23 - ولادة خارج الرحم

اللهم بارك لنا في شعبان وبلغنا رمضان، اللهم أمد في أعمارنا واجعلها مليئة بالأعمال الصالحة والصحة والعافية. اللهم بلغنا رمضان وأنت راضٍ عنا، واجعلنا من عتقائك من النار، اللهم ارزقنا فيه الطاعة والعبادة، واعف عنا واغفر لنا وتقبل منا.

اللهم ألف بين قلوب المسلمين في كل مكان، وانصر إخواننا في فلسطين، اللهم كن لهم عونا ونصيرا، وثبت أقدامهم، وارفع مقامهم، وفرج كربهم، واشف مرضاهم، وتقبل شهداءهم، واجعل هذا الشهر شهر خير وبركة عليهم، اللهم احقن دماءهم، وأمِن روعاتهم، واحفظ بلادهم، واجمع شملهم، ووحّد صفوفهم، وانصرهم على من عاداهم، آمين.

____________

مع تمسك البيضة بريفانس بقوة، شعر ببرودة شديدة تنتشر في عروقه.

لم يكن الأمر مجرد تلاصق جسدي؛ بل شعر وكأن البيضة أصبحت جزءًا لا يتجزأ من كيانه.

سرعان ما كان التغير يتسارع؛ فتحولت الخطوط في بشرته إلى الأزرق الداكن المائل للأسود، وكأنها تستنزف جوهر حياته بطريقة غادرة وغامضة.

ساركين والديركس، اللذان حاولا التقدم لكن دون جدوى، أدركوا أن القوة التي تُبعدهم كانت نوعًا من الحقل الطاقي الذي ظهر حول ريفانس.

كان ريفانس يفقد وعيه تدريجيًا غير قادر على الحركة كتمثال متجمد.

الإعياء بدأ يتمكن منه، وكان واضحًا أنه لن يقوى على مقاومة هذا التأثير لمدة أطول.

فجأة، انحسر الضوء المنبعث من البيضة وظهر مخلوق صغير منها؛ كانت تلك الروح الصغيرة مصنوعة من ضوء لامع وبرّاق.

اتخذت هيئة طفل، بعيون كبيرة وأنف صغير، غير أن الملامح لم تكن محددة بما يكفي للتعرف عليها.

ريفانس لم يعد يحس باليد التي كانت تلتصق بالبيضة، لكن عجزه عن التحرك أو النطق لم يزُل.

عبر الضبابية التي كست عينيه من الإرهاق، استطاع أن يلمح شكلًا صغيرًا ينبثق من البيضة.

ذلك الطفل الصغير، بجلد يكاد لا يغطي عظامه النحيلة، وعينان واسعتان ممتلئتان بدهشة النظر إلى العالم الجديد الذي انغمس فيه للتو.

مد الطفل يده الصغيرة ولمس وجه ريفانس الساكن. وفي لحظة التلامس، شعر ريفانس بدفء يحل مكان البرودة التي كانت تثقل جسده.

لم يتذكر ريفانس كيف أو متى فقد الوعي، لكن عندما فتح عينيه مجددًا، وجد نفسه مستلقيًا على الأرض وإلى جانبه طفل صغير بشعر أبيض مع مسحة زرقاء وعيون بنفس اللون بعمر العامين أو أقل.

كان الاثنان محاطين بحاجز شفاف لم يكن موجودًا من قبل.

كان من الواضح أن مصدر الحاجز هو هذا الطفل الغامض، فتحدث ريفانس: "أزل الحاجز، أيها الطفل."

بدا الطفل حائرًا للحظة، ثم بدأ يتحدث بصوت لا يتناسب مع مظهره الطفولي: "الحاجز ليس من صنعي، إنه يحميني."

بدأ ريفانس يفحص المكان من حوله محاولًا أن يفهم ما يتحدث عنه.

كان الديركس وتيتورس يقصفان الحاجز الشفاف بكل ما يستطيعان، وأصواتهما القلقة تنادي على ريفانس، لكن أصواتهما تأتي مكتومة كأنها من وراء حاجز مائي.

'هل حدد الديركس وتيتورس كخطر؟.' تساءل ريفانس

أشار إليهما بتوقف ليبدأ الحاجز الشفاف في التلألأ بذرات ضوئية صغيرة، ويتلاشى تدريجيًا حتى اختفى تمامًا.

عندما اختفى الحاجز تمامًا، هرع ساركين والديركس نحو ريفانس. "هل أنت بخير؟ ما الذي حدث؟" سأل الديركس بقلق، بينما كان ساركين ينظر إلى الطفل بتدقيق، كما لو كان يحاول أن يقرأ أفكاره.

اختبأ الطفل وراء ريفانس فجأة، متمسكًا به بإحدى يديه، فيما كانت عيناه تتابعان الوجوه الجديدة المحيطة به بقلق.

وقف ريفانس مُنفضًا الغبار عن ملابسه، وألقى نظرة على الطفل، ثم توجه بالسؤال إلى ساركين: "هل ورد ذكر شيء عن هذا الطفل في القرص؟"

استجاب ساركين بإيماءة خفيفة والتفت بنظره إلى السوار التقني الذي يزين معصمه، متفحصًا عبر واجهته الرقمية بحثًا عن البيانات الخاصة بالقرص الذي ذُكر.

اظهر ساركين شاشة تُظهر فيديو مسجل لليفانا وهي تجلس على شاطئ جميل.

بنبرة دافئة وقد اعتلى وجهها طيف ابتسامة، بدأت ليفانا تحي لورن:"أهلاً لورن، الحمد لله على سلامتك. في الحقيقة، لطالما شعرتُ بأنك دومًا على قيد الحياة. كيف حال لورين؟ هل لديكم أبناء؟ كم عددهم؟ وأي منكم يشبهون أكثر؟ هل المكان الذي تعيشون فيه جميل وهادئ وريفي؟ لطالما أحببت أنت ولورين هكذا مكان. ربما هذه الأشياء المشتركة بينكما هي ما جعلتها محظوظة بك."

ثُمَّ حرَّكت يدها وقالت: "لا تُغلق الفيديو، فقد انتهت أسئلتي الشخصية عنك هنا."

"وحتى أكون صادقةً معك، لن أتمكن من سماع ردك أو رؤيتك، إذ إني مُصابة بدودة سي الفيروسية، وقد استشرى بي المرض حتى بلغ تجاويف القلب.

وبمجرد أن يصلك هذا التسجيل سأكون قد فارقت الحياة.

ما يُعزيني في مرضي هو أني سأرحل بهدوء دون أن أشعر بأي ألم.

لورن، أخي وصديق طفولتي، وأعز الناس إليّ في مرحلة النضج، أتوسل إليك أن تعتني بـ'أينو'، طفلي ذلك الطفل البريء الذي لعب أرتيكس بمصيره، وحوله لوحشٍ ضليل، أرسلته إليك وأنا واثقة بأنك الوحيد القادر على ترويض قلبه الصغير وتوفير العناية اللازمة له. لورن، أرجوك، امنحه الفرصة ليعيش طفولة مُفعمة بالسعادة والأمان."

انتهى التسجيل، وكان هذا هو التسجيل الوحيد على القرص، أما الباقي، فقد كانت عبارة عن خطط ومعلومات عن بعض العمليات لمنظمة تدعى ليراكوس.

تمدد ريفانس وقال: "يبدو أنه من مسؤولياتنا الآن. الديركس، اهتم أنت وأختك به."

اجاب الديركس بهدوء: "حسنًا."

"كم الساعة؟" سأل ريفانس.

"التاسعة والربع مساءً"، أجاب ساركين بدقة.

تنهد ريفانس بإحساس ملحوظ بالضغط: "أه، حقاً؟ يجب عليَّ الإسراع، فحظر التجول يبدأ في العاشرة. أبلغ زورفال والبقية أن يرسلوا ميلد إلى الأكاديمية، وأنا سأتوجه من هنا."

وأضاف قائلاً: "أوه، وأيضًا، ارسل محتويات القرص إلى سواري."

حمل ريفانس الطفل، وأراد تسليمه إلى الديركس. إلا أن الطفل تمسك به.

ريفانس بانزعاج"يا طفل، لا يمكني اصطحابك معي إلى الأكاديمية. لهذا، أبقَ مع الديركس، فسوف يعتني بك جيدًا."

تمسك الطفل بملابس ريفانس، بوجهٍ لم يبدُ عليه الفهم لما يدور حوله.

"يا لها من محنة!" فكر ريفانس. "الديركس، امسكه للحظة حتى أغادر."

لكن عندما حاول الديركس إمساك الطفل، اختفى من المكان في لمح البصر.

كان واضحًا أن الطفل يمتلك قوى غير مفهومة، والأهم من ذلك كله، كان يُشبه ريفانس في العديد من النواحي.

جابوا المكان بحثًا عنه، إلا أنهم لم يعثروا على أي أثر يدل على وجوده. ريفانس، الذي لم يكن يمتلك وقتًا للبحث عنه، انتقل إلى السطح حيث كانت الحوامة واقفةً في انتظاره.

*******

وقف كارل في شرفة جناحه الخاص، شعره الرمادي ينسدل على جبينه، بينما تتراقص بعض خصلاته مع نسمات الرياح العنيفة.

فجأة، ظهر من خلفه شاب نحيف، شعره أسود من جهة وأحمر من الجهة الأخرى كأنه ينبثق من العدم.

سلم الشاب إلى كارل خرزة كريستالية ثم اختفى دون أن ينطق بكلمة واحدة.

وضع كارل الخرزة في مكانها المخصص على السور، ثم أصدر أمره دون تردد: "شغِّل." فور خروج الكلمة من فمه، ظهرت حوله مقاطع فيديو تعرض تحركات فتى صغير ذي شعر أشقر وهو يحارب برفقة روبوت مقاتل، ويتغلب بسهولة على اثنين من رجال كارل.

بعد الانتهاء من المشاهدة، ظهرت ابتسامة عريضة على وجهه.

"بريفيور!" كما نادى، ظهر ذلك الشاب مرة أخرى.

أمر كارل: "قم بإغلاق عملية التعقب، وأبلغ والدي أن الهدف كان على علم بمتابعتنا له."

بعد تلقي الأمر، اختفى الشاب كما ظهر.

وقف كارل يطل من الشرفة، يراقب المباني العتيقة المشرقة للأكاديمية، وعلى شفتيه ابتسامة ساخرة. وبصوت خافت، همس: "أشعر بلهفة لرؤية هذا الصرح يُذرَى وتلتهمه النيران."

تلك اللحظة، تناهى إلى سمعه طرق خفيف على الباب. رفع كارل صوته دون أن يلتفت: "تفضل بالدخول."

كان الطارق مساعده وزميله هلمند، الشاب الهادئ ذو الشعر الأسود الذي يتمتع بحساسية سمعية وقوة متوسطة.

"هل عادا؟" سأل كارل.

"لا، ليس بعد"، رد هلمند بهدوء.

فثارت حيرة كارل وهو يستفسر بنبرة أكثر حدة هذه المرة: "ماذا يمكنه أن يفعل هناك طوال هذه الفترة؟"

ثم أضاف بدون انتظار الرد: "كم الوقت المتبقي قبل فرض حظر التجوال؟"

"ثلاثون دقيقة"، أجاب هلمند بكلمات واضحة ومقتضبة.

تنهد كارل، ثم عاد له دفق الحيوية وهو يقول: "شكرًا، هلمند. يمكنك الانصراف الآن."

*******

جلس أرتيكس في مكتبه، والحيرة تغمره. فعلى الرغم من مرور عدة ساعات على الموعد المحدد، لم ترِد أية أنباء عن انفجارات.

كان الأمر مريحًا بما أنه يعني أن ليفانا ما تزال بخير وعلى قيد الحياة.

من ناحية أخرى، كان هذا يؤكد أن شخصًا ما ساعدها، الأمر الذي اعتبره مزعجًا.

ولكن لن يستغرق وقتًا طويلًا حتى يتمكن من القبض على من ساعدها ويستعيد ممتلكاته.

في غمرة تفكيره، انفتح باب المكتب فجأة على مصراعيه، لتدخل المكتب بلا استئذان امرأة تفيض جمالاً وتتدلى خصلات شعرها الكستنائي الطويل خلف ظهرها بأناقة.

"لم تنجح في العثور عليهم، أليس كذلك؟" قالت بنبرة خالية من القلق.

رد أرتيكس محاولاً أن يضبط تعابير وجهه، وقال بحزم: "سيلبيانا، كم مرة قلتُ لكِ ألا تطأي بقدميكِ مكتبي؟"

على الرغم من برودة استقباله لها، لم تظهر سيلبيانا أي اهتمام بتحذيراته وتقدمت بثقة، اختارت أن تجلس على الأريكة المقابلة لمكتبه دون اكتراث.

بصوت هادئ ومباشر، أضافت: "أرتيكس، أنت تعلم أني أتبع توجيهاتك بكل دقة وأمانة. ولكن، مع غياب اهم موضوعاتي، أجد نفسي عاطلة عن العمل."

كان على أرتيكس أن يخصص وقتًا للقاء معها، إذا ما بدر منه خطأ ما، وهي فكرة لم تكن موضع استحسانه.

نظر إليها أرتيكس، امرأة تتمتع ببراعة استثنائية وجمال آسر، قاسية، شريرة، لا تهتم إلا بمصالحها الشخصية، وخير دليل على ذلك أنها أجرت التجارب على ابنها بلا رحمة، وتنتمي أيضًا إلى عائلة ذات نفوذ ومال.

قادرة شخصيًا على القيام بالكثير، كما أنها تضع كل ما تملك بين يديه.

هي أفضل شريك يُمكن لأي شخص في مثل مكانه أن يحلم به، ومع ذلك، كان كل ما يشعر به تجاهها هو النفور والازدراء.

تساءل في نفسه: "هل هكذا شعرت ليفانا تجاهي؟" لكنه سرعان ما أبعد هذه الفكرة عن ذهنه، وقام من مقعده ثم لمس سواره، فظهر معطفه الأسود الطويل في يده بعد أن وضعه على كتفيه. اقترب منها، ومد يده نحوها، مخاطبًا إياها بصوتٍ هادئ: "أين تودين أن نذهب أولًا؟"

ضحكت سيلبيانا بمرح، وأمسكت بيده الممدودة قائلة، "أعشق حقيقة أنك دومًا ملتزم بوعودك. أتمنى لو أنك تخطئ في بعض الأحيان، ولكن مع مهاراتك العالية، لا أظن ذلك محتملًا."

فجأة، صدر صوت من الباب: "بريفيور، يستأذن."

"ادخل"، أذن له ارتيكس ببرود، حيث دخل شاب نحيف، بشعر أسود من جانب وأحمر من الجانب الآخر.

ارتيكس استفسر بنبرة حازمة، "ما الأمر؟"

بريفيور استقام وقال بجدية، "سيدي، سيد ركارليال أوصى بإعلامك أنه أوقف عملية المراقبة بسبب فشل تستر عليها."

أومأ ارتيكس، "حسنًا، يمكنك الانصراف."

سيلبيانا، والفضول يبرق في عينيها، استفسرت "عمّن كان يتحدث؟"

أجاب ارتيكس بهدوء، وبصوت فيه بعض الخفايا، "يمكنك القول إنها القطعة الأخيرة من عملية إغراق إمبراطورية سيليستيوم."

عبست سيلبيانا وقالت بنبرة تنمّ عن استيائها، "يالك من لئيم، كان لديك بالفعل نسخة احتياطية لعينتي."

سال ارتيكس متجاهلا استياءها، "على كل، هل لديك أي عينة ناجحة؟"

أجابت سيلبيانا بخيبة أمل: "لا، كما قلت لك، ابنك كان فريدًا من نوعه."

شرد ارتيكس بذاكرته إلى الوراء.

***

داخل معقل زجاجي، وقف أرتيكس محتضنًا زوجته ليفانا المنهكة؛ كانت تبدو كظل باهت للمرأة التي عرفها وأحبها.

في تلك اللحظة، سرد لها خبرًا مؤلمًا: صديق طفولتها العزيز وشريكة حياته قد رحلا بشكل مأساوي.

لم تستطع ليفانا كبح جماح دموعها، التي انهمرت مثل حبات الندى الحزينة، على خديها الشاحبين.

وبينما كان يُعزِّيها، لاحظ أرتيكس دماءً تنزف منها، مما أثار الذعر في قلبه.

أسرع بتفعيل روبوت طبي صغير مُطوَّر، مُثبَت بسواره، والذي برمج لتشخيص الإصابات والقيام بالإسعافات الأولية باستخدام تكنولوجيا صحية متقدمة.

انطلقت الأوامر من أرتيكس بكلمة واحدة واضحة: "ريدونا، تحليل الحالة!"

خلال لحظات معدودة، نشر الروبوت ضوءًا تشخيصيًا متطورًا، محلّقًا حول ليفانا بهلة من الأشعة المتقنة لإجراء الفحص اللازم.

قلب أرتيكس كان يدق بصوت مسموع حتى بين طيات أذنيه، وهو ينتظر النتائج، ليُصدَم بالإعلان: "التشخيص... حمل في مرحلة متقدمة، الحالة الصحية حرجة."

غُلب أرتيكس بمزيج من القلق والذهول، لم يكن يتخيل أن تسير الأمور بهذا الاتجاه، فتجمدت كلمات الأمل على شفتيه وهو يتحول إلى تمثال من القلق، فأعاد الروبوت إلى سواره وانطلق نحو الحوامة ليفعل كل ما يلزم.

بعد جهود مضنية ومتابعة دؤوبة من الفريق الطبي، أُعطي الطفل فرصة للحياة. يحمل أنفاسًا هشة ونبضًا ضعيفًا.

لم يكن أمام أرتيكس سوى اتباع نصيحة أحد معارفه الذي أشار إليه بالتوجه إلى إمبراطورية أبهرا، حيث يُقال إن هناك علاجًا قد يُنقذ مستقبل طفله.

مدفوعًا بقلب ينبض بالأمل ودون تردد، انطلق أرتيكس في سفره نحو إمبراطورية أبهرا، وذلك عقب إشعار زوجته بالخبر المؤسف عن ضياع فرصة إنجابهما بسبب النتائج غير المضمونة.

عبر رحلة تخطت حدود المخاطر، وصل أرتيكس برفقة طفله إلى وجهتهما، إمبراطورية أبهرا، حيث وجد هناك مجموعة من الأطباء ذوي الكفاءات العالية والسمعة الطيبة.

تلقى الطفل رعاية فائقة من قبلهم، مع تحذير صريح لأرتيكس بأن الإجراءات الطبية المتبعة تنطوي على خطر كبير، إذ قد يفقد الطفل معظم أجزاء الجسم، بل وربما أكثر من ذلك.

لكن في ثنايا روح ارتيكس، كانت رغبته في الحفاظ على حياة طفله تعد أسمى وأرفع من أي تضحية ممكنة.

قبِلَ أرتيكس بالشروط، وبعد ساعات مضنية من الإجراءات الطبية، تم انتشال الطفل من بين أنياب الموت. ولضمان حياة مستقرة وطويلة، نصحه بعض الأطباء بوضع الطفل داخل 'بيضة' مصنوعة من نبع الطاقة، نظرًا لتميُّز أنسجته، وحذروه بأن العملية قد تؤدي إلى فقدان الطفل لكل ما تعنيه الإنسانية، مُحوِّلًا إياه إلى كائن يمتلك قدرات خارقة، ولكن بعيدًا كل البعد عما يعنيه أن تكون إنسانًا في مفهومه الاعتيادي.

ولكن بالنسبة لأرتيكس، حاكم العالم السفلي، كانت مجرد خطوة نحو تحقيق مستقبل حافل بالإمكانيات اللامحدودة.

ففي عالم السفلي سيكون ملكًا كأبيه؛ سواءً كان بشريًا أو وحشًا أو حتى كائنًا شبه آلي.

فالحياة، في نظره، تعني البقاء والقوة، ولم يكن الأمر في عينيه تضحية، بل فرصة قُدِر له أن ينعم بها.

لوحت سيلبيانا يدها أمام وجهه، مقاطعة تيار ذكرياته بلطف.

"أرتيكس، تغيب بعقلك بشكل فظ أثناء حديثي."

بعدها تمالكت نفسها واتكأت عليه، وقالت بحزم: "هيا نستعجل. فلا رغبة لي في إهدار المزيد من الوقت، إن كل لحظة بالغة الأهمية بالنسبة لي."

أرتيكس، في تجاهل واضح، استدعى مساعده: "روكفايل!"

ظهر أمامه رجل في عقده الخامس، مفعم بالجدية: "نعم، سيدي؟"

وجّه أرتيكس الأمر بثبات: "تول الأمور خلال غيابي."

رد روكفايل بالطاعة: "أمرك سيُنفّذ."

وبعد ذلك، غادر الاثنان، وسيلبيانا تعد بصوت مشرق الأماكن التي اختارتها.

******

أمام الجناح رقم ٤٥، وقف شابان. أحدهما بشعر أشقر داكن وقامة طويلة وجسم نحيف، والآخر شاب قوي البنية، ببشرة بيضاء مشوبة بسُمرة خفيفة وملامح حادة متناسقة مع شعره الأسود اللّبق.

كان الشاب الأول هو يورس وبرفقته مساعده بازر.

بازر، والانزعاج يكسو وجهه: "لماذا أنت مُصِرّ على زيارة هذا الشخص؟ نحنُ هنا للمرة الثالثة بالفعل!"

يورس، وهو لا يُبالِي: "إنها مجرد عيادة زميل مريض، ماذا في ذلك؟"

بازر، بسخرية: "منذ متى وأنت تُعَدُّ هذا الشخص المنحوس زميلًا؟"

ابتسم يورس ببراعة وأجاب: "ابتداءً من اليوم."

نظر بازر إلى يورس بنظرات حانقة وقال: "حسنًا، افعل ما تشاء." وتكئ على الجدار المقابل وتشابكت ذراعاه امام صدره.

"قذر... ضعيف... لم القدر ألقى بمصيري مع هذا المسخ؟" هذا ما خطر بباله دون محاولة إخفاء مشاعر الازدراء والنقمة المرسومة على ملامحه.

رمق يورس الشخص الذي أمامه بنظرات عميقة؛ تعابير الغضب، الانزعاج، والكراهية مرسومة على وجهه.

لن يكون أمرًا غريبًا إذا ارتكب مذبحة في حقه وحوله إلى كومة من اللحم المفروم.

ثم اقترح يورس بلهجة تحمل نفحة التسوية قائلاً: "بازر، ربما يجدر بك الخروج لقليل من التنزه. سأجلس هنا وأنتظر لبعض الوقت."

رد بازر والسخرية تلوح في صوته: "أنت تدرك تمامًا أن ذلك محال. إذا كنت حقًا جادًا في السماح لي بالتجوال، أرجع إلى غرفتك."

يورس تحدث بصوتٍ مطمئن وهادئ: "أنا هنا داخل العنبر بالفعل، وأنا لست ببعيد عن جناحي. لا يوجد فرق كبير. لقد سمعت بأمر حفل الافتتاح لمعرض الأسلحة بالساحة، لذلك أقترح عليك الذهاب. وأعدك بأني سأظل هنا ولن أغادر العنبر."

عند سماع ذلك، شعر بازر بتردد بسيط للحظة، يحتار في ما إذا كان يجب عليه الرحيل أم لا، لكنه قرر أخيرًا أن يستجمع عزمه ويغادر.

"حسنًا، لكن تذكر ألا تغادر العنبر أبدًا." قال ذلك بحماس.

وانطلق مسرعاً، يركض نحو موقع الحفل. وبمجرد أن اختفى بازر عن الأنظار، تلاشت ابتسامة يورس لتحل محلها نظرة باردة وجامدة.

على الرغم من أنه تم التأكيد على قدراته كذاكرة فائقة فقط، إلا أن لديه قدرة أخرى تتمثل في فهم مشاعر الآخرين، والأسوأ من ذلك أن المساعد الذي تم تعينه لمرافقته تسبب له في صداع بسبب مشاعره السلبية.

عند وضع عينيه على شخص ما، يشعر بنوع المشاعر التي يُكِنُّها له ذلك الشخص.

إنه شعور غامض لا يمكن فهمه أبدًا.

ذهب إلى كاشف القدرات عدة مرات دون جدوى، وكل ما ناله هو كراهية العاملين هناك. والأسوء من ذلك ما تجرعه من سخرية بازر وتهكمه عليه.

على كل حال، ما أجلسه هنا وأعرضه لسخرية بازر، هو عودة ذكرياته الكاملة عما حدث في الغابة المجمدة.

ليس هذا فحسب، بل حتى المشاعر التي كان يحملها ريفانس وقت علاجه له.

كان ريفانس يتأرجح بين رغبة ملحة في خنقه أو نزع جلده وتقطيعه إلى ألف قطعة وطرق أكثر تروعا وبين علاجه ليعيش حياة أفضل.

كان في داخل ذلك الشخص صراع مرير، جعل يورس حتى في تلك اللحظات القليلة، مختنقًا لأبعد الحدود.

ونظرًا لأنه لم يستطع التأكد من ذلك، فقد آثر زيارته شخصيًا.

____________

سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك و أتوب اليك.

2024/02/21 · 62 مشاهدة · 2592 كلمة
Let
نادي الروايات - 2026