخل ذكريات سعيدة؟]
حياة تعيشها داخل ذكريات سعيدة. حياة يمكنك فيها، عندما يداهمك الالم او الشقاء، ان تعود بلا تردد الى الامس. وبهذا المعنى، اصبح دوران حياتي العشوائي بلا نمط مفهوما تماما.
انتهت الذكريات، لكنني لم اعد الى الواقع. وجدت نفسي في فضاء شفاف ومضيء من كل الجهات، نقيض تماما لذلك الفضاء الواسع والمظلم الذي اختبرته قبل ساعات فقط. وهناك، ظهر امامي ذلك الاطار الازرق المألوف.
[اشعار النظام: من اجل تسهيل التواصل مع العائد الثابت (كانغ هاجين)، تم انهاء الذكريات مبكرا واستعارة لاوعيك. الوقت محدود.]
اي ان علي ان اسال ما اريد بسرعة. مهما كان ما يحدث، فهمت ان هذا ليس وقت الارتباك او طرح اسئلة فارغة.
“ما عرضته قبل قليل… كان ذكريات العائد المختار، صحيح؟”
[اشعار النظام: نعم.]
“كنت افكر منذ فترة… لماذا لا تخبرونني ببساطة من يكون؟”
كنت اتساءل لماذا لا يقولون لي اين يعيش ومن هو. لكن يبدو ان الامر ليس بهذه السهولة، اذ اظهر النظام حتى رمزا يشبه العرق تعبيرا عن الحرج.
[اشعار النظام: ‘العائد المختار’ تنقل بين عدد لا يحصى من خطوط الزمن هاربا من ‘القدر’.]
[اشعار النظام: بسبب تشابك خطوط الزمن بشكل مفرط، فقدت تماما خط الزمن الاصلي وتحركات العائد المختار!]
“ببساطة؟”
[اشعار النظام: حتى نحن لا نعرف من هو!!]
“لديكم موهبة عجيبة في نقل الاخبار السيئة بروح مرحة.”
هل هذا النظام مفيد حقا لحياتي كعائد ثابت؟
“ما حقيقتكم اصلا؟ من انتم؟ انت، وذلك الشيء الاحمر ايضا.”
[اشعار النظام: باختصار، نحن مدراء الزمن.]
في الفضاء الشفاف، امتدت خطوط ضوئية متعددة الالوان. بعضها سقط كنجوم شهاب انتهى عمرها، وبعضها ولد حديثا وهو ينبض بالحياة. عدد لا يحصى من خطوط الزمن كان يولد ويفنى.
[اشعار النظام: مشاهد الحياة قبل الموت، البانوراما*¹، الديجافو، الشعور المسبق. كلها من عملنا.]
[اشعار النظام: نحن ندير كل خطوط الزمن التي تولد، ونساعدها على السير في مسارها الصحيح.]
تلألأت الاضواء الزرقاء في الفضاء. خطوط زمنية تتشابك، ثم تنفصل، تتقاطع، او تنقطع. مراقبة ذلك كله كانت تجربة غريبة.
[اشعار النظام: ذلك الكيان الذي قابلته سابقا كان في الاصل واحدا منا. اما سبب صنعه للعائد المختار، فما زال قيد التحقيق.]
“اذا ماذا عني؟ كيف تورطت انا في هذه الفوضى الزمنية؟”
اختفت الاضواء، وظهرت خطان جديدان، احدهما اصفر والاخر بنفسجي، متشابكان بشدة من نقطة معينة حتى بدوا ككتلة واحدة.
[اشعار النظام: التفاصيل الدقيقة ما زالت قيد التحقيق، لكن في لحظة ما، بدأ خط زمن العائد المختار يتشابك مع خط زمنك.]
[اشعار النظام: ولهذا، كلما عاد العائد المختار، عاد خط زمنك معه.]
[اشعار النظام: في الاصل، كنا نخطط لايقاف العودة، اصلاح خط الزمن، ثم محو ذاكرتك، ولكن…]
لم اكن بحاجة لسماع البقية.
“لكنكم فشلتم في ايقافه، ولم تصلحوا شيئا.”
تذكرت ذلك الصوت في المرة الاولى.
-[هل تستطيع ايقافه؟]
–ذلك الطفل أو غيره، الشيء الوحيد الذي لا أستطيع فعله الآن هو إعادة التجنيد.
-[مثير للاهتمام.]
-[ساعطيك فرصة ايضا. فرصة لاصلاح كل شيء.]
الان فهمت. باختصار، انتم فشلتم، فقررتم رمي المهمة علي.
“اذا كل ذلك الكلام عن عدم الصلاحيات وعدم امكانية الاطلاع…؟”
[اشعار النظام: ما نعرضه عبر هذا النظام هو سجلات لا يسمح للبشر العاديين بالاطلاع عليها…]
“……”
[اشعار النظام: هناك امور هائلة لا يجوز للبشر معرفتها! ولهذا يتم تقييد الاطلاع حماية لك…]
“……”
[اشعار النظام: ومع ذلك، ضمن حدود السببية والقوانين، حاولنا قدر المستطاع…!]
“……”
[اشعار النظام: وسنواصل بذل اقصى جهد لدعم تقدمك في المهام!!!]
“حسنا، شكرا. لكن اتمنى ان يكون هذا الجهد اكثر وضوحا.”
[اشعار النظام: ……سنحترق في سبيل ذلك!]
حتى فقاعة الكلام تغيرت.
[اشعار النظام: على اي حال، بعد الخروج من هذا الفضاء، ستطبق قوانين العالم البشري وسيتعذر التواصل مجددا.]
[اشعار النظام: اذا كان هناك ما يجب ابلاغك به، سنستعير فضاء اللاوعي مرة اخرى.]
[اشعار النظام: سيتم اغلاق الفضاء قريبا. هل لديك سؤال اخير؟]
شعرت وكأنني استيقظ من حلم. ووسط كل الاسئلة، سألت سؤالا واحدا فقط.
“كيف لي ان اعثر على عائد مختار لا تعرفونه حتى؟ وحتى لو وجدته، كيف اعرف انه هو؟”
رن هاتف مألوف. لا بد انه سيو تايهيون. عاد جدار غرفة التدريب الى مجال رؤيتي.
[اشعار النظام: ستتمكن من التعرف عليه.]
[اشعار النظام: تشابك خطوط الزمن بين البشر ليس امرا سهلا.]
[اشعار النظام: …هذا ما طُلب مني نقله.]
“من قال هذا؟”
وفي تلك اللحظة… استيقظت.
***
نهضت بجسدي الملقى على ارض غرفة التدريب الفردية الضيقة، كأنني كنت ممددا فاقد الوعي. كان جسدي كله متصلبا، كما لو انني نمت نوما ثقيلا.-
♪♩―♬♩♪―
من دون ان امنح نفسي وقتا للتأقلم مع الواقع، التقطت الهاتف الذي ظل يرن بلا توقف منذ قليل. المتصل: سيو تايهيون. ثلاث مكالمات فائتة. ما ان اجبت حتى جاءني صوته الهادئ من الطرف الاخر.
-هيونغ، اعتذر، لكن لا نية لي في التجول في كل البلاد بحثا عنك.
“ما الذي تقصده؟”
-لم تهرب خجلا بعد خسارتك امام هان سونغوو، صحيح؟
ماذا تقول يا هذا؟
“هل انا انت؟”
-قلت انك تحتاج وقتا وحدك ثم اختفيت، ولم ترد على الهاتف.
“…يبدو انني وضعت الهاتف على الصامت اثناء التصوير. لم اسمعه. اسف.”
-طالما لم تهرب، فهذا يكفي. تعال بسرعة، دورك سيحين قريبًا.
“حسنا، ساتي حالا. شكرا.”
بعد انهاء المكالمة مع سيو تايهيون، اسرعت متجها نحو غرفة المقابلات.
في الطريق حاولت استدعاء النظام، لكن لم يظهر سوى اشعار يقول انه قيد التحديث، وغير متاح اليوم. قالوا انهم سيبذلون قصارى جهدهم، ثم اغلقوا الخدمة مباشرة. نظام لا يمكن الوثوق به حقا.
“سونغوو شي، احسنت العمل!”
“شكرا جزيلا، سيدة الكاتبة. ساخرج الان.”
“لا، انت من تعب كثيرا… اوه؟ هاجين شي، اتيت بالفعل؟ الكاتبة المسؤولة كانت في طريقها لمناداتك قبل قليل.”
كنت على وشك الصعود الى غرفة الانتظار حين رايت هان سونغوو يخرج من غرفة المقابلات مع الكاتبة، فتوقفت. صحيح، ما زال هذا الامر قائما.
“اه، كنت اجري مكالمة قصيرة. هيونغ، انتهيت من المقابلة؟”
“نعم. تحدثت كثيرا عنك، يبدو ان الامر سيكون مشكلة.”
“هاها، لا بأس. انا ايضا سأتحدث كثيرا عن هيونغ اليوم.”
اقتربت عمدا، ووضعت ذراعي على كتف هان سونغوو، الذي كان اقصر مني بقليل. تظاهرت بالود والمزاح، فابتسم هو بدوره، لكنني شعرت بانه يحاول ابعادي ,غير ارتياح.
“……!”
شدّدت قبضتي على كتفه من دون اكتراث. نظر الي هان سونغوو بوجه يقول: هل جننت؟ انتظر قليلا. لدي ما اقوله لك.
“يا الهي، هل انتما مقربان؟”
“كان الهيونغ سابقا قائد الصف B. اعتنى بي كثيرا منذ اول يوم جئت فيه.”
“اه، حقا؟”
“لكن الهيونغ مرتاح بقدومي ايضا، اليس كذلك؟ فارق العمر بيننا كان اقل من غيري. كان يتعب كثيرا في رعاية الصغار، ترتيبهم، اجبارهم على التنظيف.”
كان المقصود: هل يعجبك لعب دور ضابط الانضباط بين طلاب ثانوية وانت في الثانية والعشرين؟ لا اعلم ان وصلت الرسالة كما ينبغي.
“ومن بين طلاب الصف B، انا الوحيد الذي يتحدث معه بلا تكلف.”
“اه، حقا؟ انت فقط؟”
“نعم، اتفقنا على ذلك.”
بالطبع، من دون اي اتفاق مع هان سونغوو.
“ه… هاجين؟”
“سمعت ان الهيونغ تحدث كثيرا عني امام طلاب فريق B هذه المرة.”
“…….”
هذا يعني: اعلم جيدا انك حاولت الايقاع بي بينهم.
“اه، سيدتي الكاتبة. لهيونغ لقب ايضا، هل تعرفينه؟”
“لقب؟ لا، ما هو؟ هل هو اسم يستخدمه المتدربين؟”
“لقب لا يعرفه الا القليل… لكنه لقب للسخرية، فربما لا يليق.”
“اوه، اذا كان للسخرية فانا اشد فضولا!”
“هل يجوز ان اقوله؟ هل يجوز، هيونغ؟”
“ه… هاجين، اي لقب تقصد؟”
ابتسمت له باقصى قدر من اللطف، بينما كان ينظر الي بملامح لا تصدق. انحنيت قليلا، وكأنني استأذنه، ثم همست في اذنه.
“المظلة*.”
“……!”
“انت فعلا هو صاحب الواسطة.”
“…….”
“هل يجوز لي قولها؟”
وكان هذا يعني شيئا واحدا فقط.
انت قنبلة، ومن هذه اللحظة فصاعدا، ساجعلك تنفجر كما ينبغي.
***********
*¹ البانوراما هي رؤية حياتك كلها بلحظة واحدة
*² الكوريين يستعملون مصطلح المظلة لان الي يجون بالواسطة ما يجونها من الاسفل بل من فوق بالسماء هبوط مظلي.
بعتمده من الان الكلمة عاجبتني
و خسارة ما عاد بنشوف (لفترة)تدخلات النظام و تعليقاته على افعال هاجين(┬┬﹏┬┬)
وووووو لليوم بكتفي بذا القدر نكمل بكرا بارك جديد