24 - الرابع والعشرين

اللهم بارك لنا في شعبان وبلغنا رمضان، اللهم أمد في أعمارنا واجعلها مليئة بالأعمال الصالحة والصحة والعافية. اللهم بلغنا رمضان وأنت راضٍ عنا، واجعلنا من عتقائك من النار، اللهم ارزقنا فيه الطاعة والعبادة، واعف عنا واغفر لنا وتقبل منا.

اللهم ألف بين قلوب المسلمين في كل مكان، وانصر إخواننا في فلسطين، اللهم كن لهم عونا ونصيرا، وثبت أقدامهم، وارفع مقامهم، وفرج كربهم، واشف مرضاهم، وتقبل شهداءهم، واجعل هذا الشهر شهر خير وبركة عليهم، اللهم احقن دماءهم، وأمِن روعاتهم، واحفظ بلادهم، واجمع شملهم، ووحّد صفوفهم، وانصرهم على من عاداهم، آمين.

____________

في قلب مدينة فوقانيا عاصمة امبراطورية سيليستيوم، تقف شخصية منفردة فوق ناطحة سحاب شاهقة.

القي نظره على المدينة النابضة بالحياة أدناه. لفتت انتباهه شاشة ضخمة عائمة فوق المبنى المجاور، تعرض صورة لوجهه.

"لقد كشفت السلطات الآن عن صور المجرم سيئ السمعة كيروم. ونحث المواطنين على توخي الحذر، والإبلاغ عن أي مشاهدات، والامتناع عن الاقتراب من هذا الشخص الخطير…"

مع تلاشي صوت الأخبار في خلفية الليل الهادئ، ابتلع كيروم لوعة خيبته، وهو ينظر إلى الأفق المبهم، الذي بدا مثل حياته الآن.

يعرف أن الكل ما زالوا يبحثون عن رجل لم يعد موجودًا، فكيروم الذي كان محترف الجريمة، المتنقل بين الظلال، لا يوجد بعد الآن. جُرّد من كل شيء: ذكرياته، حلفائه، وحتى هويته الحقيقية.

وكلما استطاع تذكره هو قبوله لطلب اختطاف وحتى هذا كان غامضا.

بمجرد هروبه قام بجرد للأماكن التي قد تمده بالمعلومات عن الخيط الوحيد الذي كان يمتلكه للانتقام، صائدوا الجوائز ناين الذين قبضوا عليه وانقذوا اليتيم الذي اختطفه.

ومن المعلومات التي حصل عليها عرف أن صائدي الجوائز ناين لم يكونوا إلا الواجهة، بسبب المطاردة والبحث الظاهر والخفي.

ولكن من كان وراءهم؟ وما الذي كان يجعل ذلك اليتيم بهذه الأهمية؟ لم يكن اختطاف يتيم عملاً يدفع مثل هذه الجهود الكبيرة، إلا إذا كان ذلك الطفل يحمل لغزاً ما.

ولكن مهما بحث لم يكن لدا ناين أي صلة بسوق السوداء او الأماكن ذات الصلة.

'ياله من لغز، كيف يعملون إذا. هل هم جزء من منظمة تعمل لصالح الامبراطوريه أم هي جماعة ظلام تماماً كما أخبره العجوز؟" تساءل كيروم في نفسه.

تذكر كلمات العجوز الذي ذهب إليه لشراء بعض المعلومات عنه: إذا فقدت أحدهم في ظلام فستجده في النور.

كان كلما عرفه هو أن طريقة صيدهم عشوائية ولكن معظمها عليها جوائز ضخمة، وايضا عند التسليم فهم يسلمون فرائسهم بروبوت باهضة يذيبونها في المكان ذاته لتخلص من التتبع.

لهذا كان أمرهم محيرا بالفعل، أمامه الآن طريقان، يواصل الهروب، الذي بات شكله الوحيد للتعامل مع المواقف الصعبة، أو يتسلل إلى الأكاديمية التي تأوي ذلك اليتيم.

تصارعت الأفكار داخل ذهنه، وكلما اقترب من قرار، تبعده إلحاح الرياح الباردة كأنها تطلب منه أن يفكر مرة أخرى.

بعد أن ملأ رئتيه بالهواء البارد، قرر العمل على الخيط الوحيد الذي يملكه.

ببطء، قام ونفض عن ملابسه غبار الوحدة، ثم تمدد قبل ان يتمتم:"علي التوجه إلى ياربكا، فمع وجود ذلك الوحش في ذلك المكان، من الضروري أن أدخل بأكثر طرق قانونية ممكنة."

******

بخطوات واثقة ومحمّلة بالحزم، توجّه المشرف أراكين نحو المكتب الذي تشغله المشرفة العامة، معلناً عن دخوله بوجهٍ يطغى عليه الجدية والعزم.

لم يكلّف نفسه عناء الطرق على الباب أو الانتظار للحصول على إذن بالدخول، فما يحمِله من أخبارٍ يستدعي التعجيل. كان صوته مشحونًا بالاصرار وهو يقول: "سيدة هاجوز، من الضروري أن تعيريني انتباهك لتسمعي ما وقع".

استمعت المشرفة العامة إليه بهدوء، تاركة لعينيها أن تتنقل بين الشاشات العرض العائمة فوق مكتبها.

بعد لحظات من الصمت، رفعت المشرفة رأسها، موجهةً نظراتها نحو أراكين.

"أليس هؤلاء الصبية هم الذين نشروا فيديو المخالف قبل يومين؟"

"بلى، إنهم هم."

أظهرت المشرفة علامات التعب الواضحة وهي تدلك صدغها، مفكرةً في نفسها: لولا أن هذا اليتيم قد تم قبوله في الأكاديمية عبر توصية تلميذ المدير العام بنفسه، لكنت قد تخلصت منه ومن رفيقه الآن وأسندتهم إلى أقرب مركز لتشريح الوحوش.

"يمكن الانصراف. ساعتني بالأمر."

"نعم، سيدتي."

تقع مسؤولية جرائم الأشخاص المُوكَلين على عاتق وُكلائهم، ولهذا يكون من الخطر توكيل الغرباء بغض النظر عن مستوى الامتنان لهم.

بعد مغادرة أراكين، لمست هاجوز قرص الاتصال لديها، فظهرت أمامها صورة امرأة ذات شعر أشقر وقوام ممشوق. تنضح بالثقة والجدية.

"تحية طيبة، سيدتي."

"إيليرا، أرغب في الحصول على معلومات بخصوص المتدرب ريفانس، برقم التسجيل 666، من ثكنات ثانسكي الواقعة شمالاً."

"أي نوع من المعلومات تودين الاطلاع عليه، بالضبط؟"

"لقد قام بتوكيل سبعة صيادين ذوي قدرات فائقة. لذا، أرغب في التحري عنه وفقًا لهذه المعطيات."

أكدت ايليرا بفهم، "بالطبع، أفهم ما تطلبينه. أمهليني ثلاث ساعات لإنجاز المهمة."

بموافقة صامتة من هاجوز، تلاشت الصورة الثلاثية الأبعاد في الهواء بينما انغمست هاجوز في متابعة عملها بجدية.

عند انقضاء الفترة المحددة، أضاء القرص المتوسط في المكتب إيذانًا بوصول مكالمة جديدة.

بلمسة خفيفة من هاجوز، ظهرت صورة إيليرا مجددًا.

"سيدتي، وفقًا للمعلومات المتوفرة، الصبي كان يتيمًا يعمل في مناجم الطاقة بفورتاسيا. لقد تخلصوا منه بعد أن مرض نتيجة بلعه لإحدى أحجار الطاقة، في محاولة يائسة للنجاة بعد أن تم القبض عليه وهو يحاول تهريبها.

الان أنه أنقذ من قبل مجموعة من المرتزقة الصيادين، وبعد إكتشاف انه على قيد الحياة استعاده مسؤولو المنجم لأنهم رأوا فيه فرصة للربح، إذ سعوا إلى بيعه إلى إحدى المنشآت الصغيرة إلى جانب عدد من الأطفال الآخرين.

لحسن الحظ، أفشلت نفس المجموعة هذه المحاولة وتمكنت من إنقاذ الأطفال.

في أعقاب ذلك، تم الكشف عن الفساد الذي كان يثري مدير المنجم وعُزل عن منصبه، وحظي المنقذون بتقدير مالي جزيل، مكّنهم من تأسيس نقابة خاصة بهم أطلقوا عليها اسم [هايلور]…"

قاطعتها هاجوز قائلة: "هايلور؟! أتقصدين النقابة الشهيرة هايلور في الشمال؟"

أيليرا بتأكيد: "نعم، بالضبط هي نفسها."

هاجوز مذهولة: "كيف... هل أنتِ متأكدة من ذلك؟"

"أجل، سيدتي. متأكدة مئة بالمئة."

هاجوز، مدركة الأهمية الكبرى للموقف: "هذه مشكلة جسيمة... أرسلي لي التقرير، سأقرأه بنفسي."

"بالطبع، سأرسل التقرير إليكِ فورا."

وبذلك اختفت شخصية إيليرا منهية الإتصال، وبدأت في تجميع التقرير وتنظيمها بدقة، لتوضح الصورة كاملةً أمام المشرفة.

بعد دقائق، وصل التقرير إلى المشرفة هاجوز عبر نظام الرسائل الخاص بها.

فتحت التقرير بسرعة، وبدأت في قراءة التفاصيل الموسعة حول ريفانس وصلته بنقابة هايلور.

كان التقرير يحتوي أيضًا على تفاصيل حول كون ريفانس شخصاً غريباً منبوذا، بين أقرانه في الثكنة.

لمست هاجوز قرص الاتصال، لتظهر أمامها صورة أيلسا، صديقتها المقربة ومستشارة الاقتصاد في الإمبراطورية.

"أيلسا، هناك أمر يجب أن تعلميه"، بدأت هاجوز بنبرة تحمل القليل من القلق.

"ما الأمر، هاجوز؟ تبدين قلقة."

"ايلسا، هناك طالب بوصاية تلميذ المدير العام تمكن من توكيل جميع رؤساء نقابة هايلور التي كنت تفكرين في الاستحواذ عليها."

ظهرت ابتسامة مشرقة على وجه ايلسا قائلة:"هاجوز، هذا أسعد خبر سمعته طوال اليوم. لذلك استطاعوا أن يعيشوا كزهاد بلا أطماع، حيث أدخلوا يتيمًا هربًا من أغلال القوانين."

كانت نقابة هايلور يكتنفها الكثير من الغموض وتمتعت بقوة هائلة، وكان لها نفوذ واسع يمتد في المنطقة الشمالية.

بمجرد أن أصبح وجودها معلومًا، أمرت إيلسا بتشكيل فريق من الجواسيس بهدف التسلل إلى النقابة وجمع تقارير مفصلة تخص كل ما يتعلق بنقابة هايلور وأنشطتها.

إلا أن الأمر فشل فشلا ذريعاً لأن أعضاء النقابة كانوا يتمتعون بمهارات عالية للغاية في إخفاء هوياتهم وتحركاتهم، مما جعل من المستحيل تقريبًا للجواسيس أن يكتشفوا أي معلومات قيمة.

بالإضافة إلى ذلك، كانت لدى هايلور طرقها الخاصة للكشف عن الجواسيس وإبعادهم قبل أن يتمكنوا من جمع أي معلومات.

ومع مرور الوقت، بدأت بعض الإشاعات تتسرب إلى الخارج مفادها أن نقابة هايلور لديها وسائل غامضة للكشف عن الأكاذيب والخداع، مما زاد من صعوبة اختراقها.

هذا الفشل لم يجلب الإحباط لإيلسا فحسب، بل أثر أيضًا على معنويات فريقها من الجواسيس الذين بدأوا يشعرون بالقلق والتشكيك في قدراتهم.

لقد كان دليلاً على أن نقابة هايلور لم تكن فقط منظمة قوية، بل كانت أيضًا تحت حماية غموض لا يمكن اختراقه بوسائل تقليدية.

في نهاية المطاف، اضطرت إيلسا لتغيير استراتيجياتها نحو تقصي صالاتهم بالسوق السوداء لمطاردتهم قانونياً إلا أنهم كانوا يعملون بطرق أكثر تعقيداً وابتكاراً، تجاوزت كل التوقعات.

لم تعتمد نقابة هايلور على السوق السوداء التقليدية في تعاملاتها، بل كانت تستخدم شبكة خاصة بها، معقدة ومشفرة، للتواصل والتجارة.

هذه الشبكة لم تكن معروفة إلا لأعضاء النقابة الأكثر ثقة، وكانت تستخدم تقنيات تشفير متقدمة جداً لضمان سرية المعلومات.

بعد أن أدركت إيلسا هذه الحقيقة، بدأت بالبحث عن خبراء في التشفير والأمن السيبراني لاختراق هذه الشبكة.

في الوقت نفسه، بدأت إيلسا في نشر شائعات مصممة بعناية لزعزعة استقرار النقابة، آملة في أن يؤدي هذا إلى تسرب معلومات يمكنها استغلالها.

كما أنها منعت تجار المدن المحصنة من التجارة معهم لضغط عليهم من الخارج والداخل.

ومع ذلك، لم تهتم النقابة لنقصان عملائهم بالعكس حولوا تجارتهم الى المدن والقرى الصغيرة مما خلق شائعات تقول بأن النقابة تسعى للخير العام، وأن الكثير من أنشطتها كان موجهاً لحماية المنطقة الشمالية من تهديدات لا يمكن للحكومات التعامل معها.

مع مرور الوقت، بدأت ايلسا تدرك أنه قد يكون هناك طريقة أخرى للتعامل مع النقابة بدل محاولة ضغط عليها واحتكارها بالقوة.

كان ذلك من خلال التفاوض والتعاون، يمكن أن تكون هناك فائدة مشتركة، تسمح للجانبين بالعمل معاً لتحقيق أهداف أكبر من مجرد السلطة والنفوذ.

لذلك عرضة عليهم المواطنة دون الانتظار لسنوات طويلة مع ثلاث فروع في ثلاث مدن محصنة منها العاصمة، وفي المقابل تعطي النقابة الامبراطوريه الولاء وتسهم في الأمن العام والاقتصاد.

إلا أن العرض قوبل بالرفض التام، وعلى الرغم من ذلك لم تفقد ايلسا الأمل.

كانت تعلم جيداً أن الفشل في التفاوض لا يعني نهاية المسار، بل هو دعوة لتقييم العروض والنهج المتبع.

تحدثت ايلسا"كنت أُمعن نظر في الاستراتيجية التي قد تحثهم على الموافقة. ومع ذلك، بمواجهة هذا الخبر الأخير، باتت لدي ضعف خطير قد ينهي كل شيء." ضحكت بهدوء، "لا بد أنهم كونوا في عجلة من أمرهم.".

"ما الذي تقصدينه بالضبط؟" سألت هاجوز، وهي تعبس في حيرة.

"كنت قد خططت، في حال رفضوا عرضي مجددًا، للجوء إلى التدخل العسكري للحد من نفوذهم. قدرتهم الاستخباراتية شيئًا يُحسب له حقًا، لكنه في نفس الوقت سلاح ذو حدين."

نظرت هاجوز إلى ايلسا بنظرة محملة ببعض القلق، وقالت: "ولكن ايلسا، لم يستخدموا أي طرق مشبوهة، لقد أنقذوا الصبي بالفعل والحادثة مشهورة بالفعل."

ردت إيلسا، بنبرة مخملية خبيثة، "تعنين حادثة مناجم فورتاسيا، أنا أعرف بأمرها بالفعل، ولكن يا عزيزتي يمكني اختراع تهمة والصاقهم بها، فكما ترين لم يبقى لي إلا استعمال القوة."

لم تؤمن إيلسا بالمصادفات ولا أن القدر يحكم مسارات الأشياء، لذا اعتبرت ان كل شيء كان مخططا له.

استفسرت هاجوز بعدم فهم، "أليس بهذه الطريقة يُقبض عليهم ليرسلوا كعمال إلى الاتحاد مدى الحياة؟"

كان المجرمون ذوي القدرات المهمة يرسلون الى الاتحاد بعد القبض عليهم، ليعملوا في أعماقه، حيث الظلام يبتلع كل شيء، والهواء نادر وثقيل.

لم يكن أحد يتوقع العودة من هناك، كانت رحلة بلا عودة.

هزت ايلسا كتفيها وقالت: "لم يعد أمرهم يهمني. لقد أعطيتهم فرصًا للعمل تحتي كأناس شرفاء وقد رفضوا بملء إرادتهم. أو لم يفعلوا؟"،

مالت هاجوز إلى الوراء معتمدة على ظهر الكرسي، وهي تحاول كبت ضحكتها قائلة: "أتعلمين ايلسا انك مرعبة. أتمنى أن لا أكون خصمك أبدًا".

انضمت إيلسا لها في الضحك.

******

عاد ريفانس إلى العنبر ليجد يورس أمام جناحه. ألقى نظرة باردة نحوه وأراد تجاوزه، إلّا أن يورس تصدى له قائلاً: "مهلاً، ريفانس."

التفت ريفانس نحوه بشكل عدائي، مما جعل يورس يشحب فورًا، وبادر بالاعتذار: "أنا آسف."

بينما كانت الأجواء مشحونة بينهما، سُمع دوي الأبواب المنزلقة للمصعد وخروج كارل وهلمند، أعقبهما مباشرةً ميِلد الغاضب الذي بدأ بالتذمر بصوت عال، معبرًا عن استيائه من تصرفات ريفانس وتهوره، وكيف أن لديه ألف لسان ليتحدث به.

ابتسم كارل وقال: "الحمد لله على السلامة".

غير أن تهانيه قد غُمرت بصوت ميلد، الذي صرخ بمجرد وضع عينيه على ريفانس: "ريفانس! أيها الكاذب."

تحدث ريفانس بنبرة اعتذار: "أنا آسف حقاً. لقد كان ينبغي عليّ أن أفي بوعدي لك، ولكن ساركين طلب مني أخذه في جولة، وقد كان ملحاً في طلبه، انا أعترف بخطئي."

لم يهدأ اعتذار ريفانس من غضب ميلد الذي وجه نظره للآخرين مشتكيا: "تصوروا! بعد كل انتظاري له، تم إعلامي أن هذا السيد قد سبقني إلى السكن، وأن علي أن أتبعه إذا لم أرغب في أن يُسجَّل علي خطأ. هاه!"

ثم التفت اليه واضاف بلهجة تشوبها اللوم وخيبة أمل عميقة:" لماذا تجاهلتني؟ كان يجدر بك على الأقل إطلاعي على خططك."

"حسنا. أنا آسف. على هذا ايضا."

رد ميلد بتذمر: "كما تعلم، اعتذارك لن ينقذني من العقاب إذا أُصبت بمكروه."

وقف يورس هناك بصمت، عيناه تطوفان بين المجموعة.

كان يستشعر أثيرًا خفيًا من المشاعر التي تتسرب منهم.

في لحظة التي يضع عينيه على وجه شخص ما يشعر بتيار من المشاعر يتدفق إليه من ذلك الشخص، كأنما يفك شفرة الروح دون الحاجة للكلمات.

قدرته لم تكن مجرد رؤية العاطفة ولكن في التقاط أدق الإشارات العابرة التي تكشف عن أعمق الرغبات وأسرار الروح، وكأن مشاعر الآخرين تصبح لغة بصرية يمكن ترجمتها.

زيّن كارل وجهه بابتسامة عريضة، تظهر استمتاعه المؤذي بالوضع الراهن. بينما امتلأت عيناه برغبة مريضة في رأيت ريفانس يتخبط في بحر من اليأس، ويغرق تحت وطأة تلك الرغبات المُظلمة التي تعتصر قلبه.

" ميلد لا يشكل إلا عبئًا عليه... ريفانس المسكين يبذل جهدًا من أجل التحكم، لكن إلى متى؟ أتوق إلى اللحظة التي سينفجر فيها."

من جهته، حمل ريفانس نظرة اعتذار في ملامحه، ولكن عينيه لم تبدِ أي تأثر حقيقيّ بذلك الأسف المُصطنَع. كان يورس قادرًا على رؤية الأهواء العنيفة التي تطل برأسها من خلف واجهته الهادئة. رغبات مظلمة لأفعال تنطوي على بشاعة لا توصف، يجاهد في كتمها.

"تخلَّص من هذا الازعاج اللانهائي، تخلص منهم، امزقهم إرباً إرباً، هل تشتاق لإحساس تلك الأيدي وهي تمزق اللحم وتحطم العظام؟ وحمام الدم الدافئ، والصرخات الأليمة التي تعزف لحن الألم الأخاذ - لحن لا يضاهيه لحن… يمكنك ذلك، يمكنك مرة أخرى أن تتذوق حلاوة تلك النشوة. أنت القوة بعينها، قادر على فرض إرادتك، وليس هناك من يقوى على ردعك... أليس كذلك؟"

ميلد غير مدركٍ للمعركة الدائرة في أعماق ريفانس، كان يتذمر بلا نهاية:"كان ينبغي أن تُخبرني... أنا... أنا لست سوى تابع في نظرك، أليس كذلك؟"

وفي قلبه تتصارع الأفكار: "لماذا لا يعاملني ريفانس بالطريقة نفسها التي أعامله بها؟ أنا لا أطلب الكثير. إني أحاول فقط أن أتوافق معه. لم أختر أن أكون مساعده أيضًا. ولو أُتيحت لي الخيار، ما كنتُ لأختار هذا الدور..."

اقترب يورس من ميلد ووضع يده على كتفه قائلًا: "توقف، ميلد. لقد اعتذر بالفعل عما بدر منه."

ميلاد بعبوس:"أهذا هو نوع المعاملة التي أحصل عليها لأني كنت قلقًا بشأنه؟... تباً!"

فجأة، رن صوت رتيب في جميع أنحاء المكان: " يرجى من الجميع العودة إلى غرفهم... لقد حان موعد النوم."

وفي الحال، استقبلت أساور كل واحد منهم رسالة تفيد بتسجيل مخالفة في سجلاتهم في حال لم يتم رصد وجودهم داخل أجنحتهم خلال خمس دقائق.

في تلك الأثناء، خرج بارز من المصعد واقتاد يورس بعجالة إلى جناحهما.

من جانبه، لامس كارل سواره فتوهج وظهرت في يده علبة أنيقة ملفتة ذات طابع أسود فاخر، ومدها نحو ريفانس قائلا: "هذه بادرة مني... كتهنئة لك على استعادة صحتك." ألقى ريفانس نظرة متفحصة على العلبة وهو يستلمها، في حين أقبل كارل ومساعده على المصعد ليغادرا المكان.

استبدل ريفانس السكون بالحركة متوجهًا نحو جناحه، وعلى إثره ميلد الذي تخلص من غضبه كأنه لم يكن إلا محط مسرحية اسدل الستار عليها. وتحدث قائلاً:"ريفانس، أتعلم؟ ذلك المختطف قد فر من أيدي العدالة، حين سمعت ذلك كنا في منتصف الأكل وقد اختنقت بسبب الهلع." وأردف بنبرة يختلط فيها التساؤل مع السخط، "قيل إنه لم يُنقل إلى السجن المركزي حتى.. ماذا يفعل حراس أمن العاصمة! إنهم لا يرقون إلى سمعتهم…"

انقطع حديثه فجأة حين لمح الروبوت الخادم يقف عند الطاولة ممسكًا بصنية تحمل وجبة خفيفة.

"أوه، لقد نسيت تماماً أني أرسلت هذا الروبوت ليُحضر لك شيئًا تتناوله... لحظة، هل تناولت طعامًا اليوم؟"

أكد ريفانس بأنه قد تناول شيئًا بالفعل بينما توجه نحو الحمام.

بعد خروجه، وجد ريفانس ميلد وقد غط في سبات عميق.

تعجب ريفانس من سرعة استغراق ميلد في النوم، ومن الوضعية الغير مريحة التي نام بها، وكأنه انهار على الأريكة بلا وعي.

وبكل هدوء، دون أن يُحدث أي إزعاج، توجه ريفانس نحو الشرفة.

أضاء الضوء الخافت الصادر من الحاجز وجهه، بينما كانت الأفكار تتسابق في ذهنه.

أشعل سواره الرقمي وشرع في التنقل السريع بين النوافذ المتعدة التي ظهرت أمامه كإسقاطات هولوغرافية.

كان يبحث عن البيانات التي تركتها ليفانا.

لكن شيئًا ما استوقفه - رسالة تفيد بطلب اغتيال مؤقت ينتهي بنهاية العام، موجهة إلى ناين.

____________

سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك و أتوب اليك.

2024/02/29 · 45 مشاهدة · 2541 كلمة
Let
نادي الروايات - 2026