الفصل 260
"هاا…"
على عكس توقّعاتي، لفّت رئيسة الأساقفة عينيها كما لو كانت متضايقة وأطلقت تنهيدة عميقة.
"ما الذي جعلك غير راضٍ عنّي إلى هذا الحد، ها؟"
"..."
"هل خاب أملك لأنني التقيت بك بجسدٍ آخر دون أن أشرح ذلك؟"
'جسد آخر.'
أخيرًا بدأت تقول الحقيقة.
إنها كاذبة معتادة.
عندما شاهدنا المسرحية معًا، شرحت قدرتها قائلة إنها تستطيع "تغيير الوجوه".
لكن في ذلك الوقت، وبناءً على المعلومات التي كانت لدي، كنت متأكّدًا أن قدرتها هي التحوّل.
وبدلًا من الاعتراف بالسبب الجوهري لهذه الفوضى، فهي تعترف بقدرتها على التحوّل لكنها تحاول التهرّب من لبّ الموضوع.
لماذا؟
لأنها لا تعرف كم أعرف، لذلك لا تستطيع إنكار الأمر صراحة، لكن الاعتراف بها قد يجعلني فقط أستدرج منها المعلومات.
وجه لو باري الآن يعكس تمامًا تعبير رئيسة الأساقفة.
"أم لأنني ظهرت إلى جانبك بهذا الشكل؟ بما أنك تفضّل البشر القدامى، فمن المفهوم… قد يكون ذلك."
"لا مشكلة في ذلك. المشكلة في طريقة تفكيرك."
"حقًا؟ إذن نحن على نفس الموجة. أنت أيضًا لست شخصًا عاديًا."
"لماذا تعتقدين ذلك؟"
"بالنظر إلى أن كل ما خططت له قد انهار، أليس هذا واضحًا؟"
"لديك ثقة كبيرة بقدراتك."
"بالطبع. إذن، هل جاء دوري لأدافع عن نفسي الآن؟"
كانت تكافح لالتقاط أنفاسها تحت ضغط يدي، فأخذت نفسًا عميقًا وتحدثت ببطء.
"لا تكن خائب الأمل كثيرًا. بدقّة، حتى هذه اللحظة، هذا الشخص لم يكن أنا بالكامل. الشخص الذي التقيت به كان داخل جسد رئيسة الأساقفة."
"..."
"خصوصًا أن هذا الجسد كان منفصلًا عني أكثر. لأنك حطّمت الأثر السحري، اندفعت الذكريات إلى داخلي، لكن في الأصل كان أشبه بذاتٍ أخرى مختلفة. إذن، هل اتّضح الأمر؟"
"لا. إذن، لو باري ليس أنت حقًا؟"
"ماذا تعتقد؟"
سأل لو باري بابتسامة ماكرة.
هززت رأسي وضحكت.
"من الواضح أنه مجرد أحد أجسادك. ما الذي تسألين عنه؟"
"أنت تفهم جيدًا. إذن، هل ستتركني الآن؟ لا أريد البقاء في هذا الجسد أمامك. بصراحة، هذا محرج."
"إذن تحوّلي هنا أمامي مباشرة."
نظرت إليّ بصمت.
لا تستطيع التحوّل، أليس كذلك؟
إذا كانت تملك نفس آلية تحوّل ريختهوفن، فهذا مؤكّد.
في ذلك الوقت، شرح قدرته بهذا الشكل:
التحوّل هو القدرة على التبديل في الزمن الحقيقي مع كائن يمتلك نواة متزامنة من نفس المكوّنات.
لنفترض أن العالم الذي نعيش فيه هو العالم أ، وأن هناك عالمًا من القوة السحرية الخالصة، لا يمكننا إدراكه أو الوصول إليه، وهو العالم ب.
كلاهما يتعايشان، لكننا لا نرى سوى العالم أ.
عندما يتحوّل إلى كلب، ينتقل جسد ريختهوفن في العالم أ إلى العالم ب ويصبح غير مرئي بالنسبة لنا، بينما ينتقل الكلب في العالم ب إلى العالم أ.
وبشكل دقيق، جسد الكلب لا يحمل جينات ماكس ريختهوفن.
إنه جسد مختلف تمامًا يتم تبادله بين العالمين عبر نواة متزامنة.
حينها، مع وضع التخلص من المطارد في ذهني، سألته:
'ماذا يحدث إذا لم تستطيعي استخدام قدرتك، أو إذا تحوّلتي ولم تستطع العودة؟'
أجاب ريختهوفن: 'إذا نفدت قوتك السحرية بعد التحوّل، فلن تستطيع العودة.'
نفاد القوة.
القتال حتى النفاد ليس فكرة سيئة.
لكن هل يجب أن يكون الأمر كذلك؟
هل هناك سبب محدد لذلك؟
ألن يكفي ببساطة منع استخدام قوتها السحرية؟
حرّكت يدي اليسرى، مُحدثًا صوت احتكاك المعدن، ومررت على وجهها.
"قلت لك سابقًا. أريد أن أعرف كل لحظة فيك. أود أن أراك تتحوّل ولو مرة واحدة."
"…أنت بارع في إرضاء الناس وإغضابهم في الوقت نفسه. هذا ما يجعل الأمر ممتعًا…"
لحسن الحظ، فسّرت كلامي على أنه تحدٍ من نوع "جرّب إن استطعت".
"بما أن الأمور وصلت إلى هذا الحد، هل سنسمع قصتك؟ كيف اكتشفت هوية لو شيلر؟"
لم يكن اكتشاف هوية لو باري صعبًا.
كانت هناك أدلة كثيرة.
أولًا، "الاقتراح".
ثانيًا، نسبة إعجاب +10.
ثالثًا، اسم بلا أساس لم يختره بنفسه .
لو: اختصار لـلويس أو لويز.
استخدام الاختصارات كأسماء رسمية نادر جدًا بين النبلاء في هذه الحقبة.
رابعًا، قوة عقلية +4 [+9]، من الواضح أنها مُعزَّزة بأثر سحري.
خامسًا، حاجته للتحقق من الحب.
سادسًا، أن لو باري ورئيسة الأساقفة لم يتواجدا في نفس المكان في الوقت نفسه.
سابعًا، وصوله الحر إلى القبو وغرفة السيد.
ثامنًا، "هارب"، الألمانية السفلى، "باري".
متى سأجد الوقت لأشرح كل هذا له؟
لدي الكثير من الوقت، لكنني لا أهتم بالموضوع، كما أن فمي سيتعب.
لذلك كان جوابي كالتالي:
"أنت هادئة جدًا وأنت تسألين كل هذا."
"أحتاج أن أعرف أين أخطأت لأنجح في المرة القادمة."
"لن تكون هناك مرة قادمة."
"صحيح. بصراحة، أنا في حيرة بشأن ما يجب أن أفعله."
تفقدت ساعة الإيقاف التي تتحرك ببطء في نافذة الحالة.
كل ما أستطيع فعله الآن هو المماطلة حتى تصل المساعدة. ومع التشوّه الزمني، سأضطر للانتظار طويلًا هنا.
نظرت إليها وتحدثت ببطء.
"سألت إن كنت خائب الأمل لأنك ظهرتي بوجه آخر ولم تخبريني بالحقيقة."
"...."
"لم أكن خائب الأمل بسبب ذلك إطلاقًا. ففي النهاية، لو كان الأمر يتعلق بك، كان لابد أن تظهري أمامي بهيئة لو شيلر."
"أوه! إذن كنت تتوقع ذلك إلى حد ما، ها؟ مثير للاهتمام. ما أساسك؟"
"لابد أن لديك الكثير من الأسئلة لي. مثل إلى أي مدى سأذهب لتحقيق طلباتك… وكم أحبك. لكن لو سألتني كرئيسة أساقفة، فلن تحصلي على إجابات صادقة مني."
استمعت رئيسة الأساقفة بصمت.
نظرت إلى وجهها الذي كان نصفه مخفيًا بالطاولة ولم يظهر سوى إحدى عينيها، وتابعت.
"لذلك استخدمت طرفًا ثالثًا للحصول على إجابات صادقة مني. هل أستطيع أن أصبح بليروما مثلك، هل أستطيع أن أعطيك دمي لتشربه، هل أستطيع تنفيذ أي من طلباتك دون تردد…"
"...."
"وهل أحبك بما يكفي لمقاومة إغراء الهروب."
"آه~ في الصميم."
انفجرت ضاحكة. لا أعرف ما المضحك في هذا الوضع.
تابعت.
"لذلك عندما قلت إن لدي المزيد لأسأله حول محادثتي الأخيرة مع لو شيلر، لم يكن أمامك خيار سوى تلبية طلبي. حتى لو حدث ذلك أثناء مراسم التعهّد بالحب بل تحديدًا بسبب ذلك. الكلمات التي قلتها من خلال جسد لو كانت تهدف إلى التحقق من حبي."
"حقًا…"
"إذا كنت تكرهين أكاذيبي… فهذا مؤسف."
أغلقت رئيسة الأساقفة عينيها ببطء.
"كما توقعت… أنت نيكولاوس."
بووم—!
"…!"
ارتطم رأسي بشيء فجأة.
ركل لو باري ساقي ووقف، متسلطًا فوقي.
مرر يده على أذنه بعادة، ثم رفع حاجبه، ربما لأنه ظن أن شعره منسدل كما كان في جسد رئيسة الأساقفة.
ومع ذلك، ضحك كما لو أن ذلك ممتع.
مبتسمًا بعينين نصف مغمضتين، تحدث بسرعة.
"أكرهك؟ مستحيل. أنا آسفة لخداعك. أردت أن أعيش بسعادة معك. هل تعلم؟ لقد قدمت كل شيء من أجلك. لا أطلب رد الجميل، لكن… بعد أن حصلت عليك أخيرًا بعد أن بذلت كل جهدي، أردت فقط أن أسمع مشاعرك الحقيقية، ولو مرة واحدة."
"...."
"هل كان ذلك سيدمر ما بيننا؟ إن كان كذلك، فأنا آسفة حقًا، لكنك قلت للتو إنك لم تكن خائب الأمل. أنا سعيد. نحن حقًا على نفس الموجة."
سماع مثل هذه الكلمات بصوت وهيئة إنسان جديد يجعل معدتي تنقبض أكثر.
حسنًا، سأعترف بوجود تحيّز مبني على المظهر.
ربما أنا بالفعل أفضّل البشر القدامى.
أو بالأحرى، الأمر يتعلق بالألفة.
لو عشت كإنسان جديد لعشرين سنة أخرى، ربما سأفكر مثلهم، لكنني هنا كإنسان قديم منذ أقل من عام.
"ألا يمكننا الاستمرار؟ لن أفعل أي شيء تكرهه بعد الآن…"
غطّت يد لو باري اليسرى خدي.
"إذا أطلقت هذا، سأعود إلى الهيئة التي أظهرتها لك سابقًا. ألن يكون ذلك أفضل؟"
"لم أفهم هذا أبدًا. لماذا تحبينني؟ لماذا؟"
"هم؟ أحبك لأنني أحبك. هل للحب سبب؟"
"أعتقد أن له سببًا. على الأقل، لابد من وجود دافع."
"تمييز دقيق."
لابد من وجود سبب للوقوع في الحب.
كيف يمكن ألا يكون هناك؟
لا أعتقد أن ذلك ممكن.
ربما لهذا يسميّني إلياس آلة.
رغم ذلك، أعتقد أن فحص السبب الأساسي لهذه الظاهرة يستحق العناء.
"فكّري جيدًا. لماذا تتصرفين بجنون نحوي هكذا؟ صحيح أنكِ مجنونة، لكن لماذا موجّه نحوي أنا تحديدًا؟"
"هل هذا مهم؟ أليس المهم أننا نحب بعضنا الآن؟"
"مهم لأنه جواب لماذا احتجزت 600 ألف حياة رهينة لتلعبي لعبة إرهاب معي."
"...."
مال لو باريه رأسه مبتسمًا.
"أنت حساس أكثر من اللازم الآن."
"....."
بما أنني أثرت هذا الموضوع مجددًا دون تراجع، لابد أنها قررت أنها لم تعد تستطيع الانسحاب.
على عكس قبل حين كانت تتجنب الإجابة، فهي الآن اختارت مسارًا.
"صحيح أنني أستطيع الانتقال بين عدة أجساد. ليس بلا حدود، لكن نعم، الخادم لو الذي رأيته كان أنا. لكن… احتجاز 600 ألف حياة رهينة لتلعب لعبة إرهاب معي؟"
ارتسم على وجهها تعبير قلق.
اقترب وجهها من وجهي.
"حتى بالنسبة لي، هذا كثير. لقد خسرت الكثير لإنقاذك. لا أطلب رد الجميل كما قلت، لكنني لا أريد سماع مثل هذا الكلام."
"....."
"فهمت؟"
"هوو…"
بدل أن أجيب، حدّقت في عينيها البنيتين.
أخذت يدي المقيّدة وسحبت وردة من زهرة الصدر الخاصة بي وقدمتها لي.
"لنذهب لقتل آينسيدل."
"...."
"قد يحاول آينسيدل أخذك بعيدًا، لكن ماذا أفعل؟ إذا كنت لا تثق بي إلى هذا الحد، فسيكون من الأسهل أن نذهب معًا."
"أنت مدهشة من نواحٍ كثيرة. توقفي."
"أتوقف…؟ لا أعرف ما الذي تفكر فيه الآن، لكن ليس كذبًا أنني أعرف موقع آينسيدل."
"لا، ليس كذبًا."
عند ردي البارد، توقفت عن الحركة ونظرت إليّ.
"آينسيدل الآن مع قيادة بليروما، أليس كذلك؟ هل أنا مخطئ؟"
"...."
"يبدو أنك مرتبكة جدًا. قبل قليل، وحتى قبل ذلك، كنت تسيئيت تقدير مقدار ما أعرفه… والآن قررتي ببساطة أن تسمي أسقف أوسنابروك بـ"آينسيدل"؟"
رفع لو باريه حاجبه، وارتفع طرف فمه ببطء.
"…ها، هاهاها…!"
"عندما تحدثت عن "هايك آينسيدل" و"أسقف أوسنابروك"، قلت: "على الأقل اسم العائلة والقدرة الفريدة يثبتان أنهما مرتبطان." لماذا تقولين ذلك لي دون أن تقدمي حتى اسم عائلة الأسقف، وكأنك تفترضين أنني أعرفه؟ قبل أيام فقط، أشرتي طبيعيًا إلى أسقف أوسنابروك باسم "آينسيدل". والآن أيضًا. لماذا؟ لأنني أعرف اسم عائلته. ولأنك تعرفين أنني أعرف. قلت إنك التقيتي بي بعد إيسزيت، وهذا أمر غريب."
"....."
"ليس من السهل التظاهر بعدم معرفة شيء تعرفه. مرة أو مرتين ربما، لكن الأكاذيب لا تدوم طويلًا. كنت تعرفين أنني، بصفتي نيكولاوس، تسللت إلى السراديب، ثم إلى أوسنابروك، وهاجمت الأسقف آينسيدل."
"هاها…"
"كيف يمكنكي التظاهر بعدم معرفة ذلك؟ حتى هذه النقطة، أثبتُّ أنك كنت تعرفين عن صلتي بأوسنابروك منذ أوائل يناير."
"حسنًا، لنفترض ذلك. لكن ما علاقة هذا بالإرهاب؟ كما تعلم، العيش بوجوه متعددة يجعل التمثيل عادة يومية. كان مجرد خطأ في العملية. على الأقل أنا، بصفتي رئيسة الأساقفة، لم أرك إلا بعد انضمامك إلى إيسزيت."
كان صوتها لطيفًا. لم يبدُ أنها تعتقد أن الأمر مهم.
ولماذا تعتقد ذلك؟
لأنني لم ألمس الجوهر بعد.
"أنت تحميني من آينسيدل ومن قيادة بليروما. والآن أعلنت القيادة أنها ستستخدمكِ كطُعم لاستدراج آينسيدل. لذا كنت تكبحين القيادة وتحاولين القضاء على آينسيدل بنفسك لمنع وصولهم إليّ."
"نعم."
"قصة مضحكة. ليس أنا من يُطارد من قبل آينسيدل وقيادة بليروما — بل أنت."
"…أنا؟"
ابتسمت وتابعت.
"إلى متى ستستمر في تشويه سمعتي؟ أواصل الاستماع لأنني أحبك، لكن بصراحة، هذا ليس ممتعًا."
"ليس لديكِ خيار آخر سوى الاستماع الآن."
طرقت القيد المعدني في معصمي على الطاولة وقلت:
"يمكنك أن تعمّديني الآن أو تكسري سحر الفضاء، فلماذا تجلسين ساكنة؟ لأنك لا تستطيعين استخدام السحر، أنت تنتظرين بصمت."
"ليس خطأ. حسنًا، لنتحدث عن شيء آخر. صوتك جميل عند سماعه."
لحسن الحظ، أنا معتاد على سماع مثل هذا الجنون، لذلك لدي بعض المناعة.
كلماتها وأفعالها لم تتطابق.
كانت كلماتها هادئة، لكنها بدل أن تلمس وجهي بشكل عرضي كعادتها، كانت تنظر إليّ بابتسامة متصلبة قليلًا.
قابلت عينيها الباردتين وتحدثت.
"أنت شخص عبقري حقًا. لا أريد مدحك، لكن لا يسعني إلا الاعتراف بذلك. أنت أعظم مخطّط استراتيجي رأيته في هذا العالم."
"....."
"قبل بنتالون، كان لديك هدفان. أولًا، كسب قلبي. ثانيًا، القضاء على آينسيدل."
"لماذا أحتاج إلى…"
"سؤال جيد. لماذا احتجتي إلى القضاء على آينسيدل؟ مجرد تنافس بين الأبرشيات؟ هذا لا يكفي."
وضعت يدي على خدها وتابعت.
"لأن آينسيدل كان يحاول قتلك، لم يكن لديك خيار سوى إيقافه."
"....."
"أبرشية فرايبورغ هي التي لوّثت أراضي الإمبراطورية وأنهارها وهواءها بجرعات الهياج. الأبرشية التي دفعت الأمة إلى حافة الطوارئ، بطل بليروما الذي لا مثيل له. أليس كذلك؟ جرعات الهياج المستخدمة في جميع أبرشيات بليروما هي اختراعك، أليس كذلك؟"
"أنت تعرف. هذا مُرضٍ."
أجابت رئيسة الأساقفة بهدوء.
كنت قد ناقشت هذا سابقًا مع النائب ألكسندر كلوجر، وسألته إن كانت البعوضات الملوثة في ميپن من عمل فرايبورغ.
لأنها كانت أول محاولة لاستخدام القوة السحرية الملوثة لجعل الناس يدخلون في حالة هياج.
وكانت تلك البعوضات بداية أزمة الهياج الوطنية الحالية، بنفس المبدأ والغرض.
في ذلك الوقت، قال النائب: 'من المحتمل جدًا أن الأبرشيتين تبادلتا تقنياتهما عن قرب. ولا بد أنهما تقاسمتا الأرباح أيضًا.' وأن "من الواضح أن الأبرشيتين كانتا في علاقة تعاون.'
كان مخطئًا.
"السبب الذي جعل آينسيدل يحاول قتلك ينبع من هذا. لقد سرقت تقنية النائب فيرنر شتراوس لتطوير جرعة الهياج، أليس كذلك؟"
ابتسمت، لكنها لم تستطع.
اتسعت عيناها قليلًا، ثم انتشرت ابتسامة باردة على وجهها.
اعتبرت صمتها موافقة على الاستماع، فتابعت.
"فكيف لأبرشية تقع في أقصى جنوب الإمبراطورية أن تسرق تقنية طوّرها نائب أسقف في أقصى شمالها؟ من هو "الهارب" الذي يُلاحق لو باري بسببه؟ اسم العائلة "باري" الذي أخفيته عني هو عائلة نبيلة من أوسنابروك، والألمانية السفلى التي كنت تتحدث بها عادة هي أيضًا ألمانية أوسنابروك."
"باري؟ لم أقل ذلك قط… قدرتك مدهشة."
متجاهلًا ابتسامتها ذات المغزى، تابعت.
"لو باري مطلوب حاليًا من أبرشية أوسنابروك. منذ زمن، استخدمت جسد لو باري، وهو نبيل من أوسنابروك، للاقتراب من بليروما هناك، ودون إثارة الشبهات، تم ترسيمك في النهاية رجل دين. وبقدراتك الاستثنائية، لابد أنك ارتقيتي بسرعة. والآن، أنت تعرفين ما سأقوله."
كان لو باري يعمل رجل دين هناك، ويسرّب تقنيات أوسنابروك إلى فرايبورغ.
هذا هو الجواب.
كنت قد فكرت في هذا من قبل في ملعب بنتالون الرئيسي:
[ستدرك أن هناك عدة نقاط عمياء في المنطق حتى الآن. وإذا تعمقت فيها، فإن تلك النقاط العمياء تقلب القضية بالكامل. عند تعلم موضوع لأول مرة، لتجنب إرباك المبتدئين، نفترض المستحيل لننشئ أبسط نموذج لبناء الأساسيات. وبالمثل، يجب أن أفكر ببساطة هنا لأفهم لاحقًا طبقات الاستراتيجية بوضوح.]
الآن، تم حل أهم نقطة عمياء.
إذا كنت قد مسحت ذكريات آينسيدل ودمرت بيانات سحر الفضاء المزدوج في أوسنابروك، فكيف تم استخدام سحر الفضاء المزدوج وصيغته التطبيقية السحر المزدوج المعكوس في الهجوم الإرهابي؟
هل امتلك آينسيدل تقنية ذاكرة معجزة؟
لا.
نظرت إلى رئيسة الأساقفة التي كانت تضحك وقلت:
"قبل أن أدمّر بيانات أوسنابروك، قام لو باري بنسخ احتياطي لكل البيانات التي حصل عليها عبر التجسس في أوسنابروك إلى أبرشيتك. أسقف أوسنابروك نسي تلك الذكريات إلى الأبد، لكنكي كنت لا تزالين قادرة على استخدام تقنية سحر الفضاء المزدوج."
"......"
"وبصفتك رئيسة الأساقفة، استخدمت بيانات أبحاث البعوض الملوث المسروقة من أوسنابروك لإتقان جرعة الهياج، والتي نشرتها أول مرة في ينابيع بادن-بادن الساخنة الواقعة تحت سلطة فرايبورغ. نجحت التجربة، وبعد ذلك صعدتي إلى قمة بليروما. على الأقل مؤخرًا."
"هاه… هاهاها…"
"حتى لو صفق الجميع لإنجازك، فإن المبدع الأصلي لم يستطع. لابد أنه أدرك أن إنجازك لم يكن فكرتك بل فكرته. آينسيدل من أوسنابروك اكتشف أن جرعة الهياج الخاصة بك مبنية على فكرة فيرنر شتراوس من أبحاث ميپن، ومنذ ذلك الحين وهو يطاردك."
صار تنفس رئيسة الأساقفة سريعًا بشكل غريب، وارتفع طرف فمها ببطء.
"لسوء الحظ، آينسيدل شخص لا يتوقف عند شيء من أجل إنجازات أبرشيته، وهو مهووس بولائه لصديقه فيرنر شتراوس. أنت، مثلي… لم تكن لتعرف ذلك إلى هذا الحد. كنت محظوظًا بامتلاك جسد نبيل من أوسنابروك لاستخدامه في التجسس، لكن المعلومات التي حصلت عليها تحولت إلى مسألة دم."
"....."
"لابد أن ذلك كان صداعًا."
لم تنكر. استمرت فقط في الضحك كالمجنونة.
"إذن لماذا تسببتِ في الإرهاب؟ بصراحة، أعجبت هنا. لو لم تحتجزي 600 ألف حياة رهينة، لكان بإمكاني الاستمتاع حقًا بهذه اللعبة الاستراتيجية معك."
"......."
"لابد أنك شعرتي بخيبة أمل لأنني لم أكن ممتنًا حتى بعد أن أنقذتني. وفقًا لخطتك، كان يجب أن أذرف الدموع تأثرًا بتضحيتك وتفانيك لحمايتي من العدو… أليس من المعتاد أن تقع الأميرة في حب الأمير على الحصان الأبيض؟"
أخذت الوردة من يدها ووضعتها جانبًا.
لم تقاوم.
كان تركيزها على ما سأقوله لاحقًا.
"كان السيناريو الأولي أن تجعلي لوكاس أسكانيان يظن أن آينسيدل هو العقل المدبر لإرهاب بنتالون، ثم تنقذي لوكاس أسكانيان من خطر الموت. وهذا يحقق تأثيرين. أولًا، ستكسبين ودّ لوكاس أسكانيان. ثانيًا، سيحاول لوكاس أسكانيان القضاء على آينسيدل، الإرهابي المفترض ومنتقم فيرنر شتراوس. بعبارة أخرى، ستحصلين على لوكاس أسكانيان كحليف."
"هاهاها…"
"بالطبع، لأنني صرخت بالإجابة "علنًا"، فقد تدمر التأثير الثاني بالكامل. عود الفوسفور الأبيض لم يُرسل منك."
عندها، لمعت عينا رئيسة الأساقفة.
لقد قابلتني في القبو قرب فندق تيس في براندنبورغ عندما عُثر على الجرذان الملوثة، وسألتني إن كنت رأيت "رمزًا غريبًا".
أي رمز غير الجناس الذي أرسلته.
"رمز "أخبر الجميع" بالفوسفور الأبيض أرسله إليّ آينسيدل، الذي اكتشف مخططك. لقد شعرتي أن هناك أمرًا غريبًا من آينسيدل وجئتي إليّ، أليس كذلك؟ هل أنا مخطئ؟"
"......."
"في الواقع، تعويذة التفكيك "أبرشية أوسنابروك تبحث عنك" لم تكن بحاجة لأن يسمعها الجميع. لم تكن تعويذة تفكيك أصلًا. كانت مجرد تعويذة انتقال مكاني للقبض عليّ. إضافة تقنية التفكيك كانت من فعل آينسيدل. رفع لعنة الـ600 ألف لم يكن جزءًا من خطتك."
"أنت تعرف جيدًا… تعرف جيدًا لدرجة مذهلة."
انفجرت رئيسة الأساقفة ضاحكة وقالت.
لماذا لم يكن ذلك جزءًا من الخطة؟
لأنه لو مات 600 ألف شخص، لكنت ذهبت مع رئيسة الأساقفة، متظاهرًا بأنني مواطن فاضل، للقضاء على آينسيدل.
"آينسيدل يستخدمك أنت أيضًا. بإرساله لي رمز "أخبر الجميع"، جعل جميع أبرشيات بليروما تركز عليك. لم تكن تنوي إعلان هذا العصيان، الذي قد يؤدي على الأقل إلى طردك من الأبرشية أو في أسوأ الأحوال فقدان سلطتك، أمام القيادة."
"......"
"بخطة واحدة، كان يمكنكي تحقيق هدفين في آن واحد. من المؤسف أن مخططًا استراتيجيًا عبقريًا مثلك ليس حليفًا."
كانت الآن تلهث تقريبًا.
بدا وكأنها في حالة شبه ذعر.
عند التفكير مليًا، بدا أنها تتصرف هكذا لأنها غارقة تمامًا في مشاعرها، غير قادرة على السيطرة عليها.
"بما أنكِ وصلتي إلى هذا الحد وأنت تعرفين كل شيء، إذا كنت تشعرين بالخيانة… فأنا آسف؟"
"آه… صحيح. هاهاهاها!"
ألقت رأسها إلى الخلف ضاحكة، ثم أنزلته.
سقط شعر لو باري الأسود فوق عينيها.
"كما توقعت. كما توقعت أنت… أنا أشعر بالخيانة والحزن؟ لا. هكذا يجب أن يكون…"
أمسكت كتفي بيد واحدة.
جعلني الألم أعبس.
ظلت تضحك وتتمايل.
ثم رفعت رأسها ببطء.
رأيت عينيها تلمعان ببرودة.
وبشكل مفاجئ، كانت العاطفة التي قرأتها فيها هي النشوة.
"…مثالي. هذا هو أنت الذي أعرفه."
_____
فان آرت: