في عتمة الفجر الخاملة، حيث السماء الداكنة توشك أن تنفجر بسحبها الثقيلة، وقطرات الندى تعانق بقايا أمطار الليل، يكون الهواء رطبًا، مشبعًا بعبير المطر والأعشاب البحرية جزيرة ليكين الأثرية.
ينسل الضباب الكثيف عبر الوحدات الصغيرة المتناثرة على أطراف الجزيرة، محتفًا بذلك القصر الأثيري الذي يبدو وكأنه خيال رسمته يد الطبيعة على لوح السماء القاتم.
ذلك القصر الذي يبدو كخيال يترنح بين الواقع والسراب، عائمًا فوق الجزيرة الغامضة التي تحته، وهو أكبر شاهد على امبراطورية عظيمة ذهبت مع الموج إلى غياهب البحر.
يكسو المكان سكون مزينة بأطلال تشهد على يوم كانت هناك إمبراطورية تنبض حياة وقوة.
بلا صوت، دون أدنى همس، ظهرت شخصية من العدم على حافة أحد المباني العريقة التي تتوج القصر العائم.
كان المغتال المعروف بلقب "فير".
وقف بثبات على حافة مبنى من الرخام الأبيض المتآكل، ناظرًا إلى الأسفل حيث يمكن للعين أن تلمح طبقتين من العظمة: الطبقة الأولى، عائمة كسحب كئيبة، تخفي بين طياتها آثار جنائن وقصور معلقة وأسطح ملساء كانت يومًا منصات لحوامات القدماء.
أما الطبقة الثانية فتمتد على الأرض الصلبة، وهي لا تقل روعة عن سابقتها، حيث تحكي الأسوار المدمرة والمباني الغارقة حكايات السلطة والثروة التي شهدتها.
كان قلب فير ينبض بحذر وهو يتجول على السطح المزروع بالأعمدة النورانية المستقيمة.
يعلم أن قواعده تمنعه من قبول لقاءات المباشرة، ولكن الرسالة التي تضمنت كلمة "هولغاي" جعلت من اللقاء ضرورة لا يمكن تجنبها؛ هولغاي، تلك الكلمة التي خلقت عاصفة في عقله، ومزجته بماض مروع لا يمكن نسيانه.
بخطوات حاسمة، تجاوز فير البحيرات الصغيرة التي شكلتها أمطار الليلة الماضية، إلى أن واتته رؤية المبنى المحدد من قبل الزبونة.
كان هذا المعلم أشبه بقطعة فنية تاريخية، نقوشه تحكي عن حقبة رائعة من الهندسة والزخرفة، بينما الزوايا والأسطح تلمع بقطرات الندى المتألقة في ضوء الفجر الخجول.
أخذ نفسًا عميقًا وتقدم نحو شخصية السيدة التي تنتظره.
كانت تقف بهدوء ووقار، تحمل في يدها، حاوية معدنية ضخمة، تتناقض مع مظهرها الرقيق.
بشعرها الأسود الحريري المنسدل حول وجهها كبدر وسط ظلمة السماء، وعينيها العسليتين اللتين يكتنفهما الوعي والحذر، بدت كتمثال يوناني نفثت فيه الحياة للتو.
مع خطوات لا تخلو من حذر، يتقدم فير نحو السيدة الواقفة بهدوء.
"تحياتي، فير؛ أم هل ينبغي لي أن أخاطبك باسم 'نموذج أوكا'؟" صدح صوتها بحيوية، متجاهلة طبيعة اللقاء.
"يبدو أنك قد أساءتِ التعرف عليّ." رد بصوت خافت وهو يقترب منها، وعيناه لا تغادران الحاوية.
ردت بثقة لا تتزعزع: "لا داعي لتبذل جهدًا في خداعي، إني على يقين بأنك النموذج الأوحد الذي أسفرت عنه تجربة [سيدا] بنجاح، وانك أُرسِلتَ من قِبَل لورن نفسه."
تحدث فير، بعدم اكتراث: "إصرارك يبدو أنه مشتق من وهم."
"ليست اتوهم"، استمرت هي بإصرار. "القرص الذي بعثت به لا يمكن فتحه إلا بالشيفرة الوراثية الخاصة بلورن... إلا إذا كنت ستدّعي أنك ابنه البيولوجي."
شعر فير بان هناك سوء فهم رهيب تكون لدى هذه المرأة، ولكن مع إصرارها على وجهة نظرها، لم يبذل جهدًا أكثر في هذا النقاش، وتركها دون تصحيح، خاصةً وأن ذلك كان يخدم مصلحته أيضًا.
"كيف حال لورن؟" سألت.
عندما لم تسمع جوابًا، واصلت حديثها دون أن تتوقع ردًا؛ إذ لم يكن صمته مفاجئًا لها، على ما يبدو.
"هل لا تزال لورين معه؟ وكم لديهما من الأطفال الآن؟ كيف تمكن من النجاة من تلك المذبحة الرهيبة؟ كل هذه الأسئلة تتداخل في ذهني، لكن يبدو أنه لا يمكنني الحصول على إجابات لها."
بعد ذلك تقدمت نحوه، ولما لاحظت حذره، انتابها الضحك مستمتعة برد فعله.
"يظهر أن لورن ما يزال مقتصدًا في كلامه. أظن أني الآن باتت لدي فكرة عن لورين، لو كانت معه لبادرت إلى الحديث عني. على أي حال، اسمي ليفانا، صديقة قديمة للورن."
ثم وضعت الحاوية عند قدميه، أخرجت من حقيبتها قرص معدني صغير ودفعته نحوه.
وقالت بصوت متقطع وحشرجة خافتة: "أرجوا أن تنقل هذه الأشياء إلى لورن… وأبلغه أن الجميع قُتل… ما عداي... وأني سعيدة لنجاته... وحزينة لعدم تمكني من لقياه."
بعد أن نقلت إليه كل ما بحوزتها، خلعت معطفها برفق، وأراحته على ذراعها، ونظرت حولها بنظرات تقيّم المكان بحثًا عن مقعد يليق بالجلوس عليه.
فجأة اتجهت نظراتها نحوه، وهي تخبره بصوت جاد وهامس: "أعتقد أن عليك المغادرة، فهناك من يتعقب خطواتي."
كان واضحًا من نبرتها تقبُّلها لفكرة الخطر القادم، لكنه لم يشاركها اللامبالاة بمصيرها؛ خداعها وتركها لمصيرها المحتوم كان سيناريو مرفوضًا لديه.
تحدث إليها بهدوء متزن: "ما رأيك أن ترافقيني؟ سأضمن سلامتك."
كلماته أثارت فيها ذهولًا لحظيًا؛ اتسعت عيناها معبرة عن المفاجأة، ثم رسمت ابتسامة خفيفة على شفتيها، وتحركت باتجاه أحد الأعمدة المتهاوية واختارتها مقعدًا، متجاهلة تمامًا أي احتمال لاتساخ ثيابها.
"هل طلّب لورِن ذلك منك؟" استفسرت ليفانا بنبرة تحمل بين طياتها الفضول.
عندما هز رأسه بالنفي، ارتسمت على وجهها ملامح خيبة أمل خفيفة، فأضافت قائلة، "لا تقلق بشأني، أنا أعيش لحظاتي الأخيرة على أية حال."
للوهلة الأولى، بدت عبارتها غير متوقعة كأنها تنبؤ بمصيرها المحتوم، على الرغم من مظهرها الصحي الذي لا يوحي بأدنى مؤشرات الوهن.
مع ذلك، تجنب الإشارة لأي شيء من هذا القبيل وفضل الحفاظ على سكوته المعتاد.
لاحظت أنه لم يبارح مكانه، فاعتمدت براحة يدها وابتسمت بإشراق قائلة: "يبدوا انك تكن لي بعض العطف، هل تأذن لي بطلب أخير؟ أود لو تمكث بجانبي حتى أسلم الروح، وتصغي إلى حكاية حياتي؛ لأحظى بتلك الراحة التي يقال إنها تسبق الرحيل الأخير."
تحت وطأة هذا الطلب، أطلق فير جوابًا بسيطًا، قائلاً، "أنا لا أمانع."
عندما استمعت إلى رده، ملكتها الدهشة للحظة قبل أن تعود الابتسامة لتعلو وجها بسرعة. وتساءلت بنبرة محملة بالفضول، "لورن، هل أقدم على الزواج مجددًا؟"
ألقت نظرة تجاه، وعيناها تحمل بريق الرغبة في الحصول على إجابة، لكن عندما التزم الصمت، تابعت بنبرة ممزوجة بشيء من السخرية، "إنه لأمر محبط حقًا أن تقود حوارًا غير متبادل، لكن، لا بأس... لا يهم."
وبصوت خافت متأمل، تمتمت: "أتعلم، لو كنت أنثى، لربما حاولت التخلص منك بالفعل، مثيرة للشفقة، أليست كذلك؟"
سكتت قليلا لتتابع قائلة: "تعرفت على لورن وأنا في العاشرة من عمري وشعرت بإعجاب شديد نحوه، وكان ذلك قبل أن يلتقي بلورين."
عندها فهم الأمر، 'يبدو أنه إعجاب من طرف واحد.'
ابتسمت بمرارة وأضافت: "لورين، التقيناها لأول مرة وهي تعمل على خط التجميع، حيث التقينا بها، أنا وهو في اللحظة ذاتها.
لم تكن ذات جمال ساحر، لكنها كانت تمتلك ذلك السحر الشخصي الذي يجذب الناس إليها، وأنا لم أكن استثناءً، إذ سرعان ما توطدت بيننا صداقة قوية. كانت تمتلك كل الصفات التي تحلم بها في صديقة.
تدور في ذهني أحيانًا تساؤلات، لو أننا لم نقدم على تلك الرحلة، هل كانت الأمور ستأخذ منحىً مختلفًا؟."
عندها علق قائلاً: "أظن أن الإصرار على محبة رجل متزوج أمر مؤسف، ويصبح أكثر تعقيدًا حين تكون المرأة بقدر الجمال الذي تمتلكينه."
ردت ليفانا بابتسامة ساخرة: "لم يُشفع لي جمالي عندما احتجت إليه في أشد الأوقات حاجة. على أية حال، عندما تزوج لورن من لورين، قررت أن أقطع صداقتي بها. وعلى الرغم من الغيرة التي استولت عليّ تجاهها، لم أجد في نفسي القدرة على كراهها."
ثم انسابت ضحكة خافتة من بين شفتيها وكأنها تستحضر ذكرى دافئة، وكان رأسها مُطأطئًا، بينما شعرها المُنسدل يُخفي ملامح وجهها عن الأنظار. وكانت أصابع يدها اليمنى تعبث بسطح الرخام المُترب.
"كنت في رحلة في ذلك اليوم، يوم زواجهما. بمجرد أن وصلني الخبر، عدت وأنا ملتهبة بالغضب. هل تعرف ما كان تفسير لورن لغضبي؟ بكل بساطة، ظن أني غاضبة لعدم تلقي دعوة للزفاف، وهكذا، جاء هو ولورين يعتذران بشدة."
رفعت نظرها إليه، وقد اكتست ملامحها ببعض الأسى. "في تلك الليلة، توجهت نحو شاطئ مورنينغ الأخاذ، وعلى الرغم من مخاطره، فقد كان المكان واحة من الجمال الساحر والهدوء المطلق.
هناك سكبت دموعاً تفوق كل ما سبق من دموع في حياتي. وفي خضم ضعفي، عثرت عليّ لورين، أعز صديقاتي ومصدر أتراحي وشجوني.
ومع أنها كانت بعيدة عن معرفة أسباب حزني، إلا أنها اختارت الجلوس إلى جانبي، تشاركني البكاء تضامناً مع دموعي."
وفي صباح اليوم التالي، جمعت أغراضي وشددت الرحال مغادرة الى المكان الذي أتيت منه.
تجاهلت إصرار الجميع وشعورهم بالإحراج من سرعة رحيلي ولم أعر انتباهًا لنداءاتهم واستمريت في طريقي.
بعد أسبوع أتى لورن على أثري. وفي محاولة يائسة لإنهاء العلاقة التي أثقلت قلبي، استقبلته بجفاء وقسوة لاذعة."
عند ذلك ارتسم على محياها ابتسامة محفوفة بالأسى.
"لورن، الذي كان يجهل الأسباب الكامنة وراء هذه القطيعة الغامضة، بدأ بمحاولات صادقة سعياً لاسترضائ. في ذلك الوقت غلبت عليّ مشاعر الاكتفاء والتمرد، فانهمرت مني العبارات التي احتفظت بها لزمن طويل في داخلي، وشعرت بالندم تجاهها فور نطقها؛ كشفت له عن عمق أحاسيسي تجاهه بكل شفافية، ومضيت إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فقد أبديت استعدادي لتقبل مكانة لم تكن تخامر ذهني قط، مكانة الزوجة الثانية في حياته."
تلاشى صوتها في الصمت لدقائق، قبل تتابع: "لورن، الذي ابتلعته الصدمة تحت وطأة كلماتي المفاجئة، واعتلت وجهه ملامح الدهشة والحيرة. تجمّد في مكانه لبرهة يحدّق بي دون كلمة، ثم دونما مقدمات، انسلّ خارج الغرفة.
بعد مرور أسبوعين، أخذ خطواته نحو فرع آخر، تاركًا وراءه صدى من البؤس والشقاء في قلبي، ممزوج بشعور غريب بالارتياح، لأني كنت أعلم في قرارة نفسي أنّ ما كان بيننا هو علاقة خلت من إمكانية البقاء."
ثم سكتت لبرهة، متأملة الأفق بنظرات محملة بالحزن الممزوج بالحنين، بينما تُعيد ترتيب خصلات شعرها الأسود التي عبثت بها نسمات الريح، مخلّفة وراءها بعض الفوضى الجميلة.
"ومع دوران عجلة الزمن، وانقضاء خمسة أعوام متلاحقة، فاجأتنا الأقدار بجمع شملنا في مشروع "سيدا".
وخلال هذه السنوات عملت على تحسين ذاتي وتطوير مهاراتي المهنية والشخصية.
لقد تعلمت كيفية التصالح مع الماضي وإدراك أن بعض العلاقات ربما لم تكن مقدرة للبقاء.
فكل شخص يدخل حياتنا يعلمنا درساً، وكل تجربة تحكم مسارنا.
لذا، عندما التقيت لورن مرة أخرى ضمن مشروع سيدا، كنت على استعداد تام للتعامل مع الأمر بنضج ومهنية.
كان اللقاء أشبه بتصالح صامت مع الماضي، وتأكيد على أنه يمكن أن نتعاون ونتجاوز مشاعر الأمس العاصفة.
ومع استمرار العمل المشترك، وضعنا الأسس لعلاقة عمل مستقرة، مبنية على الاحترام المتبادل والتقدير لمهارات وخبرات كل منا."
ثم سكتت لبرهة لتتابع بلهجة مشوبة بالسخرية: "كان هناك أيضاً من عانى من طوق رفضي، وجفاف عواطفي المتحجرة. كان ذلك ارتيكس، كانت لديه يأس يماثل يأسي، ورغم أني كنت صريحةً معه بأن قلبي كان أسيرًا لحبٍ آخر، إلا أنه تقبلني. وبدافع الرضا، دخلت في عقد الزواج معه، ومنحته أبوة طفلة. وُلدت هذه الطفلة ونبض الحياة فيها خافت؛ جسد هزيل ومتمكن منه المرض الفتاك. عمرها لم يتجاوز العامين حتى كانت مُحاطة بظلال الموت.
أحب ارتيكس ابنتنا حباً جما، مما دفعه للبحث عن طريقة لإنقاذ حياتها مهما كان الثمن. وهذا كان بداية مشروع 'أو-كي'. جمعنا أطفالاً ممن شاركوها سناً ومرضاً، وأقدمنا على خطوة التجربة."
فير نطق بنبرة باردة: "أليس في ذلك قسوةً غير إنسانية؟ لإنقاذ حياة طفلةٍ واحدة؛ لجأتم إلى استخدام أطفال آخرين كحقل تجارب."
من الدهشة التي لامست صوتها الرصين، كان جليًا استغرابها: "يبدو أن تجربة لورن حقفت نجاحًا ملموسًا، بما أنك تتمتع بالقدرة على إبداء المشاعر."
من طريقة حديثها أدرك فير أنها لا تختلف عن أي عالِم آخر منفصل عن الواقع الإنساني.
"على أي حال، كان هؤلاء الأطفال أيتامًا بائسين دون أمل. وحتى مع موت ابنتي، لم نوقف المشروع حتى اختفى لورن بكامل البيانات والعينات الخاصة بالمشروع، مدمرًا كل شيء ومغادرًا المكان دون ترك أي أثر. في البداية، غمرتني مشاعر الغضب والخيانة، لكن مع مرور الوقت أدركت أن ما كان يتبناه كان صائبًا."
ألقت نظرة على السوار الملفوف حول معصمها وتنهدت بقولها: "يظهر أن اللحظة التي أودع فيها الحياة قد اقتربت."
ثم أعادت توجيه بصرها نحوه وتابعت: "أوه، أين كنا؟ أجل. بعد الاختفاء المفاجئ للورن بكل شيء، أصبحنا مطاردين من السلطات، نظرًا لسرية المشروع أو لنقل غير قانونيته بمعناه الدقيق. وبدأ الوضع يتفكك من حولنا، الجميع انقسم.
في تلك الفترة، كنت أخوض خلافًا شديدًا مع أرتيكس بسبب استخدامه لأساليب لا إنسانية، وكان دفاعه المستمر هو أنه ليس لديه خيار آخر."
لاحظ فير، أن لون وجهها بدأ بالشحوب بشكل متزايد.
"في أحد الليالي، قررت أن أخطو خطوة مغامرة نحو إعادة إحياء علاقتنا وإنعاش جذوة الأمل التي بيننا، فتسللت إلى مسكن أرتيكس، مدفوعة برغبة قوية في مفاجأته وإعطاء مستقبلنا معًا فرصة جديدة. كنت واثقة من المكانة التي أمتلكها في قلبه، ولكن، يبدو أن الزمن اختار لي مفترق طرق غير متوقع، إذ وجدتُ نفسي أتنصت على حديث لا ينبغي أن تدركه أذناي - كان أرتيكس يدبر لأفعال نكراء بمشاركة عدد من الشخصيات المرموقة.
تآمرهم يتمحور حول القتل والتهريب، ولم تقتصر خططه على ذلك فحسب، بل كان يتحدث بحماس عما يبدو أنه مشروع غير قانوني يهدف إلى التعديل البيولوجي لأفراد شعب الهولغاي، دافعًا بجشعه نحو انتزاع مقاليد السلطة.
وعلى الرغم من عدم فهمي التام لما يرمي إليه، إلا أن الخطر كان باديًا وجليًا. ومن خلال تلك الهمسات المشبوهة، فهمت أنه يخط لاستعادة فريقنا القديم، هؤلاء الأشخاص الذين يعرفهم الزمان بمجدهم وسوابقهم، لتحقيق أهدافه الدنيئة."
استراحت لبرهة، تستجمع أنفاسها، ثم واصلت القصة بنبرة جدية، "حينها سجلت تقريباً كل ما شهدتُه وأرسلتُها مفصلة إلى الاتحاد، مُبلغة إياهم بكل المعلومات التي بحوزتي، أملاً في رد فعل مناسب. لكن بدلاً من ذلك، وبصورة صادمة، اعتقلني الاتحاد، وتعرضت للتعذيب.
وليس هذا فحسب، بل إن الفريق بأكمله تم القبض عليه خلال أيام، وخضعوا لاستنطاق قاسٍ أنهكهم وأودى بحياة جميعهم باستثناء أرتيكس الذي لم يستطيعوا الوصول إليه. والذي راهن على حياته من أجلي وحررني من ذلك المأزق المروع.
ومن خلاله علمت، بالخبر المؤسف أن لورن لقي حتفه في انفجار الجزيرة التي لجأ إليها.
عندها، لم أستطع كتمان دموعي التي بدأت بالانهمار رغمًا عني."
قاطعها فير بتساؤل: "وما كان اسم تلك الجزيرة؟"
أجابت ليفانا بنبرة غير متأكدة: "عتقد أنها كانت تُعرف بسيلكوبتيا. وحسب ما وصلني، لم يُبد الإمبراطور اعتراضاً على اختفاء تلك الجزيرة الصغيرة وجميع من يقطنها."
فتفاجأ فير: "صغيرة؟!"
علقت ليفانا بهدوء: "رأو أن زوالها كان أهون من وجود جيش لا يُقهر من الهولغاي المتطورين. لكن، لما يثير ذلك الأمر اهتمامك؟"
رد فير بنبرة غير مكترثة: "ليس لسبب بعينه، أرجوكِ، أكملي."
شعرت أن هناك شيئًا ما، لكنّها لم تسترسل في استقصاء الأمر. "على كل بعد تلك الأحداث فقدتُ جنينًا، لم أكن أعلم بوجوده، وذلك بعد سنين طوال أمضيتُها دون أن أحمل، وكان الأمر مفجعا إلى أبعد درجة.
وبعد تلك الأحداث، هجرني أرتيكس لمدة عامين، ولما عاد، لم يعد وحيدًا بل برفقة زوجة جديدة وطفل. والحق يُقال، لم أصب بالمرارة أو الغيرة؛ إن كان ينبغي الاستخلاص، فأنا كنت في ذلك الوقت كشخص جُرّد من مشاعره.
وكانت زوجته من رعايا إمبراطورية أبهرا التي لطالما عُرفت بعلمائها. وكانت خبيرة كيميائية مهارة فعلاً، وانطلقت في تعاون معه على ذلك المشروع الطموح.
في البدء، لم أعير الأمر اهتماماً كبيراً، إذ كانت نفسي تملؤها مشاعر الضغينة تجاه الإمبراطورية والاتحاد، وكنت أصر أن يواجهوا مصيرهم دون مساعدة من أحد.
لكن، في يوم ما، جاء إليَّ أرتيكس، ساحباً إياي في نزهاته المعتادة، وخلال تجولنا، بدأ الفضول يتملكني حول كيف يعمل الباحثون، ولم يحاول أرتيكس عرقلة رغبتي في الاستطلاع. وأمام هول المشهد الذي اكتشفته وفظاغته، انفجرت بالصراخ في وجهه، مستنكرة رعونة أفعاله وبشاعة تجاربه.
نظر إليّ بصمت مطبق، دون أن يُصدر أي رد فعل. مع ذلك، عندما غلبت الدموع على نظراتي، بدت ملامح الرأفة تشق طريقها إلى قلبه، وأورد وعداً كاذباً بأنه سيخف الوطأة الإنسانية للمشروع.
عقب خيانتي الأولى له، اتخذ إجراءً حاسمًا بتركيب جهاز تتبع في جسدي. كنت على دراية تامة بهذا الإجراء، إلا أنني لم أجد في نفسي الجرأة لمواجهته أو الشروع في إزالة الجهاز.
ولكن بعد ذلك اليوم بت أعد العدة خلسة وعلى مدى ستة أشهر، حتى نجحت في تطبيق الدرس الذي تعلمته من لورن. لكني أحدثت التغيير بصورة أشد قساوة، فلم أترك المنشأة إلا وقد أجهزت عليها نهائياً، مودعة أرواح من بها وسط الألسنة اللهب.
وحتى بعد الأفعال التي اقترفتها، لم يصدر ارتيكس الأمر بإزهاق روحي، بل اقتصر أمره على اعتقالي، مع الحرص على أن لا يلحق بي أدنى أذى.
لم يفعل ذلك احتراماً لمنزلتي عنده فقط، ولكن لأنه على يقين بأني لا أمتلك القدرة على إفساد محتويات الحاوية أو تسليمها إلا لأولئك الذين أوليهم ثقتي التامة، وفي الحقيقة لا وجود لشخص بمثل هذه المواصفات في حياتي الحالية."
" ألم يراوده الشك بما كنت تخطين له؟"
"بالطبع،" قالت مع ابتسامة ثاقبة، "لقد كان على علم، لكنه أختار أن يتجاهلني، ظانًا أني سأهرب مع بعض المعلومات مرة أخرى، وتلك الأمور لم تعد تشكل تهديداً له كما في الماضي. والحقيقة هي أنني لم أكن لأتمادى في مخططاتي لولا معرفتي ما بداخل هذه الحاوية."
ألقى فير نظرة متحيرة نحو الحاوية الواقعة عند قدميه واستفهم بحيرة: "وماذا يا ترى يكمن داخل هذه الحاوية؟"
في تلك اللحظة، بدأت دموعها تنهمر بحرارة، تعبر عن الحزن العميق الذي استولى على قلبها، فيما امتزج بنظراتها عمق البغضاء.
ثم أخذت نفسا أعمق، وأجابت بانكسار: "لا أجزم بماهيتها، لكن دعني أقول أنها تحتوي جزءًا مني."
"ماذا؟!" قال بصوت يشوبه الدهشة.
مسحت دموعها برفق، بدأت تلوح على محياها ابتسامة متماسكة وقالت: "ها هنا تُختم فصول قصة حياتي. الآن، هل هناك شيء على وجه الخصوص استثار فضولك؟"
على إثر كلماتها، أثار سؤاله بلطف: "هل كان هذا الموضوع هو محور بحثكم الرئيسي منذ البداية؟"
نظرت نحوه بنبرة تحمل الدهشة وسألت: "أنت تعني مسألة الهولغاي؟ لكن، كيف... ألا ينبغي لك أن تكون على دراية بهذه المعلومات، بما أنك..."
قطع حديثها متدخلاً: "تقصدين بذلك لأنني ذلك النموذج الناجح الذي ذكرته، أليس كذلك؟ سواء صدقتِ أم لا، أنا لم أسمع بشخص يدعى لورن من قبل، ولم تسبق لي مقابلته. وعلى هذا، فأنت مخطئة في تلك النقطة كما أشرت من قبل."
ظهرت على ملامحها تعابير الارتباك: "ماذا؟! مستحيل… أنتَ."
ثم استعادت تماسكها وسألت بتقييم: "إذًا، كيف تمكنت من كشف غموض اللغز؟ أنا ولورن وحدنا من يمتلك المعرفة لفك رموزه."
أجاب بنبرة متهكمة: "ألا يبدو الأمر بديهيًا؟ بوسع ذكائي الخاص أن يجتاز تحديه."
"وماذا عن القرص؟"
"فتحته مع بعض الخفة والدهاء،" قالها بلا اكتراث.
احتدّت وقالت بعصبية: "أنت تكذب! فحتى إن توصلت إلى حل اللغز، القرص الذي أُرسِل عبر الناقل لا يمكن فتحه إلا بتابع جيني محدد.
وما زاد من استحالة شرحك، انتقالك خلال الحاجز الواقي الذي يمنع مرور النواقل. كل هذا يدل على أنني على حق."
فجأة لاحظ فير تقلبًا غير معتاد في تيارات الهواء والتفت قليلاً بشكل شبه لا إرادي.
ليفانا أطلقت كلامها بنبرة متوترة: "يبدو أن الوقت قد حان، أرجوك، أمسك بالحاوية. حتى لو كنت خدعتني..."
قاطعها فير بنبرة تحمل طعم السخرية: "سيدتي، يبدو أن الوهم قد أخذ منك مأخذه، فأنا لم أخدعك، أنتِ بالأحرى من رسمت أوهامًا لنفسك."
استقبلت ليفانا الكلمات بهز كتفيها، كما لو أن الأهمية تلاشت من القضية: "حسنًا، لعلك مُحق. توقفت عن الاهتمام بمن أنت بالحقيقة.
فمن خلال طريقة تعاملك ووضوح كرهك للمجرمين، صرت مؤمنة أن ما سلمته لك لن يقع في الأيدي الخاطئة و..."
فجأة، انهارت المرأة التي كانت تبدو بصحة جيدة، حيث كانت للتو تتحدث وتضحك، على الأرض. فير، الذي عايش العديد من الحيل والخدع، خُيل إليه أنها مجرد محتالة أخرى.
وبدلاً من الاهتمام بها، نقل نظره إلى الضيوف الذين دخلوا المكان فجأة دون دعوة.
واحد وثلاثون شخصًا يرتدون ملابس الداكنة مع أسلحتهم.
ما زال هناك حاجز يفصل بينه وبينهم، لذا حاول فير رفع الحاوية الثقيلة التي كان وزنها لا يُستهان به، مما اضطره إلى التنقل أكثر من مرة إذا أراد نقلها إلى الأرض ناهيك عن الحوامة.
من جيبه، أخرج حلقة فضية ووضعها بعناية فوق الحاوية لينشط آلية الإرسال إلى المخزن.
لكن الحاوية رفضت بعناد مغادرة مكانها، حتى بعد محاولات متعددة بقي الوضع على حاله، لأمر بالغ الغرابة.
فجأة استرجع عبارتها تلك. وبذهول تام، تساءل متشككًا: "هل من الممكن حقًا أن يكون هناك كائن حي داخلها؟"
رجاءا ساعدني في تحرير وتصحيح وتنسيق النص التالي:
في تلك اللحظة، اخترقت الجماعة الحاجز قبل أن يتمكن من نقل الحاوية. أخرج قنبلة صغيرة مليئة بدخان سام من سواره وألقاها إلى الأرض بالقرب منه لتنفجر على الفور مغطية المكان بدخان كثيف.
ومع ذلك، كان من الواضح أن الأقنعة الواقية التي كانوا يرتدونها منعت الدخان من تشكيل أي خطر عليهم؛ لقد كانوا محصنين، لم يكن ذلك مهما لان هدفه إلحاق الأذى بهم من الأساس.
أمسك فير بالحاوية وتحرك بها نحو زاوية خفية. وبمجرد أن انتقل، شعر فجأة بألم حاد يغرس في إصبعه.
أنه الوميض، زاحف ظلي بحجم إصبع السبابة، يتمتع بجلد متحول الألوان يساعده على الإختفاء بمهارة فائقة. يزخر بأنياب دقيقة تحتوي على سمّ شديد الفعالية يسب الشل الفوري، يتبعه فقدان الوعي. تعطيه الأجنحة الشفافة المتناهية في الصغر القدرة على التنقل الآني عبر الأبعاد الفراغية.
يُعد الوميض من الحيوانات التي يمكن أسر قلبها وترويضها.
ومثل أولئك القلائل الذين جربوا سُمه، انتاب فير إحساس بالتنمل في كامل جسده، نتيجة لسعته السريعة.