بخطوات متسارعة، تقدم المستشار حاملاً رسالة ألبست الدهاليز الهادئة للقصر لونًا من الاضطراب والتوتر. بدأت اللحظات تتنافس مع خطوات القادة المسرعين نحو قاعة العرش.

وقبل أن تتمركز الشمس في قلب السماء، كانت القاعة قد امتلأت بوجوه عابسة، كل واحد منهم يحمل في ثنايا نفسه مزيجًا من المشاعر المتضاربة التي تتراوح بين القلق والحيرة، وربما الخوف الذي يخفى وراء قناع من الحزم.

جلس الإمبراطور على عرشه المرتفع، ووهج عينيه يكاد يشعل الأجواء بسطوته المعهودة.

"اجتمع القادة، جلالة الإمبراطور." صدح صوت الحاجب المخلص في أرجاء القاعة، معلنًا اكتمال الحضور.

وحين انعقد الجمع، أعطى الإمبراطور الإذن للرسالة أن تُقرأ بصوت جهوري.

[كنت أعيش حياة سعيدة بمعنى الكلمة، حياة تزدهر بالحب والأمل. ولكن، اقتُلعت بأنياب قسوة أحد الرجال الأوفياء للإمبراطورية. بأمر منه، تحولت قريتي إلى رماد، والأرواح التي كانت تملأها صارت مجرد ذكريات.

معتقدًا أنه بذلك يسحق تهديدًا محتملًا، والذي تبين لاحقًا أنه لم يكن إلا وهمًا نابعًا من سوء فهم. وها أنا ذا الآن أُحدّق في أنقاض ما كان يُعتبر فيما مضى وطني.

في ذهني يترد سؤال واحد: لو كنت مكاني، يا مولاي، ماذا كان سيكون قرارك؟.

والآن، وقد اطُلِعتَ على مظلمتي، كيف يمكنك أن تعيد إليّ العدل والأمان اللذين سُلبا مني بأمرٍ جائر، متسرع، لم يُمهَد له بالتروي والتبصر، خاصةً وأن المتسبّب في ذلك ليس إلا أحد أعتى أقطاب حاشيتك؟

وهل ستكون مصيرُ قريتنا الواقعة على هامش إمبراطوريتك من ضمن اهتماماتك وتدبراتك؟.

أصبو إلى استجابة تروي ظمأ قلب تعصف به أمواج الأسى والاستياء، استجابة خالية من التأجيل أو الخذلان.] التوقيع: ف.ر

كانت الكلمات المنقوشة في الرسالة ناطقة بالغضب والآلام التي اختبرها مرسلها، وعلتها سُحُب الغموض التي تلقي بظلال الحيرة على جميع من يقرؤها.

وبدأ الجميع يستبطنون ذواتهم باستفهامات حول ما إذا كانوا قد اتخذوا قرارًا مماثلاً في مسيرة حياتهم.

صدح صوت الإمبراطور، الثابت: "أيها القادة الأفاضل، لدينا قضية تتطلب الحكمة والقوة في آن واحد.

كما سمعتم قاتل ماكر قد أرسل إلينا تحديًا، تهديدًا، واختباراً قد يهدم الأساس الذي بنينا عليه نظامنا ويعصف بنسيجه."

"في ضوء الرسالة التي وُصلت إلينا، تم إراقة دماء الأبرياء بأمر صادر عن قرارنا المُبنى على معلومات غير دقيقة. وهو الذي كان ضمن هؤلاء الضحايا، يتوق الآن إلى العدل أو يسعى للثأر. يتعين علينا أن نصوغ استراتيجية رد تُليق بجلال الإمبراطورية وتحافظ على هيبتها دون إظهار أي ضعف أو ترد."

استقام غرانديوس، المؤرخ الإمبراطورية، وتحدث بنبرة متزنة قائلاً: "اعتقد أنه علينا أولًا التحقيق في الرواية المُقدّمة من القاتل."

تنهد الإمبراطور قائلًا: "لا أعتقد أنه سيخاطر من أجل قضية لا أساس لها من الصحة. لذلك، أطلب منكم الآن أن تضعوا أمامي جميع الاقتراحات والتوصيات، لنتمكن معاً من التوصل إلى قرار يرتقي لمستوى الحدث ويعيد الاستقرار إلى ربوع إمبراطوريتنا.

اجعلوا التحقق من صحة الرسالة والتحري عن الجاني وتحديد المكان المطلوب في ملف واحد."

أشعلت كلمات الإمبراطور همسات بين أعضاء المجلس.

استقامت هيبتار، قائدة القوات الخاصة، واقترحت بهدوء قائلة: "جلالتك. أظن أن علينا توسيع دائرة التحقيق ومراجعة سجلات العملاء والمأموريات السرية، فقد يكون القاتل واحدًا من الذين نعمل معهم، نظرًا لوصول الرسالة إلى شاشات العرض الإمبراطورية".

تلاها دومينيك، جنرال القوات الجوية، بصوت هادئ: "أظن أنه يتعين علينا الإقرار بأن هذه المأساة نجمت عن خطأٍ في تقديرنا، وعلينا أن نسعى للتكفير عن ذلك الخطأ، من خلال أعمال كإعدام الجاني وتقديم تعويضات للأبرياء الذين عانوا من تداعيات أفعالنا".

ملأ الهمسات أرجاء القاعة ثانية، ليس استجابةً لكلماته، إذ لم يكن اقتراحه مفاجئًا لقائد معروف بنزاهته، وإنما لصمت الإمبراطور الذي يوحي، ضمنيًا، بقبول الاقتراح.

"فقط لنجعل الإمبراطورية سجنًا متحركًا بنسبة له يرزح تحت وطأة القوة؟" هتف فالتريك، مستشار الثقافة والإعلام بانفعال.

تابعه سيفاكس، قائد الأمن العام، قائلًا: "جلالتك، كان من الصعب جدًا الإمساك بذلك القاتل من قبل لأنه كان يتخفى في الظلام. لكن، مع تجرؤه الآن على الظهور علانيةً، فإنه لن يتمكن من الإفلات من قبضتنا."

علق توريفان، جنرال البحرية وفي نبرة صوته نوع من السخرية: "أتمنى لك التوفيق في ذلك، فعندها ستريحنا من هذا العناء الذي استنزف طاقاتنا العقلية بالتفكير في أمر قضيته."

حاول سيفاكس النهوض مرة أخرى للرد عليه، إلّا أن إيلسا تقدمت قبله بمقترحها قائلة: "جلالتك، أعتقد أنه من الضروري أن نصلح ما دمره الخطأ بتقديم تعويض رمزي للضحايا، وليس بإزهاق المزيد من الأرواح. هذه هي معاني العدالة الحقيقية."

رد الإمبراطور بنبرة ساخرة قائلًا، "مستشارتي العزيزة، إننا نصنع العدالة كما نراها، ولسنا مقيدين بمفاهيم محدة لها. ومع أن فكرتك قد تثني القاتل عن ارتكاب المزيد من الجرائم وتحول دون حدوث تمردات غير مرغوب فيها. لكن، برأيكِ، هل تعتقدين أن التعويض الرمزي سيلقى قبولاً لدى المجرم؟"

قام أورفايوس، مستشار الإمبراطور للشؤون العسكرية وتحدث قائلًا: "إن خطر ذلك الشخص المتغطرس معلوم لنا جميعًا، يا صاحب الجلالة. إهمال الرد على تصرفاته قد يؤدي إلى اندلاع الفوضى في جميع أنحاء الإمبراطورية."

الإمبراطور، وهو ينظر إليه بوهج: "وهل تقترح أن نستسلم لتهديدات قاتل؟ أن نسمح لظل الفوضى أن يحجب عن عظمتنا؟"

أجاب أورفايوس بهدوء وثبات: "لا، جلالتك. إن القاتل ينشد العدالة وفق أحكامه الخاصة. لقد تكبد خسائر جمّة ويتوق إلى إسماع صوته. والأهم من ذلك، إنه يسعى لرد فعلٍ منا - إقراراً بأن أفعال الإمبراطورية لها عواقب يجب أن تُحسب."

انبرى ليندفار، مستشار الإمبراطور في الشؤون القانونية والقضائية، مقترحاً بثقة: "يجب أن نتبع نهجاً حاسماً، وأرى أن علينا تشكيل فرقة خاصة لتعقب هذا القاتل وجلبه أمام ميزان العدالة. لا يجوز التساهل في مثل هذه الأمور."

الإمبراطور، بنظرة استخفاف: "ميزان العدالة؟ واين ميزان العدالة للذين تسبب خطؤنا في موتهم؟"

فيرونيا، مستشارة الإمبراطور في شؤون التكنولوجيا وحروب المعلومات، تقدمت بمقترحها بحذر: "مولاي، من الممكن أيضًا أن نظهر البعد الإنساني للإمبراطورية. لا يجب دائمًا اعتبار القوة هي الحل الأمثل. إعطاء تعويضات أو حتى إبداء الأسف قد تكون خطوات مواتية..."

قاطعها الإمبراطور بحدة، غير متقبل الفكرة: "ندم؟ لا ندين بالندم لأي كان. التعويضات، التعويضات... هل تظنون أن مثل هذا الرجل، الذي سحقته آلة الغضب والانتقام، سيرضى بالذهب مقابل دماء أحبائه؟"

تحدثت زيفانيلا، مستشارة الشؤون السياسية: "مولاي. لنقدم للقاتل عرضًا: مكانًا بينا، كواحد من المستشارين المقربين. لقد غدرنا بقريته وعائلته؛ يجب علينا أن نعوضه عن ذلك بمكان يمنحه القدرة على منع هذا النوع من الظلم في المستقبل."

تدخل توريفان بنبرة مفعمة بالتحفظ: "مكان بينا؟ هل تعتقدين حقًا أن ذلك سيسكت عطشه للانتقام؟"

هزت المستشارة رأسها بثقة قائلة: "إنه يطلب جوابًا شافيًا، وليس مخيبًا. هذه فرصتنا لنظهر أن الإمبراطورية تسمو فوق أخطائها، وأنا قادرون على إصلاح ما أفسدته الأيدي المتهورة."

أشار الإمبراطور إلى إلتزام الصمت وسأل مُخاطبًا مستشاري أمن المعلومات: "هل حددتم مصدر الرسالة المُرسلة؟"

أجاب مستشار الاتصالات: "نعم، سيدي. الرسالة أُرسلت من أعماق غابة كاتمونس."

أضافت مستشارة التكنولوجيا بنبرة تحمل نوعاً من القلق: "لكن، بما أن الموقع كان جدبًا، فقد جُهز الجهاز المُستخدم لإرسال الرسالة بطُعم لجذب فراشات تيز، مما أدى إلى تحويل كل شيء في المكان إلى رماد."

الإمبراطور، الذي سئم من الطرق المسدودة التي تؤدي إلى مسار ذلك المجرم، أمر قائلًا: "أُعطيكم الضوء الأخضر لبلور العرض الأخير. وبحلول صباح الغد اريد ان ارى نهاية لتلك المسألة. والآن، لينصرف الجميع."

التفت الإمبراطور إلى مساعده لوريدان الذي كان صامتًا طوال اليوم وقال: "لوريدان!"

رد لوريدان: "نعم، جلالتك."

قال الإمبراطور: "لقد كنت صامتًا طوال اليوم."

أجاب لوريدان بهدوء: "ذلك لأنني لم أجد أي اقتراح يستحق الطرح."

أومأ الإمبراطور متفهمًا، وأصدر تعليماته: "أريدك أن تستدعي فيوس وألدرين، أود أن يكون لي عشاء معهما."

رد لوريدان: "بالطبع، سيكون كما تشاء."

*******

داخل مكتب المدير فيوس، كانت الأضواء الخافتة تلمع بتناغم فوق الأجهزة الموزعة بذكاء في أرجاء الغرفة. شاشات عدة تعرض مجموعة متنوعة من الرسوم البيانية والبيانات المتدفقة.

جلس المدير خلف مكتبه المصنوع من الكريستال الأسود. فجأة، أصدر القرص الكائن في وسط المكتب رنينًا خافتًا.

بحركة سلسة، رفع فيوس يده مما أدى إلى توقف جميع الأنشطة في المكتب مؤقتًا.

أخذ نفسًا عميقًا ومد يده نحو القرص. وبلمسة واحدة، انبثق ضوء وتشكّل إلى هيئة شخصية شفافة تضج بكاريزما تُلفت النظر، مساعد الإمبراطور، الذي بدأ حديثه بمجرد ظهوره، بصوت يملؤه الوقار: "فيوس، لقد وجَّه سيادة الإمبراطور الدعوة لك لتناول العشاء معه هذه الليلة، متوقعًا إطلاعك على تطورات محورية."

بإيماءة رأس متفهمة، أبدى فيوس موافقته.

ومع هذا الرد، تلاشت الهيئة بسلاسة وعاد المكتب إلى صمته المعتاد.

وما هي إلا لحظات، حتى قُطِع الهدوء مرة أخرى وهذه المرة برنين من سواره الخاص الذي يلتف حول معصمه.

كان ضوءه يموج بإشعاع أسود، دلالة على رسالة طارئة. بلمسة واحدة، ظهرت الرسالة بصيغة نص ضوئي معلوماتي يتدفق أمام عينيه: "المتدرب المختطف عاد، سيدي. بفضل ناين، صائد الجوائز، تمت إعادة المتدرب إلى جانب مختطفه المقيد إلى مركز الأمن. الصبي بخير، لكنه يعاني من غيبوبة نفسية - آثار الصدمة، كما نعتقد."

شد فيوس عضلات فكه للحظة، ربما من شعور بالإحباط لأن العثور على التلميذ تم قبل أن يصل إليه.

في مكان قريب، وقف نيتيان يشهد ما يحدث، ثم تحدث: "إجراءات التحق من حالته... سأقوم بها شخصيًا." بهذا، غادر نيتيان غرفة المكتب متجهًا نحو مركز الأمن.

2024/02/05 · 71 مشاهدة · 1369 كلمة
Let
نادي الروايات - 2026