«لقد تركتُ التجمعات الاجتماعية.»
جاءت ريبيكا إلى منزلي بعدما أرسلت رسالة في اليوم السابق، وذلك فور انتهائي من تناول الغداء.
كان من المجدي أنني طلبت مسبقاً من الطاهي أن يبذل قصارى جهده لأن صديقتي الأولى ستزورني، فجهّز لي جميع حلوياتي المفضلة: البودينغ، الكعك، الماكرون، والبوظة. لكن ريبيكا قالت هذا الكلام قبل أن تتاح لي حتى فرصة تذوّق أي منها، ففوجئت لدرجة أنني كدتُ أسقط إبريق الشاي من يدي.
«لا أصدق أنك تركتِ التجمعات الاجتماعية… لماذا فجأة؟! إن خرجتِ منها، فلن تستطيعي العودة إليها مجدداً.»
«لا داعي للعودة. لا يهم. سأجد تجمعاً آخر.»
وفي هذه اللحظة، امتلأت عيناها الدامعتان بحزنٍ شديد. فأصابتني الصدمة قليلاً، ووضعتُ إبريق الشاي بسرعة، واقتربت منها وربّتُّ برفق على ظهرها.
«بيكي، هل أنتِ بخير؟ ماذا حدث؟»
«أنا بخير… لكنني فشلتُ في حماية شرف صديقتي في ذلك المكان.»
هل تمّ إهانتي أمام الجميع؟ عادةً، من الأفضل التغافل وتغيير الموضوع، لكنها اختارت أن تغادر التجمع تماماً.
يا لها من فتاة وفية… شعرتُ بالإعجاب، لكن قلقت في الوقت ذاته.
«من كانت تستضيف هذا التجمع؟ إن خرجتِ هكذا، ألن تكرهك؟»
«الأميرة الثانية. ولا يهم حتى لو أساءت الظن بي. سأصبح دوقة خالد قريباً.»
رغم أنها كانت تُعانق خصري وهي تبكي، كانت نبرة صوتها قوية ومؤثرة. فحين تصبح دوقة، فلن تكون الأميرة نداً لها.
من؟! من استضاف التجمع؟!
«آه… لا أصدق أنني تعرضت للإهانة…»
«أنا آسفة. حاولتُ إيقاف الأميرة الثانية حين بدأت بقول كلام غريب بحق إحدى السيدات، لكنها لم تستمع إليّ. كيف يمكنها فعل ذلك؟ إنها قاسية جداً!»
وبهذا أكدت ريبيكا ما كنتُ أنا وإخوتي نشك فيه. فقد كانت الأميرة الثانية أول من قال إنني وقعتُ في حب الدوق خالد وأردتُ الرقص معه، ولهذا أجّلتُ ظهوري الاجتماعي حتى بعد حفل القصر.
«أنا آسفة… كنت أظن أن الشائعة حقيقية… كنتُ وقحة في لقائنا الأول يا نيل. سامحيني.»
«بالطبع. كيف لي ألا أسامح صديقتي الشجاعة التي واجهت الأميرة من أجلي؟»
«حقاً؟ تُسامحينني بهذه السهولة؟ في الحقيقة… لقد استغللتُ نيل أيضاً.»
«استغليتِني؟»
«نعم، الأمر هو…»
عادة، لا يُسمح للسيدات اللواتي لم يظهرن في المجتمع بعدُ بحضور التجمعات، لكن إن حصلن على إذن من المستضيفة ومع وجود مرافق، فيمكنهن ذلك. وهكذا حضرت ريبيكا التجمعات التي تستضيفها الأميرة الثانية قبل حفل قصر الدوق خالد.
وهناك، ظهرت قصتي… ويبدو أنه جرى الحديث عن ضرورة إذلال “الفتاة الوضيعة” التي تطمع في الدوق خاليد دون إدراكٍ لمكانتها.
كانت شبكة اجتماعية مترابطة، ولذلك انتشرت الشائعة القائلة بعدم تقديم الورود لابنة هوارد الصغرى بسهولة، ثم تكررت وتوسعت.
وهذا ما أرادته الأميرة الثانية. طفلة مُتبناة لا أحد يعلم دم من يسري فيها. كل شيء سار تماماً كما خططت.
«قلتُ لهم أن يدفعوا الورود الجديدة نحوك. في ذلك اللقاء… كُنتِ الوحيدة التي لم تظهر بعد في المجتمع…»
«فهمت. هذا جيد، فقد تمكنتِ من الرقص مع الدوق خالد.»
قلت هذا لأن الأمر لا يهمني، لكن عيني ريبيكا امتلأتا بالدموع مجدداً.
«ألا تكرهينني؟ فأنا من جعل ظهورك الاجتماعي يتأجل، فقط لأتمكن من الرقص مع الدوق خالد. لو لم أكن هناك… ربما كنتِ ستحصلين على إحدى ورود الدوق…»
«ولو لم تكوني أنتِ هناك، ربما ما كنتِ لتحصلي على وردة أيضاً. ثم إنني حصلت على وردة واحدة في ذلك الوقت. ليونهارد أعطاني إياها.»
«صحيح! الماركيز آجياس!»
الوجه الناعم الذي كان يبكي كالزهور الندية، تحول فجأة إلى وجه بركانٍ يثور حمماً. فتراجعت خطوة للخلف من شدة المفاجأة، بينما شهقت ريبيكا بغضب.
«كيف يفعل ذلك؟ خرج مع نيل في موعد، ثم رافقكِ إلى حفلة عيد ميلادي! فكيف يخرج مع الأميرة؟ وحتى إنه سيُرافقها إلى حفل رأس السنة!»
«مهلاً يا بيكي، الأمر هو…»
«لم أعلم أن ماركيز آجياس شخص لا يُعتمد عليه هكذا! ثم إن الأميرة الثانية هي السبب في أن نيل تسمع كل هذه الإهانات غير المبررة!»
يا لطيف… إنها غاضبة جداً الآن.
كان الأمر لن يشكل مشكلة لو سمع أحد، لكوننا في منزلي، لكني نظرت نحو الباب المغلق بقلق لا حاجة له، ثم حاولت تهدئتها.
«لا يا بيكي. ليونهارد فعل ذلك من أجلي. بفضله، لم تنتشر شائعة أننا بقينا في الفُندق معاً طوال الليل، صحيح؟»
«لكن بدل ذلك، انتشرت شائعة أنه ركل نيل لأنه وقع في حب الأميرة الثانية!»
«سأتحمل ذلك.»
إن كانت هذه هي الكارما التي جاءتني لأنني استخدمتُه لإخماد الشائعات المتعلقة بالدوق خالد، فسأتقبلها بهدوء.
كل الشائعات لحقت بي. من الظلم أنها خرجت من فم الأميرة… لكن ما الذي يمكنني فعله؟
«لن أهتم بعد الآن. بعد ليلة رأس السنة، سأعود إلى منزلي في ليف مع أخي.»
«حقاً؟ إذاً لن تعودي إلى العاصمة؟»
«سأعود من حين لآخر. فشقيقتي ليلي تعيش هنا في العاصمة، وكذلك أخي أليكس… ولدي أصدقائي أيضاً.»
أمسكتُ بيد ريبيكا وابتسمت، فبادلتني الابتسامة بوجه لا يزال مبتلاً بالدموع.
«نعم! تأكدي من العودة إلى العاصمة! سأدعوكي دائماً! ولا تنسي حضور زفافي! آه، ونيل… عليكِ أخذ الباقة أيضاً!»
«أنا؟!»
هنا أيضاً، هناك عادة رمي الباقة في حفلات الزواج، ولكن الاختلاف أن من تحصل عليها ليست الصديقة الأقرب، بل أكثر السيدات قيمة بين الحاضرات.
لولا أن ريبيكا غادرت التجمع، لكانت الأميرة الثانية ستأخذ الباقة.
«أنا مجرد ابنة كونت… وسمعتي ليست جيدة الآن. إن حصلتُ على الباقة، ستظهر شائعات جديدة بلا شك.»
«وهل يجرؤون على الكلام خلف ظهر دوقة خالد؟ سنرى حينها… سواء تزوجتْ الأميرة أم لا، فهي مضطرة للخروج من القصر في النهاية. بحلول ذلك الوقت، سأكون أنا السيدة الأكثر قيمة.»
قبضت ريبيكا على يدي وقالت بإصرار:
«سأصبح دوقة وأهيمن على المجتمع. وعندما يحدث ذلك، لن أسمح لأحد بإهانة صديقتي أمامي. لذا، عندما أرسل لكِ دعوة… تعالي إلى العاصمة، مفهوم؟»
«مفهوم… أعدكِ.»
في الحقيقة، كنت أتظاهر بأنني بخير أمام الآخرين، لكنّي كُنتُ مستاءة جداً. فليس لي ذنب، فلماذا أُهان فقط بسبب أصلي؟
فكرت كثيراً أنني جئت إلى العاصمة بلا داعٍ، وعن اقتراب رأس السنة… لكن الآن، تلاشى كل الغضب من داخلي.
«شكراً جزيلاً لأنكِ صديقتي يا بيكي.»
«وأنا أيضاً! سنبقى صديقتين دائماً!»
ثم استمتعنا بتناول الحلويات مع الشاي البارد.
وأحبت ريبيكا السترة المُطرّزة بشعار أسرتنا ـ بطن الحوت الأزرق ـ فوعدتها بأن أصنع بطانية صغيرة لطفلها.
وقضينا وقتاً طويلاً معاً دون أن نُدرك أن الشمس قد مالت للمغيب.
---
طَرق طَرق
«هممم…»
دفعني صوت الطرقات إلى الاستيقاظ من غفوتي العميقة. فتحت عيني في ظلمة الغرفة، ثم سمعت الطرقات مجدداً، لكن بصوت أعلى.
«من في هذا الوقت…؟»
وأنا أفرك جفني المتعبين، لاحظتُ شيئاً غريباً.
طَرق طَرق
الصوت كان يأتي من النافذة… لا من الباب!
«يا إلهي!»
كِدتُ أصرخ «لصّ!» لكنّ ضوءاً صغيراً ظهر عبر زجاج النافذة المغلقة، يضيء وجهاً بدا كأنه شبح.
تجمدتُ تماماً، حتى إنني لم أستطع إصدار صوت واحد.
«مرحباً!»
والوجه الذي بالخارج يلوّح لي بفرحٍ شديد… وهو مقلوب رأساً على عقب.
بعد أن هدأت نبضات قلبي، زفرت طويلاً، ونزلت من السرير واقتربت من النافذة. وعندما نظرتُ جيداً، استطعت تمييز هوية الشخص.
«كاثرين؟»
«نعم، أنا. هل يمكنك فتح النافذة؟»
لا أعلم إن كانت معلّقة فعلاً، لكن صوت كاترين كان ثابتاً وعادياً جداً.
ومع أنني شعرت بعدم الارتياح لرؤيتها في هذا الوقت، سارعت إلى فتح المزلاج ودفع النافذة.
دخلت كاثرين بخفة قطّة، دون إصدار أي صوت.
«منزلكم ضعيف الحماية. كان من السهل جداً الوصول إلى هنا.»
«لا، من المفترض أن تكون هناك حواجز سحرية…»
«روب قام بإيقافها. لا تقلقي، سأعيد تشغيلها عند خروجي.»
حاجز المنزل صنعته أختي ليلي. وروب مساعدٌ يعمل لدى الماركيز آجياس، ويبدو أنه أكثر مهارة منها.
بما أن ليلي ساحرة من الطبقة المتوسطة الآن… فهل روب من الطبقة العليا إذن؟
ولهذا يعمل مع شخص مثل الماركيز آجياس.
«آسفة لقدومي في هذا الوقت من الليل دون سابق إنذار. أعلم أن هذا غير مهذب، لكن القائد قال إننا لا نستطيع زيارة هذا المكان رسمياً حالياً.»
انحنت كاثرين تعتذر، فأومأت لها بأن الأمر لا بأس به طالما أنها اعتذرت.
«لكن… لماذا جئتِ بهذه الطريقة؟»
«لسببين. هذا أولهم.»
أخرجت كاثرين سواراً من الحقيبة الصغيرة عند حزامها. كان سواراً جميلاً بتصميم دقيق، مرصعاً بحجر لونه كلون البحر، أكبر بقليل من ظفر الإبهام.
«هذه مكافأة لإيجاد روبي. اخترنا أجمل ما نملك. الحجر في الوسط يحوي سحراً مضاداً للسموم، وقد يُفيدُك يوماً ما.»
«سحر مضاد للسموم…؟»
إذن هذا اللامع لم يكن جوهرة، بل حجراً سحرياً؟ والأهم… سحر مضاد للسموم؟ لا يبدو شيئاً سأحتاجه.
«ألا يحتاجه الفرسان أكثر مني؟»
«لهذا السبب أعطيناكِ سواراً. ثم إن فرساننا لا يعانون من السموم أصلاً.»
«آه…»
بالطبع، فرسان الماركيز آجياس. الجميع يملكون القدرة على إزالة السموم تلقائياً.
«إن لم تحتاجيه، يمكنك بيعه. سيباع بسعر عالٍ مجدداً.»
«لكن… بيعه…»
وبينما كنت أجيب، تذكرت شيئاً وسألت كاثرين:
«هل يمكنني إهداؤه لشخص آخر؟»
«افعلي ما تشائين. لقد أصبح ملكك الآن.»
«شكراً لك. سأقبله بامتنان!»
«شكراً لك مجدداً على مساعدتك لروبي.»
ثم انحنت مرة أخرى. لم تكن تحيتها كتحية النبلاء، لكنها كانت مليئة بالإخلاص، ثم انحنت على ركبتيها أمامي.
«والآن… هذا هو السبب الثاني.»
أخرجت شيئاً آخر من جيبها. أعلم أن حقيبتها سحرية، لكنني لا أعلم كيف يخرج كل شيء سليماً دون أن ينكسر.
«القائد اشترى هذا لراينيل.»
كان… وعاء زهور القمر الأصفر.