مع تهاوي ريفانس مجددًا، واستقرار العديد من الطلقات المخدرة التي أوقعته في قيود لا ترحم، مثبتةً كل عضو فيه، ليُحس بضيق يخنق أنفاسه، ويرتفع دوي دقات قلبه ليطغى على حواسه، ويبدأ ماضيه بظهور أمام عينيه كشريط سينمائي يُعرض على جدران ذاكرته. شظايا من ماضٍ أليم.
عيناه المتسعتان من الألم، صراخه المخنوق بالدم. أقدامه الصغيرة المتصارع، أقدام ثقيلة مطاردة. طلقات مخدرة تشق طريقها نحوه، ليست لتخدير جسده فقط، بل لتخدير كل حلم أو رغبة في الخلاص.
ألم… وحدة… يأس... ممرات ضيقة وباردة… ظلام يبتلع النور… أبواب موصدة…أيدي قاسية… قلوب خاوية… وجوه باردة… صدى أصوات غير مفهومة… ابتسامات جامدة… وضحكات… همسات…
بدأت الذكريات تتدفق في ذهنه كفيضان لا يرحم، حيث كل لقطة مُظلمة من ماضيه تُهاجم مشاعره بعنف، مُمزِّقةً آخر ما تبقى من ألق الإنسانية في داخله.
زاد نبض قلبه سرعة في تتابع لاهث، معتركاً مع الألم الذي بدأ يتبخر من جسده بشكل متسارع. شيئاً فشيئاً، اعتراه إحساس بالبرودة ينساب في مجرى دمه، تلك البرودة التي زحفت في شراينه باتت تحول ضربات قلبه إلى تجمّد وكأن دمه انقلب إلى مادة جليدية. فجأة نزع أحدهم قناعه.
وبشكل لا إرادي، تحركت يده بسرعة فائقة، وفي غمضة عين كانت الدماء الدافئة تغطي وجهه وتلطخ ثيابه في تدفق غزير.
أمام ناظريه ظهرت فوهة بندقية، وانطلقت منها طلقة؛ فبدأ العالم من حوله يتباطأ فجأة. لم يحاول التهرب من الرصاصة، بل تركها تمر من خلاله دون أن تتغيّر ملامحه، وفي جزء من الثانية كان واقفًا أمام صاحبها. حاول رفيقه صاحب التسارع أن ينقذه، لكنه فوئ حين مرت قبضته خلال جسده، أو على الأقل هكذا بدا له، لأن حركاته أصبحت كالضباب في نظره؛ او كصور التُقطت على عجل.
وفي خضم ارتباكه، استقبل لكمة قوية على وجهه، تلى ذلك سقوطه مهشم الرأس.
بعد ذلك صوت تحطيم وتهشيم تقشعر له الأبدان،
سقط جسد رفيقه مقطوع الرأس انتفض الجسم، ملوحاً بأطرافه بعنف – ولكن ذلك كان لحظة واحدة فحسب.
عندما رأى الفريق أن المسدسات التخديرية لا تؤثر عليه، قرروا التخلص منه. وعلى الفور، أخرج كلّ عضو في الفريق سلاحه الفعلي.
في عيني ريفانس، تلألأت شرارة من الجنون والاندفاع.
تقدم الى امام بسرعة فائقة حتى تحول شكله إلى ظل أسود متقلب يراوغ بمنتهى الدقة. بينما يتفادى زخات الرصاص بحركات محسوبة وغير عادية، كان يتنقل بخفةٍ متقنة وسط الفوضى المميتة، يركض أحيانًا على جدران متهالكة، يتعلق بالعروق البارزة من الحطام ليغير مساره بسلاسة، ويتدحرج أحيانًا وراء دعامات متساقطة للاحتماء. حركاته كانت تنم عن سلاسة وسرعة ورشاقة استثنائية، إذ لم تصبه رصاصة واحدة. حتى ظهر إلى جانب خصمه، امسك برأسه واداره دورة كاملة ولم يتركه حتى اقتلعه من مكانه رماه بعيدًا. وانتقل سريعًا للثاني، حيث وجه ضربة قاضية إلى فكه؛ والثالث تلقى ركبة قوية في أسفل بطنه، تبعها بركلة دائرية. وقع كل ذلك في أقل من ثانية.
وحتى في لحظات التي يتوقف فيها لتمزيق أحدهم كان يتخذ الإجراءات المناسبة لتفادي الطلقات كان كمن أصبح له عين في كل مكان.
كان قد تخلى عن استخدام الأسلحة منذ زمن، فقد كان يُقاتل بيديه العاريتين، إذ وجد في ذلك متعة استثنائية.
كانت النشوة تجتاحه عندما يسمع صوت العظام وهي تتكسر ووتهشم بين يديه، مع حمام من الدم الدافئ الذي يتناثر مع كل هجمة.
وفي لحظات، طغت فوضى من اللحم والعظام المتبعثرة على المكان، وباتت العيون المسلوبة الحياة، المفتوحة على مصراعيها، تعلن عن عمق الفزع الذي مر به صاحبها.
والأطراف المقطعة متناثرة هنا وهناك بلا ترتيب، على مد البصر، والأنين والتشنجات تصدر من أجساد بالية كالخرق، كانوا شاهدة على هول ما حدث، بينما امتلأ الهواء برائحة دماءٍ نفاذة.
إلا أن هذه المناظر امتزجت لتثير في نفس ريفانس نشوة حماسية.
******
توقفت حوامة ذات اللون الأسود الداكن في السماء، معلقة على علو فوق أنقاض قصر مدمر، ترجّل منها ثلاثة أشخاص، أحدهم فتى يجلس على كتف روبوت ضخم. بجانب الروبوت وقف شاب بشعر أخضر غامق، يرتدي ملابس من اللون الأخضر ولكن بدرجات متفاوتة، وكان يحمل بيده علبة تحوي كريات خضراء متلألئة تحوم حولها زهرة الليلام؛ زهرة ذات بتلات متعدة الألوان تشبه الفراشات وتطير مثلها، من بعيد، قد يظن المرء أنها فراشة، لكن عن قرب، فهي مجرد رأس زهرة اتخذت من بتلاتها أجنحة لتحلق في الهواء بحرية، كما أن لها سماً يمكن أن يذيب الصخور.
إلى جانبه وقف رجل ذو ملامح مشدودة منحوتة بدقة، بشرته وشعره وعيونه قاتمة كسواد الليل، تبرز على وجه علامات الحزم والجدية. قوامه الرياضي يعكس قوة ظاهرة وهو يرتدي ملابس سوداء تغطيه من الرأس حتى أخمص قدميه. وعلى كتفه طائر ذو ريش أسود فاحم تتلألأ عيناه كالزمرد، وفي يده بندقية قنص طويلة.
على مقربة منهم، كانت معركة تدور رحاها بين جماعة من المقاتلين وصبي يافع ذو بنية هزيلة. في الواقع، لا يمكن تسميتها معركة إلا من جانب واحد، إذ إن الأفضلية كانت لصالح الصبي بشكل غير متوقع.
"ساركين! هل نحن هنا لنقاتل ذاك الهولغاي؟ لكن، أيّهم هو القائد؟" استفسر بحيرة صاحب شعر الاخضر، وهو يتفحص الجموع بحثًا عن شخص يبدو أنه يصلح للمنصب.
"أعتقد أنه لا داعي لنا بعد الآن"، صرّح الثاني بنبرة هادئة.
"ما قصدك، زورفال؟!" استفسر بحيرة واضحة.
رد زورفال، مع إيماءة استهجان، "أورال، ألم تفهم بعد، أم أنك تتغابى؟ ذلك الصبي هو الزعيم."
أورال مصعوقًا، تلعثم قائلاً "ماذا؟ هذا مستحيل..."
تحدث ساركين بلا اكتراث وهو يقفز من كتف الروبوت ليهبط على الأرض برشاقة قائلاً: "إنه على حق، هذا الفتى هو الزعيم ريفانس الذي كنتَ تثير الضجة لمقابلته."
أورال، ولوح الرفض مازال يخيم على ملامحه، تمتم قائلاً، "ولكن كيف..."
قطع كلامه ساركين بردّ بارد ومباشر، "هل لديك اعتراض، أو شيء من هذا القبيل؟"
في تلك اللحظة بالذات، ريفانس الذي تخلص من آخر شخص ظهر أمام أورال، محيطًا بعنقه بقبضة يده القوية. الدهشة علت وجه أورال وتسّعت عيناه، وبينما همت زهرته بالهجوم لنجدته، لكن رصاصة من مسدس فيورنيتا التي ظهرت فجأة مع توأمها، أصابتها لتسقط وتندثر في لحظات معدودة.
أورال، الذي لم تكن له قدرات استثنائية باستثناء قدرته على رؤية الفوائد والأضرار في النبات بعينيه الفريدتين، واللتان لم تكونا مناسبتين لأعمال القتال، بدأ بالتدهور السريع، كأنه يقف على أبواب الموت.
تحرك ساركين نحو ريفانس الذي كان يخنقه؛ عرف أنه بالفعل يخوض صراعًا داخليًّا، وإلا لكان قد اقتلع رأسه منذ أول ظهور له.
وضع يده على اليد التي تخنق أورال.
التفت ريفانس نحوه، وعيناه الزرقاوان تلمعان بوميض غير بشري.
ببطء، استرخت قبضة ريفانس، وانزلق أورال من بين يديه، مغشيا عليه.
ثم مال ريفانس نحو ساركين ولطخ جبينه بيدٍ ملطخة بالدماء، قائلًا: "التزانا! هل ترينني وحشًا أيضًا؟"
عرف ساركين أن التزانا هي أخت ريفانس المتوفاة، ولأسباب غير معروفة، كان ريفانس كلَّما غاب عن نفسه يخلط بينها وبين ساركين، سواء أكان شعره قصيرًا أو طويلًا، على الرغم من عدم وجود أي رابط دموي بينهما، سواء من قريب أو من بعيد.
والأغرب من ذلك، أنه لم يحاول القتل أبدًا بعد رؤيته له.
نظرًا لأن محاولات التصحيح السابقة كانت تزيد الوضع سوءًا، فقد اختار ساركين أن يسايره.
ثم التفت إلى الأشخاص الواقفين خلفه وقال: "من هؤلاء؟"
أجاب ساركين: "إنهم رفاقي".
نظر إلى أسلحتهم وقال بابتسامة مريرة: "أرى، يبدو أنكم أتيتم للقضاء عليّ".
أراد ساركين أن يدحض كلامه، ولكن ريفانس وضع إصبعه على شفتيه، وهز رأسه مُعبرًا عن حزنه، وابتسم وهو يذرف الدموع قائلًا: "لا بأس اختي، أنا على دراية تامة بكوني وحشًا، سأقف هنا ولن أتحرك من مكاني، يمكنكم القضاء عليّ."
هز ساركين رأسه معرباً عن رفضه.
لدى رؤيته لتلك الحركة، ابتسم، وسحبه في عناق و قال: "شكرًا لك، أختي. لقد كنت خائفًا حقًا من أن تكرهيني."
بعد ذلك، ابتعد قليلاً ونظر إلى ملابس ووجه ساركين الملطخين بالدماء، وقال بنبرة متأملة: "يبدو أنني سأظل أخاً سيئًا حتى النهاية."
ومع تلك الكلمات، انتشرت ذراعاه باستسلام وقال بنبرة محملة بالحزم والألم: "أنا جاهز، يمكنكم الآن القضاء عليّ. لا تترددي، أختي، فأنا غارق في الآلام حتى بعد خروجي من ذلك المكان الموحش.
ضائع، تائه في أعماق ظلمة مطلقة، كما أنني وحش مروع يزهق الأرواح أينما حلّ."
ثم مسح دموعه قائلًا: "لابُدّ أنّ جهازي الدمعي قد تعطّل." نظر إلى ساركن ومن معه واقفين دون فعل شيء وقال بصوتٍ مخنوق: "أختي، ماذا تفعلين أنتِ ورفاقك؟ هيا اقتلوني؛ لا، أعتقد أنّ الكلمة الصحيحة هي 'اريحوني'."
تحرّك روزفال باتجاهه، وعندما رأى تحركه، لم يظهر ريفانس أي عدوانية تجاهه، بل أغمض عينيه وحسب.
اقترب زورفال منه وعانقه. ريفانس، الذي فُوجئ بهذا التطور، حاول الابتعاد، ولكن الكلمات التي سمعها جعلته يتوقف في مكانه.
"أنت لست وحشاً يا ريفانس، هم من حاولوا قتلك. كنت تدافع عن نفسك فقط، وكان قتلهم هو الطريقة الوحيدة للبقاء على قيد الحياة بالنسبة لك. لقد كنت تفعل ما يجب عليك فعله. إذا تمت إدانتك بسبب أفعالك، فمن سيتحمل المسؤولية عن حياتك؟ لقد عانيت كثيرًا، يمكنك الراحة الآن." شعر ريفانس أن تلك الكلمات هي أكثر ما أراد سماعه حتى الآن.
في تلك اللحظة، عاد التركيز إلى عيني ريفانس، وسمح لدموعه الصادقة أن تجري بحرية، مستسلمًا لمشاعره لبعض الوقت. وعندما استعاد هدوءه، انسحب بهدوء واعتذر من روزفال بإحراج.
نظر حوله، مغمورًا بالإحراج لبعض الوقت، قبل أن يجمع أفكاره ويخاطب الدريكس قائلًا: "الدريكس اذهب واستعِد الحاوية المعدني من المكان الذي كنت فيه." لم تكن هناك كلمات؛ فقط إيماءة قبل أن يضغط على زر الحزام الخاص به، وينتقل على الفور.
ألقى نظرة على فيورنيتا المشغولة بعلاج اورال، الذي بدا واضحاً أن هناك شيئًا خطيرًا قد أصاب عظام رقبته - تشوه حتمًا ناجم عن يديه.
موجة من الذنب اجتاحته، لكن الضرر قد وقع؛ وعليه الآن أن يجد طريقة للتعويض عما حدث، ويأمل أن يستطيع تقديم ما يكفي لإصلاح الأمور.
بعد اتخاذ ذلك القرار، التفتَ نحو ساركين، الذي بدت حالته غريبة؛ ولأنه لم يتمكن من تذكر أفعاله. استنتج أن هذا أيضًا من بين أفعاله، متجاهلاً الأمر سأل: "ساركين، هل تحققت من صحة المعلومات الموجودة على القرص الذي أرسلته إليك؟"
أجاب ساركين: "نعم، إنها صحيحة."
"عمل ممتاز. أريد منك أن ترسل رسالة مشفرة باسم فير إلى القصر الإمبراطوري في أسرع وقت ممكن، قدِّم فيها شكوى مليئة بالحقد لما حدث في جزيرتي. أرغب في إعطائهم فرصة قبل أن..." لم يتمكن من إكمال جملته؛ إذ سقط مغمىً عليه.
أمسك زورفال بجسده بينما استدعى ساركين الروبوت للكشف. بمجرد ظهوره، أصدر لروبوت أمرًا: "اكشف عليه". ومن عيني الروبوت خرج ضوء ساطع قام بمسح جسد ريفانس بالكامل.
صدح صوت الروبوت الواضح: "جارٍ المسح". ثم أعقبه بعد لحظات: "اكتمل المسح".
وبدأ يعد الأعراض التي وجدها:
- نزيف حاد ناتج عن إصابات داخلية شديدة في عدة مناطق من الجسم.
- صعوبة في التنفس.
- تسمم وشلل تام.
- تشوهات في العظام نتيجة التآكل.
- مشاكل في الجهاز العصبي.
- اضطرابات في وظائف القلب.
- آثار كدمات وحروق وجروح خطيرة في مناطق متعدة من الجسم.
- تلف عام في الأنسجة.
- انخفاض مقلق في درجة حرارة الجسم...
مع كل هذه الأعراض، لم يكن السؤال كيف استطاع الحركة والكلام، بل كيف كان قادرًا على الاستمرار في الحياة حتى الآن.
تم تكليف أورال، الذي عاد إلى الحياة بعد تلقي العلاج، بمهمة علاجه. [عاد إلى الحياة: مجرد تعبير مجازي.]
بدا شاحبًا، خاليًا من الكلمات على غير العادة، ربما من الصدمة أو الخوف أو ربما كانت سرعة العلاج الفائقة هي التي أثرت عليه – أو ربما كانت مزيجًا من كل تلك العوامل معًا.
على كل اتبع زورفال الذي كان يحمله بعد إيماءة خفيفة، في حين أن ساركين قد غادر المكان لإرسال الرسالة من موقع مجهول.