السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
تحياتي الطيبة للجميع بمناسبة حلول اليوم الثاني من شعبان لعام 1445هـ، الموافق ليوم الإثنين 12 / فبراير 2024م.
🌙 بداية شهر شعبان، شهرٌ تُرفع فيه الأعمال إلى الباري 🌙
***الـلّـهـم مُـدَّ فـي أعـمـارنـا وبـلـغنا رمـضـان في أفـضـل حـال.***
____
بينما كانت الأشعة الذهبية ترسل بريقها إلى البنايات العائمة التي تشرف على القطاع الأثري من الأعلى.
في إحدى تلك البنايات الشاهقة، مشى باديان بخطوات موزونة؛ إنه عضو مرموق في منظمة ليراكوس.
كانت عيناه تخفيان حملًا من القلق العميق، ومع صوت طرقات قدمه المتحفزة، استجابت الأرضية الذكية متجاهلةً قلقه، مسرعةً بأدائها لتنقله إلى الأعلى بكفاءة عالية.
الجدران الشفافة للمصعد تعكس مشاهد متموجة للمدينة النابضة بالحياة، والمرات الطويلة للمبنى تتلألأ بأشعة الشمس المنعكسة عليها.
استقبلته الروبوتات الخدمية المزودة بأجسام معدنية براقة وعقول إلكترونية دقيقة تتحرك بانسجام تام.
تجول الأعضاء الذين يقوم بواجباتهم في صمت، فكل شخص هنا ينبض بقلب تم ترويضه ليسمع وينفذ لا ليتسأل أو يعترض.
وأخيراً، استطاع باديان أن يصل إلى مكتب الزعيم ارتيكس. كان ذلك المكتب خلف الباب الخامس في الطابق الخمسين بعد المئتين.
ومع اقترابه، اختفى الحاجز الأمني للمصعد بصمت، مكشفاً عن باب المكتب الفخم. فتحت الابوب على صوت نجفات.
ظهر أرتيكس، الزعيم الذي لا يُعرف عنه الرحمة، المشهور بحنكته الاستراتيجية، ووسامته، وقامته الطويلة، وشعره الأسود الفاحم.
كان أرتيكس يجلس خلف مكتبه المصنوع من أجود أنواع البلور الليلكي، محاطًا بمرؤوسيه الذين شكّلوا حوله طوقًا من الولاء الأعمى.
إلى جانبه، استلقى ثعبانه الضخم، موزعًا جسده بدهاء ليُبرز بشكل أكثر روعة وهيبة.
وفوق مكتبه، تطوف شاشات الهولوغرام عائمة بلا جاذبية، تنقل أخبارًا لا تهدأ.
أحوال مستعمرات بعيدة، خرائط لمناطق نزاع، بيانات حيوية تعود لأشخاص يُمثلون قيمة لمؤسساته العتيدة - كلها معروضة كنبض الحياة في عروق الجسد.
"سيدي الزعيم.." بدأ باديان، وصوته يكاد يغرق في بحر الصمت الذي خيم على المكتب.
ﻻ حاجة لشرح ما يظهر على وجهه، فقد كان كتاباً مفتوحًا حتى للأقل نباهة بين حاضري الغرفة.
"زوجتك ليفانا... والحاوية..." توقف للحظة، بحث عن الشجاعة في أعماقه، ثم استطرد وقلبه كعصفورٍ مُحتجز بين أنياب وحش، "لقد فُقدا. وفرقتا الخامسة والسادسة... لا توجد بيانات حيوية تصلنا من أجهزتهم القلبية، لقد تم القضاء عليهم..."
كلماته المتردة سبقها صمت مُطبق.
لم تكن أمر الفرقتين مهما فالجميع يعلم أن جنود المنظمة لا يُعتبرون ذوي قيمة إلا لما يُقدمونه من خدمات، لكن زوجة الزعيم والحاوية الغامضة، كان خسارتهما تعني الكثير.
ظل ارتيكس صامتًا للحظة والتي بدت وكأنها أبدية لباديان، ثم تحدث بصوت جليدي، "الفرق واحد واثنان وثلاثة... أريد أن ينتشروا، وفي غضون أربعة أيام، عليهم أن لا يدعوا حجرًا على حجر في هذه الإمبراطورية حتى يعثروا عليها."
كانت هناك لحظة قبل أن يضيف: "استنفروا جميع الفرق في كل أرجاء الإمبراطورية دون استثناء. ليأخذ كل عضو موقعه ويتعرف على الوضع في منطقته."
باديان، الذي كان يظن أنه سيلقى حتفه بين أنياب ثعبان الزعيم، وجد نفسه يحمل أوامرًا جديدة، وفرصة للهروب من جحيم الفشل المُحتم.
*******
بعد ثلاثة أيام، بدأ وعي ريفانس يستعيد قوته ببطء، حاول فتح عينيه بصعوبة. وعندما نجح، استغرق بعض الوقت حتى يتضح ذهنه ويتذكر الأحداث التي سبقت فقدانه الوعي.
ثم حاول الجلوس، لكن الألم منعه مجبرًا إياه على الاستلقاء.
شعر بألم نافذ يخترق جمجمته، وكأن مطرقة حديدية ضخمة قد انهالت عليها بضراوة.
عيناه المحمرتان كانتا على وشك رفض النظر إلى أي شيء أبعد من مليمترات. أما معدته، فتقلصت جراء شدة الانقباض، وشفتاه تشققتا بسبب الجفاف الشديد. بينما أسر ظمأٌ مريرٌ حلقه كأنما مرت عصورٌ منذ آخر قطرة ماء مرت به.
عند شعور بالحركة رفع ميلد الذي كان يغفو في كرسي بشكل غير مريح رأسه.
أمامه، رأى ريفانس يحملق فيه، وقف سريعاً واقترب منه.
بصوت مبحوح، سأل: "هل تراني ريفانس؟! هل تراني؟!..." مع تلويحه بيده أمام وجهه، باحثًا عن استجابة.
كانت النظرات التي رمقه بها ريفانس تحمل في طياتها استنكارًا صامتًا، كأنها تقول: "هل خانك عقلك وتركك أيضًا؟"
على الرغم من ذلك، تنهد ميلد بارتياح. لقد مرت ايام بالفعل وريفانس لا يزال يقاوم إغواء السبات العميق.
تعلقت قطرات عرق كبيرة على جبينه، واستمر صدره في الارتفاع والهبوط بشكل متعسر كما لو كان يعاني من ضيق في التنفس.
و تقلصت ملامحه مع تحريكه لرأسه يمنة ويسرة، وصوت أنين مكتوم يفلت من بين أسنانه المشدودة بين فينة وأخرى كأنه صدى لألم يعتصره.
أحيانًا يتمتم بكلمات غامضة لا يمكن فهمها، بينما تترقرق الدموع من عينيه المغمضتين.
حاول الأطباء بكل الوسائل إيقاظه، ولكن دون جدوى.
هناك أوقات كان يفتح عينيه فجأة، ثم يحدق أمامه بنظرات جامدة تتقلب بعد لحظات إلى نظرات شاردة، كأنما يصارع ليستجمع بقايا وعيه قبل أن يضيع مرة أخرى في غيبوبة عميقة.
وعندما فتح عينيه بوعي تام بعد كل هذا، كان من الواضح أن تصرفات ميلد - التي بدت محيرة للبعض - لم تكن سوى انعكاس لعاطفة من المشاعر المتضاربة التي عصفت به خلال تلك الأيام المضطربة.
حاول ريفانس أن يسأل عن الزمن الذي غاب فيه عن وعيه، ولكن الحلق الذي لم يستخدم منذ فترة كان جافاً ومؤلماً، مما جعل كلماته تكافح للخروج.
ميلد الذي فهم حالته، أدار معصمه برشاقة، ومن سواره الأخضر تدفقت شاشة، ليستدعى بها روبوتًا أبيض صغير وأصدر تعليماته له سريعاً.
"ماء، لو سمحت. وأحضر الطبيب، سريعًا."
الروبوت اختفى كشعاع وعاد أسرع من نبض القلب، مصحوبًا بطبيب يحمل سنينه في عينيه وفي الخطوط الفضية التي تملأ شعره.
بعد فحص قصير ورصين، لمس الطبيب سواره، الذي أجاب بتناوب ألوان وبريق.
لم تمض ثوان على ملامسة الطبيب لسواره حتى تجسدت في يده زجاجة تحتوي على مسحوق قرمزي يلتمع تحت الأضواء.
سكب الطبيب محتوياتها بعناية في كوب الماء الذي قُدِّم من قبل الروبوت، وخلطهما معًا ليتحول اللون إلى بنفسجي داكن.
"ها هو محلول زيتا. سيعيد الطاقة اللازمة لخلايا جسدك ويكسبك التوازن المفقود." قال الطبيب وهو يمد الكوب نحو ريفانس بيد مطمئنة.
استلم ريفانس الكوب بيد مرتعشة قليلاً، وارتشف من المحلول، والذي بدأ ينقل الدفء إلى أوصاله، وبرفقة كل رشفة، شعر بعودة شيء من قوته تدريجيًا.
بعد بضع دقائق من الصمت، بادر الطبيب بالكلام بصوت مطمئن: "حاول أن تجلس الآن ببطء."
ريفانس، الذي كان مستلقيًا حتى اللحظة، أطاع الأمر واستقام في جلسته بتعب.
"هل تشعر بأي دوار؟ أو هناك شيء غير معتاد؟" سأل الطبيب بنظرة تفحص.
أجاب ريفانس بصوت أجش ناتج عن الجفاف في حلقه: "كلا، أنا بخير الآن."
أومأ الطبيب برأسه معلقًا: "هذا ممتاز. أنا الدكتور زيتاس، المسؤول عن العلاج في هذا القسم. يمكنك البحث عني لأي استشارة، في أي وقت."
ردّ ريفانس بتقدير "أفهم. شكرًا لك على كل ما قدمته من علاج."
ابتسم الطبيب بتواضع وأكد: "لا داعي للشكر، إنه واجبي. وتذكر، لا تغادر سريرك حتى يمضي على راحتك أربع ساعات على الأقل." اختفى الطبيب من الغرفة مغادرا بعد أن زود ريفانس ببعض التعليمات الأخرى.
صرف ميلد الروبوت، وجلس على الكرسي القريب من السرير، وتحدث: "جيد أنك استطعت الاستيقاظ. قال الأطباء إنك لن تكون قادرًا على الإفاقة أبدًا."
كان الفضول يستهلك ميلد لمعرفة ما حدث لريفانس عندما تم اختطافه، لكنه امتنع عن السؤال.
ليس بسب الأوامر التي صدرت في ذلك، وإنما لأنه شاهد بنفسه كيف عانى ريفانس أثناء الغيبوبة، ولم يجرؤ على تحريك الألم.
رد ريفانس مع بعض التهكم: "ياله من حكم متسرع على حياة شخص ما."
ابتسم ميلد وتحدث بصوت متفائل: "لا يهم ما أسفرت عنه نتائج فحوصاتهم، المهم أنك استيقظت الآن."
ثم صفق، وكأنه تذكر شيئًا مهمًا: "لقد صورتُ أكاديمية سفيرون بأكملها، ألا ترغب في رؤية الفيديو؟"
وقبل أن يعبِّر ريفانس عن رأيه في الأمر، كان ميلد قد انتقل بالفعل إلى وضع التنفيذ، حيث استدعى خمس شاشات متوسطة الحجم من سواره.
وبما أن ريفانس منُع من مغادرة السرير لبضع ساعات، فلم يمانع قضاءها في مشاهدة معالم الأكاديمية.
حرَّك ميلد إحدى الشاشات بالقرب من ريفانس، والتي كانت تظهر شبه جزيرة صناعية تتصل من الجهة الشرقية بالعاصمة، ومحاطة من الجهات الثلاثة الأخرى بمياه البحر الساكنة التي تعكس صورة الأسوار المحيطة بالجزيرة كالمرآة.
أحاط بالجزيرة سور من الحجر الأسود الصلب، وغطاها من الأعلى حاجز شفاف.
بمجرد تجاوز الحواجز، تستقبلك حدائق فسيحة تضم أنواعاً لا حصر لها من النبات التي تشبه جواهر حية، وأشجاراً بديعة الشكل واللون، وبركاً صافية ونوافير متلألئة.
تتألف الجزيرة من خمس مناطق متميزة، كل منطقة منها تحمل هوية خاصة ومهمة تعليمية محددة:
القطاع الشمالي الشرقي يضم أكاديمية إنيرجزا، المعهد الرائد في الفنون القتالية، حيث يتم تدريس فنون القتال وتطوير اللياقة البدنية والتحكم الذهني.
تدار الأكاديمية من قِبل كوكبة من القادة العسكرين البارعين والمدربين ذوي الخبرات العميقة، الذين يحرصون على تقديم تدريب عسكري وتكنولوجي رفيع المستوى بأسلوب يُثير حماس الطلاب ويساهم في صقل مهاراتهم على النحو الأمثل.
يخضع الطلاب هناك لتدريبات قاسية ومحفوفة بالمخاطر، تهدف إلى تطوير قدراتهم وتحسين مهاراتهم القتالية والتكتيكية.
والقطاع الشمالي الغربي من الجزيرة تشغله أكاديمية بيراجيا، مركز الامتياز لدراسات الحياة البرية، الذي يُعنى بالبحث في علم الأحياء والبيئة، ويركز على تعليم التعامل وترويض الحيوانات ودراسة النبات.
والقطاع الجنوب الغربي من الجزيرة يخُص أكاديمية ميكانوفر، بيت الخبرة في كل ما يتعلق بالميكاترونيكس، من البرمجة والتطوير التقني إلى الهندسة المتقدمة والتصميم.
أما القطاع الجنوبية الشرقي من الجزيرة فيحتضن أكاديمية هيريست، المؤسسة الأكاديمية الشاملة لدراسة العلوم الإنسانية، بما في ذلك التاريخ والتكتيكات والعلوم السياسية والاقتصاد.
وأخيراً، قلب الجزيرة حيث تقع المرافق الإدارية الرئيسية وقاعة الافتتاح الكبرى، التي تعد مركز التنسيق والتواصل بين جميع الأكاديميات.
كل أكاديمية من الأكاديميات الأربع مُحاطة بحاجز يُميّزها، وينقسم الحرم الجامعي إلى أربع مناطق رئيسية: منطقة الأول مخصص لسكن الطلاب ويضم أربعة مبانٍ رئيسية ضخمة.
المبنى الأول، المعروف باسم عنابر بيرزنا، يستقطب الطلاب ذوي القدرات المنخفضة. عند الدخول إلى هذا المبنى، تتجهز للسير في ممراته الطويلة المزدانة بتعد الأبواب، حيث يقود كل باب إلى غرفة مزودة بأربعة أسرّة، خزائن ومكاتب بنفس الكمية، بالإضافة إلى باب آخر يفتح على حمام مشترك يستخدمه الطلاب الأربعة المقيمين في الغرفة.
المبنى الثاني، المعروف باسم "عنابر تيفا"، يُعد مسكنًا مصمًا بعناية لاستقبال الطلاب ذوي القدرات المتوسطة أو الذين لديهم عدة قدرات منخفضة. يتميز هذا المبنى بمراته الأنيقة المجهزة بأبواب متعدة ذات تباعد مدروس، وكل باب يدعو إلى مدخل جناح يضم صالونًا متمركزًا على يمين مدخله، يتجاور مع مساحة مشتركة مُهيأة للدراسة. ويضم أيضًا بابين آخرين، الأول للحمام والثاني يفتح على غرفة نوم مشتركة مجهزة بثلاثة أسرة وخزائن ملابس بالعد نفسه، مما يوفر لكل طالب مساحته الخاصة ضمن ترتيب جماعي منسق.
المبنى الثالث، المعروف باسم "عنابر هيبتا"، مخصص للطلاب الذين يتمتعون بقدرة عالية أو يملكون عدة مهارات متوسطة. تتميز هذه العنابر بتصميم معماري متقن يشمل مجموعة من الأبواب التي تفتح على صالة عامة ذات رونق فاخر، حيث يؤدي كل باب إلى جناح خاص يضم طالبين يتشاركان في تسهيلات تشمل غرفتي نوم، صالة معيشة وأخرى لدراسة وحمام مجهز بجميع وسائل الراحة العصرية.
بينما يتميز البناء الأخير، "عنابر ليتان"، بكونه الخيار الأمثل للطلاب ذوي القدرات الاستثنائية أو الذين يتمتعون بمجموعة من القدرات العالية. يستقبل زواره بصالة عامة ضخمة ومزينة بفخامة، مزودة بأنظمة لضبط البيئة الداخلية للمكان، يضم المبنى مجموعة من الأجنحة الفاخرة. كل جناح مصمم بأناقة ويحتوي على غرفة نوم، صالة جلوس، حمام، إضافة إلى مسبح خاص وحديقة داخلية لتعزيز الشعور بالراحة والسكينة لقاطنيه.
ويحتوي أيضا على غرفة مستقلة مجهزة بسرير، مكتب، ومنطقة مخصة لتناول الشاي. كل جناح في هذا المبنى يُقدم لطالب واحد ومساعده، حيث تُخصص الغرفة المستقلة لإقامة المساعد. التوسع في أبعاد الغرف يمثل مؤشراً واضحاً على انخفاض كثافة السكان مع تزايد القوة القدرات.
والمنطقة الثاني الحرم مخصص لسكن الطالبات، مُقدمةً نفس العدد من الأجنحة مع توزيعات مشابهة وتصاميم داخلية تعكس الذوق الأنثوي.
والمنطقة الثالثة للأسواق والمحلات التجارية والمطاعم ومراكز الترفيه وغيرها، تتشابه هذه المناطق الثلاث في جميع الأكاديميات الأربع.
أما آخر منطقة من أكاديمية إنيرجزا، فتشتمل على مرافق التدريس والتدريب، بما في ذلك صالات المحاكاة العملية وقاعات المسابقات، التي يُستفاد منها من قِبل الطلبة لصقل مهاراتهم.
في حين أن أكاديمية بيراجيا تضم بيوتًا زجاجية مليئة بالأنواع النباتية المتنوعة، ومحميات طبيعية تأوي مخلوقات برية نادرة ومتوحشة. بالإضافة إلى ذلك، تمتاز بوجود مختبرات مجهزة بأحدث التقنيات ومكتبات زاخرة بالمعرفة تُساند العملية التعليمية.
بينما تضم أكاديمية هيريست قاعات محاضرات واسعة، مكتبات شاسعة مجهزة بالكراسي والطاولات، وتحتوي على أحدث التقنيات مثل الهولوغرامات ولوحات الكتابة الضوئية. كما تتوافر صالات للمحاكاة مخصة لتدريب الطلاب على التقنيات واستراتيجيات الحرب.
أما أكاديمية ميكانوفر، فمنطقتها الرابعة تتميز بورش عمل ومختبرات راقية لصناعة الروبوتات. تتخللها أروقة واسعة يُشعرك التجول بها بالانغماس في أعماق التكنولوجيا الحديثة والابتكار.
الزي الرسمي المعتمد في أكاديمية إنيرجزا يتكون من سراويل بلون رصاصي وقمصان بيضاء ناصعة، تتزين بسترات ذات لون عقيقي أنيق للطلاب. أما الطالبات، فيرتدين سراويل رصاصية اللون وبلوزات بلون عقيقي يصل طولها إلى منتصف الفخذ، مع أحزمة فضية عريضة تزدان بشارات الأكاديمية الرسمية.
فيما يتعلق بأكاديمية بيراجيا، فإن الزي الرسمي يتميز بمعاطف طويلة بلون أخضر غامق وسراويل مطابقة للون، بالإضافة إلى قمصان بيضاء مفصلة بتطريزات ذهبية اللون. الطالبات يرتدين تنانير بطول متوسط، وبلوزات بيضاء ناصعة، مع أوشحة حريرية مزينة بأشكال أوراق ملونة وزاهية تضفي رونقاً خاصاً.
أما في أكاديمية ميكانوفر، فيُفضل الزي الرسمي سراويل وقمصان بلون أزرق داكن، مع تزين القمصان بخطوط ياقوتية لمسة من الفخامة للطلاب، ولطالبات فساتين تتزين بأحزمة براقة بلون الياقوت، ما يضيف إلى إطلالتهن قدراً من الأناقة والجمال.
وفي أكاديمية هيريست، فيعتمد الطلاب بذلات سوداء أنيقة يتخير كل منهم بروش يناسب ذوقه لإضافتها كلمسة شخصية، في حين تختار الطالبات فساتين طويلة وفخمة مزيّنة بالأحجار الكريمة، ما يعبر عن الترف والرونق لمرتاديها.
مع انطفاء الشاشة وظهور إشارة نهاية الفيديو، تقدم ريفانس بتعليقه:" من الواضح أن أكاديمية إنيرجزا قد نالت اعجابك كثيراً من خلال التصوير المسرع وشرح التعسفي في الفيديو."
في الفيديو كان العرض الذي قام به ميلد شاملاً ومُستوفيًا للتفاصيل عندما جاء ذكر أكاديمية إنيرجزا، أمّا عن باقي الأكاديميات فقد اختار التسريع خلال التصوير، مكتفيًا بالشرح فقط عن النقاط التي تختلف فيها، وذلك بالرغم من انتمائه لأكاديمية بيراجيا المخصصة لذوي القدرات العقلية.
فرغم أن قدرات ميلد جسدية إلا أن كونه مساعدًا أو متدربًا غير رسمي، منعه من التمتع بالحق في الالتحاق بأكاديمية تليق بمواهبه وقدراته.
إذ تقتضي القوانين أن الأيتام والمواطنين الغير مسجلين ذوي القدرات المنخفضة والمتوسطة يلتحقون في الأكاديمية كمساعدين.
فمن كان منهم يتمتع بقدرات البدنية فيلحقون بطلبة ذوي القدرات العقلية والعكس بالعكس، حيث يسمح لهم فقط بالوصول إلى المنشآت التعليمية العامة للدراسة الذاتية أو لاستقطاب معلمين خاصين لتعليمهم. ولكن هذا الخيار كان غير ممكن في أغلب الأحيان، إذ غالبًا ما يعيشون في ظروف فقر.
الفرصة الوحيدة أمامهم هي أن يلتقوا بطالب ثري وكريم يمد لهم يد العون ماديًا.
واكثرهم بؤسا من ألحق بمن في منزلته كحال ميلد.
تحدث ميلد بإعجاب واضح: "بالتأكيد، إنها تُعجز الواصفين عن وصفها، يُمكنك القول بأنني تركت جزءًا من نظري هناك. اما عن التسريع الفيديو في تلك الأكاديميات فلم يكن ناجمًا عن استهتاري، بل خلت أن يصيبك الملل إذا ما امتدت مدته، فتُقرر الانسحاب وسط الطريق."
ريفانس استجاب بتفهم لعذره: "حسنًا، يُسعدني أنك اُدركت ذلك، خصوصًا وأن الطول بالفعل كان قد يُصدر هذا الانطباع."
ثم ما لبثت أن أضاءت عينا ميلد بنبرة إدراك مفاجئ: "أوه، لقد تذكرت شيئًا لم أخبرك به بعد عن الأكاديمية..."
ريفانس، مقاطعًا بنبرة ساخرة: "توقف، أخشى أن تخبرني بالتالي أنك كتبت أغنية عنها، وأنك ترغب في أن أكون أول من يسمعها."
ميلد، بنبرة معتذرة: "أنا آسف؛ لم أكن ذلك الصديق الرائع الذي تتوقع. أعدك، في المرة القادمة، ستكون الأول الذي يسمعها."
صمت ريفانس متشككًا فيما سمع، في حين انهمك ميلد في التلاعب بسواره، مشغلًا منه شاشة بدأت في عرض فيديو مصحوب بأغنية، وعلى الشاشة ظهرت لقطات من أكاديمية إنيرجزا تتخلها كلمات الأغنية: [من ظلال الصفوف، إلى أروقة الأحلام، تترد صدى قصصنا، مع كل خطوة وآمآل…] ولم يكن هناك شك في أن الصوت المعبر يعود لميلد، رغم التعديلات الطفيفة التي جمّلته.
ريفانس، الذي كان تعليقه السابق قد جاء ليسكت ميلد فحسب، وجد نفسه عاجزًا عن الكلام، متفاجئًا.
الأغنية التي استمرت لمدة دقيقتين انتهت بسرعة، تاركةً وراءها صدى من الدهشة.
على إثرها، انطلق ميلد بثقة واعتزاز: "قمت بنشرها على الشبكة العامة، ولقد اكتسحت المراتب الأولى في غضون ساعات قليلة، واستطاعت أن تستحوذ على إعجاب الملايين."
ثم فجأة، انهارت الأكتاف الفخورة، وغُلف وجهه بظلالٍ من العتمة.
ريفانس، الذي كان يراقبه، تملكته الدهشة من سرعة التغير ملامحه. كان بتأكيد شخصاً مليئا بالمشاعر ملونة بطريقة مثيرة للإعجاب.
تحدث ميلد بهمس:"بسبب تلك الصورة تعرضت للعقاب،" ما عرضه على ريفانس كان مشهداً صادماً، يبرز فتاتين تتشابكان وتجذبان شعر بعضهما البعض في صراع عنيف.
كان هذا دليلاً صارخاً على أن جمال الأغنية لم يكن وحده مسؤولاً عن شهرتها.
استفسر ريفانس بفضول : "وكيف كانت العقوبة التي تلقيتها؟"
رد ميلد بتلعثم وتردد: "لقد تم حجب مخصصاتنا المالية لمدة ستة أشهر."
"ماذا؟" تفاجأ ريفانس، "وهل أنا أيضًا شملتني العقوبة؟"
أكمل ميلد بخضوع: "بالتأكيد، فدوري لا يتعدى كوني مساعدك."
____
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك و أتوب إليك.