الفصل 368

​راقبنا إسماعيلوف بصمت.

بدأت عيناه الزرقاوان تبدوان مخيفتين بمعنى مختلف.

نظر إلى الجعة وهي تترجح قرب حافة كأسه وتحدث بجمود.

"إنه كحول."

"هذا صحيح! وأي نوع من الكحول~؟"

'أرأيت؟ ألست أنت من يُعامل ككلب...'

نقرتُ بلساني على سلوك إلياس.

وبدون أن يرتبك من رد الفعل المبالغ فيه، حافظ إسماعيلوف بعناد على هدوئه.

"يبدو أنها جعة."

"أي ماركة من الجعة~؟"

"لا أعرف."

"آهه..."

​أرخى إلياس كتفيه للحظة، ثم قال فوراً وبحزم.

"اللورد إسماعيلوف، في مواقف كهذه، عليك أن تخمن، حتى لو كنت مخطئاً."

"ولماذا ذلك؟"

"إنه ليس أمراً إلزامياً، لكنه جيد للحفاظ على الأجواء~. إذا كنت جاداً هكذا في قولك 'لا أعرف'، فمن الصعب إبقاء المحادثة حية."

'إنه براغماتي بشكل مفاجئ...'

إلياس المعتاد لن يتصرف هكذا في الواقع.

فمهما قال أحدهم بصدق إنه لا يعرف، فإنه سيستمر في الثرثرة بمفرده ومحاولة استخراج رد فعل.

علاوة على ذلك، كان إلياس من النوع الذي سيتصرف كما يحلو له لو كان في مكان إسماعيلوف، وحتى لو استطاع قراءة الأجواء، فإنه سيحطم كل شيء إذا لم يعجبه الأمر.

​كان إلياس يطرح مواضيع يتجنبها عادةً، على ما يبدو لمساعدة إسماعيلوف على الاندماج. شككت في أن ينجح ذلك.

ربما تعلم هايك شيئاً من إلياس، وليس من أولريكي.

رمقني إسماعيلوف بنظرة، وهذه المرة، أجاب بجدية.

"مفهوم. ومع ذلك، لستُ على دراية بأنواع الكحول الموجودة في بافاريا."

"ذاكر إذاً!"

"هل هو سكران بالفعل؟ هذا عبث."

أمسك ليو بياقة قميص إلياس من الخلف ولعنه بعينيه.

بسط إلياس يديه كإشارة على أنه فهم، ثم سحب كأساً آخر، وضربه على الأرض وسلم كلاً منا واحداً.

"يجب أن أعبد اللورد هايك أينسيدل كمنقذي مدى الحياة."

عند كلماته، ابتسم مكلنبورغ بوقار، مرتدياً وجهه الودود أمام العامة.

"إذاً اللورد هايك أينسيدل هو العقل المدبر."

"..."

"تقنية رائعة حقاً. لن أذكر أين تعلمتها. ومع ذلك، يجب ألا تفعل شيئاً كهذا حتى بعد العودة إلى مقر القيادة والمساكن."

"هذا واضح ليس هناك حاجة لقوله."

​كاد إلياس يظهر طباعه الحادة للحظة، ثم ابتسم بسلاسة وحرك حاجبيه. لعلمي أن الاستياء المستمر تجاه مكلنبورغ لم يتلاشَ تماماً بين الأصدقاء بعد، راقبت تفاعلهما بحذر ثم وجهت سؤالاً لمكلنبورغ.

"مثل هذه المحاضرة تبدو غريبة على شخصيتك؟"

"إنه واجب السينيور أن يقدم التوجيه، اللورد أسكانيان."

كنت على وشك أن أهمس لإسماعيلوف بأن مثل هذا الشخص هو المرشح الأول للطرد من جلسات الشرب، لكني توقفت.

لأنني أعلم أن هذه المجموعة لن تكرر مثل هذا الموقف الجنوني مرة أخرى.

ألقيتُ تعويذة عزل الصوت مرة أخرى وسألت بهدوء.

"من المضحك أنك تتحدث عن واجب السينيور. أنت تدافع عن هذا بدلاً من إيقافه؟ هل أنت واثق إلى هذه الدرجة؟"

"ما الذي يدعو إلى انعدام الثقة؟"

"يبدو أنك قضيت كامل سنواتك الـ 25 في شرب الكحول فقط. إنه أمر غريب حقاً، بالنظر إلى أنك لم تكن تحب النبيذ حتى في المدرسة."

​بدا مكلنبورغ متحيراً من كلماتي، ثم أجاب فوراً بلا خجل.

"لا أعرف عما تتحدث، لكني ماهر في الاعتدال. علاوة على ذلك، السبب في إحضار اللورد إلياس هوهنزولرن للكحول الآن هو استدراج اعتراف، أليس كذلك؟ خلق الأجواء المناسبة يعمل لصالحنا."

نظرتُ إليه بصمت، ثم حطمتُ تعويذة عزل الصوت وتمتمت.

"من فضلك اضبط نفسك."

بالنظر للأمام مرة أخرى، كان الجميع باستثناء إسماعيلوف ينتظروننا. كان إسماعيلوف يحدق ببساطة في الكأس الموضوعة أمامه، لذا كان من الصعب القول إنه كان ينتظر. ابتسم إلياس وسأل.

"انتهيتما من الحديث~؟"

"نعم."

"إذاً، نخبكم."

رفع إلياس كأسه إلى مستوى العين وحدق بنا بنظرة ثاقبة.

"من أجل اللورد إسماعيلوف."

"بالفعل."

"لماذا الأمر ثقيل جداً هذه المرة؟"

​تمتم ليو بذلك وتجرع شرابه.

وبما أن إسماعيلوف لم يكن يستجيب، ويكتفي بالتحديق في الفراغ، اضطر إلياس لتوجيه أفعاله خطوة بخطوة بيده الأخرى.

لسبب ما، وبعد أن طرقنا كؤوسنا ببعضها وبينما كان بقيتنا يجرعون الجعة، كان إسماعيلوف قد وضع كأسه على الأرض ويراقبنا. صرخ إلياس عندما لاحظ ذلك متأخراً.

"عليك أن تشرب! من يطرق الكؤوس ثم لا يشرب؟"

"أرى ذلك."

"' أنا أرى' لاشيء~! أسرع وأشرب!"

"ومع ذلك، أنا لا أشرب الجعة."

"أي نوع من الألمان هذا الذي يجب سحب مؤهلاته... إنه ليس ألمانياً. إذاً هل تشرب الفودكا؟"

​ومضت وجوه الأصدقاء الذين أعرفهم وهم "ألمان ويكرهون الجعة أيضاً" في ذهني واحداً تلو الآخر.

ربما مفكراً في الشيء نفسه، نظر ليو إلى إلياس بتعبير يقول "هل تمزح معي؟".

لم يرتدع إسماعيلوف وأجاب بحزم.

"نبيذ القربان."

"ماذا؟ أي نوع من هراء الطوائف هذا عن نبيذ القربان؟.. هذه فرصتك لتتعرف على الجعة!"

"لكن الشرب خطيئة."

"ألا يُعتبر شرب دم يسوع شرباً للكحول؟"

"كلا، ليس كذلك."

"إذاً لماذا تشربون النبيذ، وليس دماً حقيقياً؟ سمعتُ منه أنكم لا تشربون الدم."

​لم يستطع إسماعيلوف تحليل هذا السؤال المليء بالارتباك واكتفى بالرمش. أنا أيضاً لم أستطع استيعاب المنحى الذي اتخذته هذه المحادثة. تنهد ليو وأجاب.

"لا داعي للإجابة على ذلك. بدلاً من ذلك، اشرب ببطء. إذا لم تشرب، فسيستمر هذا."

"لا يمكنني استهلاك شيء لم يتم التحقق من سلامته."

"أهذه هل المشكلة إذن!"

خطف إلياس كأس إسماعيلوف مباشرة.

ورغم وجود كحول في كأسه الخاص، إلا أنه جرع حوالي ربع جعة إسماعيلوف، ومسح فمه بظهر يده، وأعاد كأس الجعة لإسماعيلوف.

"لقد شربتُ منها أيضاً، أليس كذلك؟ اشرب."

​حدق إسماعيلوف بجمود في عيني إلياس، ثم رفع الكأس إلى شفتيه. أخذ رشفة، وبلعها، ثم خفض الكأس ببطء.

وللمرة الأولى، أغمض عينيه بإحكام، ثم فتحهما قليلاً.

"..."

كانت نظرات الجميع مثبتة عليه.

بدا الجميع فضوليين بنفس القدر بشأن رد فعل شخص يتذوق الكحول للمرة الأولى ورسول للبليروما فوق ذلك.

وسط الصمت المتدفق، تحدث إسماعيلوف.

"إنه بلا طعم."

'إنه يملك حاسة تذوق.'

بالنظر إلى مدى صلابته، ظننت أنه يستطيع شرب هذا أيضًا دون أن يرف له جفن.

"بلا طعم؟.. إذاً ماذا تحب؟"

"لا شيء."

"إذاً هذا مؤسف، لكني لا أستطيع مساعدتك..."

​رسم إلياس وجهاً عابساً، ثم ابتسم وربت على كتفه.

"مالذي تفعله؟ هيا أسرع وأشربه."

"إنه بلا طعم."

"في موقف كهذا يجدر بك فقط شربه!"

بادل إسماعيلوف نظراته بين الكحول والفراغ.

ومع ذلك، لم يطل تردده، وفعل مطيعاً ما أراده إلياس.

مستغلاً تركيز إلياس الكامل على إسماعيلوف، شربتُ ربع رشفة فقط في المرة الواحدة.

ونارك، الذي ظل صامتاً، بدا كأنه يفعل الشيء نفسه.

وهكذا، مرت ساعة.

"مهلاً! أنت لا تحرقه بقوة إلهية، أليس كذلك؟! هذا ليس لائقًا! هاه؟"

"هل هذه حقاً قوة إلهية؟"

​سُمع توبيخ إلياس وسؤال مكلنبورغ.

كنت مستلقياً على الحقل العشبي الرطب، أنظر إلى السماء، ثم نقلتُ نظري إلى إسماعيلوف.

كان إسماعيلوف جالساً بظهير مستقيم وعينيه مغمضتين.

اتضح أن مسيح البليروما لا يتحمل الكحول إطلاقاً.

"أحدهم نائم بعد ثلاث كؤوس..."

نظر مكلنبورغ إلى عيني إسماعيلوف المغمضتين وضحك بضعف. حسناً، يمكنه النوم.

يبدو أن تعليقه السابق حول افتقاره للثقة لم يكن تفاخراً.

لم يكن ثملاً على الإطلاق.

ثم تحدث إسماعيلوف وعيناه لا تزالان مغمضتين.

"لساني ثقيل والكلمات لا تخرج جيداً. إذا فتحتُ عينيّ، أفقد إحساسي بالاتجاه وأستمر في الشعور بالنعاس."

وسع إلياس، الذي كان يجرع المشروبات على معدة فارغة، عينيه.

"من طلب تقريراً عن حالتك؟ أي شخص يمكنه رؤية أنك ثمل."

"ماذا عليّ أن أفعل إذاً؟"

"استمر في الشرب! لا يوجد مجال للكلام!"

"مهلاً! كفى!.."

متجاهلاً محاولة ليو إيقافه، أشار إلياس إلى إسماعيلوف.

"همم، لا. أخبرني المزيد عن انطباعاتك."

"بلا طعم. التفكير الطبيعي صعب. نشأ شعور كبير بالنشوة، لكنه يحفز التفكير غير العقلاني."

​عند تلك الكلمات، ابتسم إلياس وقرب وجهه من وجهه.

"النشوة~؟ لماذا تعتقد هذا؟"

"الكحول يؤثر على الدماغ..."

"كلا! إنه لأنك تصبح صديقاً لنا!"

'أي نوع من المنطق القسري هذا...'

نظرتُ إلى مكلنبورغ كمكبح أخير، لكنه كان يكتفي بالمراقبة باهتمام. إسماعيلوف، غير المستسلم لمنطق إلياس القسري، تحدث بجدية عما تعلمه.

"وفقاً لمعلوماتي، الكحول..."

"لا. هل كنت ستكون بهذا القدر من السعادة لو شربت بمفردك؟ بهذا القدر من الحماس والإثارة؟ بالتأكيد لا. كل هذا لأننا هنا."

"لكن..."

"آه، هيا بالفعل، في أوقات كهذه عليك قو نعم~"

"مفهوم."

'هل هذا غسيل دماغ بلا قوة إلاهية؟'

​للإجابة حتى على هذا، ربما كانت المحادثة التي أجريتها سابقاً مفيدة. دفع إلياس كتف إسماعيلوف، مما جعله يسقط على الأرض، ثم استلقى بجانبه.

"بالمناسبة، ما قصة لون شعرك؟ مستحيل أن يكون هكذا منذ الولادة."

"لقد كان هكذا منذ البداية."

"هذا مستحيل. في حياتي، لم أرَ إلا الآن شخصاً بلون شعر مثل لونك. سمعتُ عن واحد من خلال القصص، لذا أصبحتم اثنين. أنت تعرف أن الشعر الأشقر مثل شعري نادر، خاصة بالنسبة لي، شاحب ووحيد في المنزل. رؤية شخص بشعر فاتح مماثل في البليروما، وشخص آخر فوق ذلك، هو أمر مذهل. أنت تفهم لماذا أسأل هذا، أليس كذلك؟"

​بعبارة أخرى، كان يسأل عما إذا كان قد تم تغييره اصطناعياً. إسماعيلوف، الذي ركز على أمر تافه، أجاب.

"إنه ليس أشقرا، بل هو أبيض."

"آه، نعم. أنتم يا رفاق ربما تعلمتم بهذه الطريقة. لكن هذا أشقر بلاتيني تماماً."

"إنه أبيض."

"إنه أشقر."

رد إلياس بحدة، وهو يحك عنقه.

ليو، الذي لم يرتبك من رد فعله، تدخل.

"إنه يبدو أبيض بالفعل."

"إنه يبدو أبيض! حتى الشعر القريب من الأبيض يُصنف كأشقر."

"أبيض؟ لقد اعترفت بالأمر بنفسك"

"لقد قلتُ تقريباً أبيض~"

​أحتاج لفصل هذين الصديقين منذ الطفولة.

كان من الواضح أن هذا لن يؤدي إلا لثرثرة بلا فائدة.

طرحتُ سؤالاً متعلقاً باستفسار إلياس ولكنه أقرب إلى جوهر القضية.

"اللورد إسماعيلوف. ماذا كنت تفعل قبل الانضمام للبليروما؟"

كان هذا هو السؤال الذي لم يجب عليه سابقاً.

إسماعيلوف، وعيناه لا تزالان غائمتين من الشرب، لم يجب وبدلاً من ذلك طرح سؤالاً آخر، وكأنه يريد استعادة صفاء ذهنه.

"هل يمكنني إزالة أثر الكحول بالسحر؟"

"أنت تسأل عن شيء كهذا. هذا يعود لك..."

همستُ، وأنا أرمق إلياس بنظرة، لكنه كان قد صرخ بالفعل.

"لا! إذا كنت ستقوم بتفكيكه، فلماذا تشرب إذاً؟!"

'هذه المحادثة تستمر في الانحراف عن مسارها.'

​لا أمل.

علينا قضاء قدر معين من الوقت معاً كل يوم على أي حال، لذا قد أضطر لمحاولة جمع أكبر قدر ممكن من المعلومات.

مررتُ يدي عبر شعري وضحكت.

فجأة، تدخل صوت.

"لا أملك حياة ماضية."

"لقد وُلدت خارج البليروما. ومع ذلك تقول إنك لا تملك حياة ماضية؟ لماذا؟"

"أقول إنني لا أملك لأنني لا أملك."

​نظر إلى السماء، وهو يغلق عينيه ويفتحهما ببطء.

صوته الواضح استمر.

"أبعد ذكرى أملكها هي لكنيسة صغيرة في فيرزينكين."

"فيرزينكين؟"

"إنها قرية ريفية في طرف فيلكالين. الكنيسة التي كنت فيها كانت مرئية عبر الحقول باتجاه روسيا، والميزة الملحوظة الوحيدة كانت شجرة تين محفوظة بالسحر."

​بدا وكأن وجود الجميع يتلاشى.

كانت هذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها بإسهاب.

كان يسرد أشياء لم يُسأل عنها، بشكل غير معتاد.

لم تكن لدي نية لتفويت كلماته، لذا سألت بهدوء.

"فيلكالين... تلك هي بروسيا الشرقية. شجرة تين لن تنمو عادةً في ذلك المناخ، وحفظها لا بد أنه كان صعباً. هذا مذهل."

"لقد كانت تخصصاً محلياً. أتذكر القس وهو يعتز بها."

"..."

تبادلت النظرات مع إلياس ونارك.

"كم كان عمرك حينها؟"

"كان عمري ثلاث سنوات."

"إذاً كيف جئت للانضمام للبليروما؟"

"القس الذي رباني كان من البليروما."

"إذاً قلت البليروما منذ البداية. لماذا كنت في فيرزينكين إذاً؟"

"سحرة من روسيا تركوني في الكنيسة واختفوا."

​استطعت رؤية نارك يبتسم بسخرية.

كنت سعيداً لأن إسماعيلوف لم يلاحظ ذلك وسألت.

"هل القس هو من سماك؟"

"الذي خلقني أعطاني اسمي."

"..."

المعلومات التي حقق فيها ليو كانت تحتوي على تفاصيل حول لقب "إسماعيلوف"، بالإضافة لحالات الاختفاء والإشاعات المتعلقة بالبشر الجدد في روسيا.

تذكرت فقرة معينة وقلت.

"إسماعيلوف ليس اسم عائلة نبيلة. وأنت... من البشر الجدد."

"أنا أعرف."

​بعد ذلك، لم يتحدث أحد.

وبينما كان صوت الرياح والأمواج يتدفق عبر الصمت، صرخ إلياس فجأة مرة أخرى.

"الاسم روسي، لكنك ألماني نشأت في ألمانيا. لماذا تشرب الجعة لأول مرة الآن؟! هاه؟"

"الروسييون يشربون الجعة أيضا."

"أنت تعرف ذلك، فماذا تقول؟"

"الشرب خطيئة."

"هذه العقلية تحتاج إلى إصلاح."

'أشعر بالدوار.'

رأسي يدور. وبخ ليو إلياس بصوت متعب.

"يجب أن تعيش وأنت تعرف أن هذا خطيئة. لقد انتهيت من الشرب."

"لا! عليك أن تثمل."

"لماذا أنا؟! مهلاً!"

"هذا يصنع مشهداً مسلياً."

​تجاهلت محادثتهم، وأرحت ذقني على يدي، ونظرت إلى إسماعيلوف.

فكرتُ أنه سيكون من الأفضل خلط قصتي الخاصة قريباً لجعله يتحدث براحة أكبر، لذا اخترت موضوعاً وفتحت فمي.

"كما تعلم، لقد نشأتُ منجذبًا إلى بليروما."

"سمعت ذلك."

"من وجهة نظرك، هل أنا بليروما؟"

"لا أعرف. لكني معجب بك."

'ما علاقة هذا بأي شيء؟' أجبت ببرود.

"آه، أجل... أفترض أن البليروما لا يمكن أن يكون صديقًا إلا للبليروما؟"

"لقد قلت ذلك حقاً!.."

وقف ليو، الذي كان ينظر لإسماعيلوف بشك على أي حال.

نصحت إسماعيلوف بسرعة.

"من الأفضل ألا تقول أشياء كهذا بصوت عالٍ. قد يسيء الناس الفهم."

"كيف؟"

"..."

ماذا عليّ أن أقول رداً على ذلك؟

أشرت إلى ليو وأجبت بغموض.

"هكذا. دعنا نتحدث عن شيء آخر. لماذا لا تشرب الدم، بما أنك من البليروما؟"

"أخبروني أن شرب الدم سيلوثني."

​في تلك اللحظة، التقت عيناي بأعين أصدقائي.

كانت محاولة يائسة لتغيير الموضوع، لكن الإجابة كانت مثيرة للاهتمام بشكل غير متوقع.

"التلوث. ولكن ألا يشرب الكثير من أعضاء البليروما منه؟"

"لقد أخبروني أنني لا أستطيع. والأهم من ذلك، لم تكن لدي أدنى رغبة أبداً في شرب الدم."

"لقد مُنعت تحديداً..."

​هذا يستحق التذكر.

تبادلت الإشارات مع أصدقائي وسألت.

إذن، هل لديك أي أسئلة لي الآن؟"

"لماذا أنا معجب بك؟"

"..."

"هه هه..."

أطلق إلياس ضحكة جوفاء.

شعرت بالذهول للحظة، وسعلت، ولمحت ليو.

إسماعيلوف، الجاهل بالموقف، نظر في عيني وقال بصوت واضح.

"عيناك مثل النيران."

"أنا؟ لونهما مشابه، ولكن..."

"لا. ليس اللون..."

"هذا يكفي!"

​يجب أن أمتنع عن طرح قصتي الخاصة الآن.

كان مكلنبورغ يكتم ضحكة.

بدأت النظرات من خلفي تشعرني وكأنها تخترق ظهري، وتصببت عرقاً بارداً.

لمحت ساعتي، لقد مرت قرابة ساعتين منذ وصولي إلى هنا. المزيد من المعلومات دائماً أفضل، لكن لن تكون مشكلة إذا سألت غداً. إسماعيلوف كان يقول أشياء غريبة أيضاً، ربما فُقد عقله بسبب الشراب، لذا حان وقت إنهاء الأمر.

"كفى من ذلك. أخبرني المزيد عن هؤلاء السحرة الروس. أنا فضولي."

توقف إسماعيلوف مفكراً فيما سيقول، ثم أجاب.

"لا أعرف شيئاً. كل ما أعرفه هو أنني وُضعت في الكنيسة مع سبعة منارة ذهبية."

​سبعة منارة ذهبية.

عند تلك الكلمات، تذكرنا جميعاً شيئاً ما.

"هل تركهم هؤلاء السحرة خلفهم؟"

"لا أعرف. احتفظ بهم القس في الكنيسة، قائلاً إنه سيعطيهم لي عندما أبلغ سن الرشد، رغم أنه كان من الممكن بيعهم لتمويل عمليات الكنيسة."

"أنا أرى."

ألقيت نظرة خاطفة على نارك، ثم سألت مجدداً.

"متى أصبحت 'رسول العهد' الذي يتحدث عنه البليروما؟"

"منذ البداية."

"أرى ذلك. لم أكن لأتوقع أن مثل هذه الأسطورة تتكشف في قرية ريفية على الحدود الروسية."

​وقفت ببطء ونظرت إلى أصدقائي.

بدا أنهم قد استوعبوا شيئاً أيضاً، فتعابيرهم كانت تعكس تعابيري.

______

​"إنها أسطورة. حرفياً أسطورة."

قلت ذلك وأنا أضع الوثائق التي سلمني إياها ليو على الطاولة.

بعد أخذ إسماعيلوف لغرفته، تجمعنا في مبنى صغير في نيمفينبورغ.

"ذلك الشخص يؤمن بأن الذكريات الجديدة التي خلقتها البليروما هي طفولته الخاصة."

بعبارة أخرى، إذا كانت كلماتي صحيحة، فقد سرقت البليروما حتى طفولته.

كيف كان ذلك ممكناً لا يزال غير واضح.

"لماذا تعتقد ذلك؟"

سألني إلياس، وهو يعلم جيداً، عن السبب.

هززت كتفي بابتسامة ساخرة.

"تعرفون، القصة عن سحرة من الشرق تركوا رضيعاً مع سبعة منارة ذهبية في كنيسة؟ وشجرة تين محفوظة بالسحر في أقصى طرف بروسيا الشرقية، في مناخ مختلف تماماً عن البحر الأبيض المتوسط؟ يبدو الأمر كله مختلطاً بشكل غريب."

"هاهاها~"

"إنه اصطناعي قليلاً، لكن يجب أن نظل نضع في اعتبارنا احتمال كونه حقيقياً. لا تعرف أبداً ما قد يحدث."

في تلك اللحظة، خفض نارك، الذي كان يبتسم طوال الوقت، عينيه وهمس.

"لا يعجبني الأمر. إنه مهين."

"كلا، لم أكن أتحدث عنه بهذا المعنى."

​خفض نارك رأسه وأغمض عينيه.

ومع استمرار الصمت الخانق، أطلق ليو تنهيدة طويلة وقال.

"أحتاج للتحقيق في فيلكالين، فيرزينكين."

"يجب أن تكون حذراً حتى من وطء قدمك هناك. إنها منطقة غير مطورة تماماً، وحسب علمي، سكان منطقة في طرف بروسيا الشرقية بالكاد يصل عددهم لثلاث خانات. من المستحيل على شخص غريب أن يحقق."

​عند كلماتي، رفع إلياس حاجبيه باهتمام.

"أقل من ثلاث خانات... من الطبيعي أن يكون سكان المنطقة الريفية قليلين، لكنك تعرف التفاصيل. كيف عرفت؟"

"بسبب صناعة بنجر السكر في آنهالت."

​بينما يربط القرن الـ 21 غالباً إنتاج بنجر السكر بروسيا، فإن ألمانيا تبحث وتطوره بنشاط الآن.

من بين المحاصيل المزروعة في آنهالت، التي تمتلك أراضي زراعية شاسعة، يُدرج بنجر السكر.

وبالمثل، في بروسيا الشرقية، يُزرع بنجر السكر في أماكن كثيرة.

ومع ذلك، فإن أقصى طرف بروسيا الشرقية يصعب فيه نسبياً زراعة بنجر السكر، وبسبب الطقس، لا يعيش الكثير من الناس هناك. عرفت هذا لأنني بحثت عن بروسيا الشرقية عند دراسة المنتجات المنافسة لآنهالت.

لكن هذا ليس الوقت المناسب لشرح من أين حصلت على هذه المعلومات.

"البليروما على الأرجح قد وضعوا بالفعل أناساً في تلك المنطقة. قد يكون فخاً لاستدراجنا هناك."

عند كلماتي أومأ ليو.

"ربما. إذاً يجب أن نحقق مع الأشخاص الذين عاشوا في فيلكالين أو بالقرب منها قبل نحو عشر سنوات وانتقلوا لمكان آخر."

"نعم. هذه فكرة جيدة~ إذاً لوكا، بما أنك تحدثت معه، أخبرنا بفرضيتك. لماذا هو هنا؟"

​أحتاج لجمع المزيد من الأدلة.

الفرضيتان اللتان شكلتهما في البداية تضاعفتا الآن لعدة فرضيات، مما زاد من عدد الأدلة التي أحتاج لجمعها.

ومع ذلك، أومأت أولاً.

"أولاً، إذا كانوا ينوون حقاً جعل إسماعيلوف إلهاً، فإن إرساله للأرض في حد ذاته أمر مهم. في هذه الحالة، العيش على الأرض يحقق الشرط."

​يشير هذا إلى شرط تجلي "الألوهية".

باختصار، سيقوم بجمع نقاط المعاناة هنا.

في "عهدهم الجديد"، نحن الجيش الروماني، وإسماعيلوف هو الابن الوحيد المضطهد.

"هذه فرضية خيالية جداً."

"هذا ما أقوله. ومع ذلك، دون معرفة نبوءات البليروما، يجب أن نعتبر حتى الفرضيات الخيالية ذات مغزى. ثانياً، إنها فرضية مشابهة ولكنها مختلفة قليلاً. من المحتمل أنه يحتاج لتحقيق شرط إضافي بعد نزوله للأرض ليوقظ ألوهيته بالكامل. على سبيل المثال، سرقة شيء مثل الميرون، أو خلق 'رسوله' الخاص."

"همم."

​أومأ إلياس برضا.

"جيد. إنه أكثر عقلانية من الهراء غير القابل للتصديق حول المجيء من أجل السلام. ولكن ما هو ذلك الشرط بالضبط؟"

"هذا ما نحتاج لتفسيره الآن."

"حسنًا، ولكن هناك شيء واحد أخير."

رفعت حاجبي، مشيراً إليه ليتحدث.

أمال إلياس رأسه وابتسم.

"لم تذكر الجزء الأكثر أهمية."

"أنت تعرفه جيدًا."

"وما هو الثالث~؟"

"من المبكر قوله الآن. نحتاج لجمع المزيد من الأدلة."

​نقلت نظري من إلياس المرتخي إلى الأصدقاء الآخرين.

"قبل أن نتبادل المعلومات التي جمعناها، دعونا نفسرها. نارك، ما رأيك في المنارات الذهبية السبعة؟"

​سبع منارات ذهبية. وسبعة نجوم.

إنها القصة من سفر الرؤيا حيث «ظهر الشبيه بالمسيح ليوحنا في رؤيا، واقفاً بين سبع منارات ذهبية، وممسكاً بسبعة نجوم في يده اليمنى».

بدأ نارك يتلو الكتاب المقدس وعيناه مغمضتان.

"«وكان معه في يده اليمنى سبعة كواكب، وسيف ماضٍ ذو حدين يخرج من فمه، ووجهه كالشمس وهي تضيء في قوتها. فلما رأيته سقطت عند رجليه كميت، فوضع يده اليمنى علي قائلاً لي: لا تخف، أنا هو الأول والآخر، والحي. وكنت ميتاً، وها أنا حي إلى أبد الآبدين، ولي مفاتيح الهاوية والموت. فاكتب ما رأيت، وما هو كائن، وما هو عتيد أن يكون بعد هذا.»"

"همم."

"الجزء المهم يأتي لاحقاً. «سر السبعة الكواكب التي رأيت على يميني، والسبع المناير الذهبية: السبعة الكواكب هي ملائكة السبع الكنائس، والمناير السبع التي رأيتها هي السبع الكنائس.» علينا أخذ هذا في الاعتبار."

"واو. كيف حفظت ذلك~؟"

"هاها. إسماعيلوف قال إنه جاء مع سبع منارات ذهبية. لذا... كما قال لوكاس، هذه أسطورة. سواء كانت حقيقية أم لا، فإن نبوءة البليروما تبدأ هكذا."

​عند تلك الكلمات، هز إلياس كتفيه وسخر.

"قد يكون ذلك، لكن يبدو أن هناك الكثير من الرمزية التي يتم إرفاقها. إنها تشبه الطوائف."

"حتى لو كانت مجرد رمزية، فإن البليروما سيحاولون في النهاية جعل كلماتهم حقيقة. رغم أنني لا أستطيع ذكر كل التفسيرات اللاهوتية، باختصار، السبعة هنا يمكن أن تعني أيضاً 'الكل'. لذا، المنارات الذهبية السبعة يمكن تفسيرها على أنها جميع أبرشيات البليروما."

​أومأ إلياس لرأس نارك.

"هذا مرجح. إذاً النجوم السبعة هي قيادتهم؟ إذا كان الأمر كذلك، لماذا لا يعطونه سبعة نجوم، بل منارات ذهبية؟ كان بإمكانهم صنعها على شكل نجوم."

"سيكون من الغريب قليلاً... إحضار سبعة أشياء على شكل نجوم..."

​ضحكت للفكرة. وأضفت أفكاري الخاصة.

"إذا كانت الذكريات التي زرعتها البليروما في إسماعيلوف مرتبطة بالفعل بنبوءاتهم، فإن المنارات الذهبية السبعة، أي الكنائس، يحتفظ بها القس مؤقتاً، لكنها موجودة بالفعل في يدي إسماعيلوف. إنه مثل قيادة البليروما التي تدير البليروما بدلاً من إسماعيلوف الذي لم يصبح إلهاً بعد، أليس كذلك؟ ومع ذلك، النجوم السبعة ليست في يدي إسماعيلوف الآن. لم تكن هناك أبداً منذ البداية."

"لم تكن هناك أبداً منذ البداية؟"

سأل إلياس بجدية.

​أنا أفكر بناءً على فرضية أنها محض "أسطورة".

أشعر وكأنني أسخر من إسماعيلوف بتسمية طفولة شخص ليس حتى إلهاً بالأسطورة ولأكون صادقاً، هذا صحيح نوعاً ما لكنها قصة اصطناعية، وليست ذكرياته الخاصة.

'أنا فظيع في هذا النوع من الأفكار الخيالية.'

نظر أصدقائي إلى نارك، ربما طلباً للتأكيد.

نارك اكتفى بالنظر إلي دون قول كلمة.

مررت يدي عبر شعري وتابعت أفكاري.

"بالنظر إلى أن 'رسول العهد' يصل قبل 'الرب الذي تطلبونه' في نبوءة البليروما، فإن ألوهية رسول العهد غير مكتملة. بعبارة أخرى... ربما يحتاج للعثور على تلك النجوم السبعة المفقودة من أسطورة إسماعيلوف ليجد ألوهيته."

"..."

"الفرضية الثانية يمكن تطبيقها هنا. البليروما قد أرسلوا ميخائيل إسماعيلوف إلى هنا ليجد النجوم السبعة."

​بتفسير ضيق، قد يعني ذلك سبعة أشخاص سيصبحون ملائكة كنيستهم، وبشكل عام، قد يعني جعل العالم ملكاً للبليروما.

ومع ذلك، إذا كان الأخير هو شرط إيجاد الألوهية، فهذا يؤدي إلى تناقض.

لكي يصبح "الرب"، يجب عليه جعل العالم ملكاً للبليروما، ولكن لجعل العالم ملكاً للبليروما، يجب أن يصبح "الرب"؟

لذلك، يبدو من الأنسب تفسير النجوم السبعة هذه المرة ليس على أنها "الكل" بل سبعة حرفياً، أو عدد صغير يعادل ذلك.

​لسبب ما، ساد الصمت. ثم سأل ليو بتعبير صارم.

"سبعة؟"

_____

فان آرت لإسزيت:

2026/03/21 · 63 مشاهدة · 3359 كلمة
Nono
نادي الروايات - 2026