الفصل 832 " تل الجلجثة "

​هناك شخص.

شخص ذو شعر بني، يرتدي ثوباً رسمياً بنفسجي اللون مزراراً حتى أطراف العنق وبينما يلتفت الرأس الذي كان نصف استدار إلى الوراء، تلتقي عينا الزرقاوان بعيني شونفيلد.

​……………بينما كان يراقبه، لم يدرك أن هذا المكان كان مساحة بيضاء بالكامل. ربما لم تكن هناك حاجة لتمييز ذلك عمداً.

في هذه اللحظة، كان يحلم حلماً يعلم تماماً أنه حلم.

نعم، بدا وكأنه غط في نوم خفيف.

​حتى قبيل استغراقه في النوم، كان يفكر في ذلك الشخص الذي قيل إنه مات.

وهو يعلم جيداً أن تلك الهيئة نبعت من مخيلة شونفيلد البائسة وحدها. وبما أن الشاب لم يخبره، فإن الصورة الوحيدة للميت التي استطاع تخيلها لم تكن تشبه سوى شارلوت.

وهو يعلم أنه لم يكن ليبدو هكذا.

وما يريد معرفته، على أي حال، ليس القشرة بل الجوهر.

يقترب شونفيلد خطوة أخرى من ذلك الشخص ويتملى عينيه الزرقاوين. تدور هاتان العينان إلى الأعلى بسلاسة مثل حبات زجاجية وتلتقيان بنظرة شونفيلد.

​لا يوجد عمق يمكن قراءته.

حتى لو كان زائفا، فهو يتساءل عما إذا كان هذا هو أقصى ما يمكنه تخيله بعد كل شيء.

على أي حال، لا توجد أي علامة للموت في هاتين العينين الزرقاوين. كما لا توجد أية علامة لإصابة أو أذى على الجسد. بهذه الطريقة، لا توجد طريقة لمعرفة سبب اختياره للموت.

يلتفت شونفيلد برأسه في ذلك المكان الأبيض بالكامل ليكتشف طاولة مصنوعة من الذهب.

وعندما يفتح يده ويشير، يجلس الميت هناك.

بإتيكيت سليم للغاية،

​حتى وهما يجلسان وجهاً لوجه، فإنهما يكتفيان بالتحديق في بعضهما البعض. يريد شونفيلد أن يسأله عن سبب موته.

يريد أن يعرف شكل وجه شخص مات مطعوناً بسلاح الإيروس.

لا، لم يكن الشاب يفكر في الإيروس وحدها بل في كل الأسلحة.

وهو يوافق على ذلك.

بناءً على ما أدركه أثناء وضع نظرية الأقوي، فإذا استُخدم ما ليس بسلاح كسللاح لقتل شخص ما أي إذا تعرض شخص ما للترصد والقتل فلن يحدث ذلك في مجال واحد فقط.

ليس الإيروس فحسب، بل حقيقة أنك تتكلم، وأنك تكتب.

أنك تغني، وأنك تتنفس وتأكل، كل تلك الأمور لكانت قد لُصقت بها عيوب تبدو منطقية، وليس ذلك بالغريب بشكل خاص.

وعادة ما يلف الناس العيوب المستندة إلى العواطف بطرق شتى ويسردون بالتفصيل الأسباب التي تجعل هدفاً معيناً لا ينبغي له الاستمرار في الوجود.

ولهذا السبب يصبح ممكناً استخراج مئات الأسباب التي تجعل العدو جديراً بالقتل.

ولا يضمن هذا أن يصبح المرء قوياً، لكنهم على أي حال يفعلون ذلك لكي يصبحوا أقوياء.

​ما الذي انتهكته لتخالف مشاعر العالم؟

وما الذي انتهكته لكي يعرض العالم مئات الأسباب التي توجب ألا تعيش؟

​ومع ذلك، فهذا الشخص ليس ذلك الشخص، بل هو شخص الشاب. علاوة على ذلك، فهو الآن ليس فقط شخص الشاب، بل أصبح حتى شخص شاب شونفيلد.

على الرغم من أنه ليس لديك صوت، إلا أنك عبرت الماء، المستنقع، والشوك لتصل إلى هنا وتعيش داخل ذكرياتنا.

لابد أن الموت كان ظالماً إلى هذا الحد.

ورؤية أن هناك هنا من ينشر ألم الميت نيابة عن الميت، فمن الطبيعي إذن ألا يكون للميت صوت.

بل لعل الميت مات لأن العالم سلب صوته.

​آه، أرى ذلك، نعم، هكذا يفكر شونفيلد وكأن ماءً يتدفق ويعكس الصورة مرة أخرى.

​ما زالت الهيئة لا تحرك شفة واحدة وتبقى صامتة.

​أصلاً، موت شخص آخر لا تربطك به أي صلة على الإطلاق موتاً لم ينتهِ بيدي، ولا حتى شهِدت نهايته هو بهذه الغاية من البعد. وإن لم يشهد الشّاب بأكثر من ذلك، فسوف يستمر الأمر على هذا النحو. وكلما حاول الشهداء الإدلاء بشهادتهم، كلما اختفت تدريجياً تلك الملامح التي تمتع بها الشّاب حين كان حراً من الموت.

​عندئذ يخطر بباله.

عندما نصحته مارلين ألا يتذكر، قال الشّاب إنه لم يكن هناك بعد أي سبب يمنعه من التذكر. إذن، وماذا عن الآن؟

​أتراه بدأ يأخذ نصيحة مارلين على محمل الجد...؟

​فجأة، يفتح عينيه.

​تتدفق أشعة الشمس الدافئة عبر الأوراق الساقطة لتغطي عينيه. ويمكن سماع صوت زقزقة العصافير، غير أن الشخص الذي كان يجب أن يكون في المقدمة لم يكن موجوداً.

ولم يكن هناك سوى الأوراق المتساقطة وقد تم الضغط عليها. يمدّ يده ويتحسس المكان، فلا يجد أي دفء.

​يستنشق الهواء ويلتفت حائراً على عجالة.

وحين يستند على شجرة وينهض من مكانه رافعاً رأسه، عندئذٍ فقط يرى أحدهم يسير وظهره إلى الشمس.

يقترب الشّاب وهو يحمل مطرة.

وحين تتقاطع نظراتهما، يبتسم بابتسامة خافتة.

يبتلع شونفيلد ريقه ويأخذ لحظة لتهدئة نفسه قبل أن يسأل:

​"إلى أين ذهبت؟"

​"ذهبت لأبحث عن شيء لأكله. يبدو لي أن هذا صالح للأكل أيمكنك التحقق منه من أجلي؟"

​"......"

​بعينين لم تستطيعا بعد التخلّص من حيرتهما، يمسح شونفيلد الشّاب بنظراته ويتناول منه المطرة.

يهز التوت الذي بداخل المطرة الفارغة بخفة.

وبناءً على بشرته الحمراء الساطعة ولمعانها، فهي ثمار توت العليق (اللينجونبيري).

يومئ شونفيلد برأسه، ويخرج واحدة ليقدمها إلى الشّاب.

ومع ذلك، يلوح الشّاب بيده رافضاً.

وبما أنه مصّر على ذلك، فلا نية لديه للضغط عليه، فيأخذ شونفيلد واحدة ويضعها في فمه.

عادة ما يتم تحويلها إلى مربى، لذا فقد مر وقت طويل منذ أن أكلها طازجة هكذا، لكنها صالحة للأكل.

​وبعد أن حشر حوالي خمس حبّات في فمه ومضغها لتذوق عصيرها، عندئذ فقط شعر بنظرة واقعة عليه.

ولسبب ما، كان الشّاب يراقب شونفيلد وهو يأكل، لذا أومأ شونفيلد معبراً عن امتنانه بعينيه، ثم بدا محرجا وأدار رأسه.

​ثم عرض التوت مرة أخرى، غير أن الشّاب هز رأسه نافياً.

فهو لا يدري ما الذي يبتغيه الشّاب.

بالطبع، وحتى في خضم ذلك، ثمة أمر واحد يدركه.

فقبل بضعة أيام، سأله الشّاب أن يخبره من يكون شونفيلد، ومن المحتمل أن يكون ذلك السؤال سارياً حتى الآن…………….

​يزفر شونفيلد بعمق ويتحدث قائلاً:

​"هناك أمور قليلة فكرت فيها بخصوصك. أيمكنني قولها؟"

​عندما يُبدي المرء انطباعاته عن شخص آخر، فما نوع الانطباع الذي سيرده ذلك الآخر؟

لقد سأل، ولكن في الحقيقة، حتى لو طُلب منه ألا يفعل، فقد كان ناويّاً أن يتحدث، لذا تابع شونفيلد قوله:

​"لو قلتَ إنني أفهمك، فماذا ستقول؟"

​"أهكذا هو الأمر؟"

​"أهذا كل ما في الأمر؟"

​"نعم. إذن هذا ما فكرت به."

​يجيب الشّاب على انطباع شونفيلد بهدوء.

ومع ذلك، وبدلاً من محاولة الرد باستهتار، بدا وكأنه قد غرق في التفكير، ليعود فيخاطب شونفيلد برفق مرة أخرى.

​"يا صديقي، أنت تعلم أننا مختلفان جداً. ولهذا السبب أعلم أنا أيضاً أنك تعاني من رغبة ملحة في إلقاء نظرات قاسية عليّ أو التصرف بمثل تلك الطريقة. ومع ذلك، يبدو أنك فكرت في النهاية بأنه حتى مع اختلافنا الكبير، قد تكون هناك نقطة تقاطع واحدة على الأقل بيننا."

​"......"

​"أنا مسرور. سنظل مختلفين جداً، يا أنا. كان بإمكانك بكل بساطة أن تغادر جانبي نظراً لعدم توافقك التام معي. ومع ذلك، وبينما كنت تحاول إيجاد وجه تشابه بي، وبينما كنت تتسلق لتعثر على نفسك في ذلك المكان، فقد مددت يدك إليّ أيضاً. أهكذا فهمت الأمر بشكل صحيح؟"

​لا يرد شونفيلد.

في هذه اللحظة، هذه الكلمات هي انطباع الشّاب عن انطباع شونفيلد. وبما أن الشّاب لم يجب بعبارة "هذا صحيح" أو "هذا غير صحيح"، فإن شونفيلد لا يريد أيضاً أن يُعلمه ما إذا كان انطباعه حقيقياً أم لا بالنسبة له.

وبدلاً من ذلك، يعرض شونفيلد انطباعاً آخر.

​"ظننت أنني قد اكتشفت سبب اضطرارك لفقدان ذكرياتك."

​"أرى ذلك."

​"إن كنتَ قد اخترت فقدان ذكرياتك بمحض إرادتك، فلابد أن ذلك كان رغبة منك في إغلاق عين واحدة والنظر إلى العالم بمنظور أصلي. وبمعنى آخر، كنت تريد أن تنسى كل الألم الذي فصلك عن العالم وتؤمن بأنك مشمول فيه."

​يستمع الشّاب إلى ذلك باهتمام.

ومرة أخرى، لا يجيب عما إذا كان هذا الاستنتاج صحيحاً أم لا. ينشأ شعور طفيف بالنفاد الصبر.

وإن قال إنه صحيح، فلسبب ما يبدو وكأنه قد يمضي لتنفيذ نصيحة مارلين.

فالخبرة والقرار لا يتحركان دائماً معاً كما هو متوقع، ولكن حتى لو قال إنه ليس صحيحاً، فسيبدو ذلك أيضاً وكأنه جدار أمامه.

وبطريقة ما، لو كان الأمر متعلقاً بالشّاب، فيبدو وكأنه سيجيب بأنه صحيح وغير صحيح في آن واحد……………….

​على أي حال، يمدّ الشّاب يده.

​يلقي شونفيلد نظرة خاطفة على وجه الشّاب، ثم يكبح شعوراً طفيفاً بالتردد ويمسك بيده.

وما إن يفعل ذلك، حتى لا يظهر النفور الذي كان يتوقعه، بل وينجلي حتى ذلك التردد.

​وبعد مشوار طويل، يعثران على دير قديم.

فقد وجدا مكاناً تجمعت فيه مبانٍ منخفضة ذات أغراض مجهولة لتتقارب بشدة، ومع اقترابهما، يتدلى صليب صغير على البوابة الأمامية.

وقد حُفرت آثار التعرض الطويل للرياح والأمطار بعمق عبر جدران المبنى بأكمله والساحة.

​أما الشّاب، ومجدداً، تماماً كما فعل أمام القصر، فيتوقف أمام الدير ويطيل التحديق فيه.

وحتى الساحة لم تكن مرصوفة بالحجارة، بل غطّاها التراب وحده؛ وفي أحد الجانبين هناك سقيفة للحطب ذات سقف مائل وبئر، وفي الجانب الآخر حظيرة وحقل ذو مساحة معتدلة.

والغبار يلتصق بكل مكان، مما يجعله يبدو غير نظيف، ومع ذلك فهو لا يوحي بالرهبة.

وهذا بحد ذاته أمر غريب.

ولا يعرف شونفيلد الكثير عن الرهبنة أو الأديرة أيضاً، لكن من خلال ما يعرفه القليل، فهو يعتقد أنه إن كان ديراً في الأراضي البولندية، فقد يكون من رهبنة الكبوشيين.

​وعلى عكس المرة السابقة، ينظر الشّاب إلى المكان بهدوء ثم يحاول تجاوزه ببساطة.

وحين يمر الشّاب من أمام شونفيلد، يمسك الأخير بذراعه.

وينظر الشّاب، كمن يودّ تفقد حالة شونفيلد، إلى وجهه عن كثب.

ورغم أنه لم يكن ينبغي لأي أثر للتعب أن يظهر على ذلك الوجه، إلا أن الشّاب يسأل بلطف، وكأنه يستجيب لإصرار شونفيلد:

​"أتريد البقاء هنا؟"

​لا يرد شونفيلد.

فلم يكن السبب في إمساكه به هو رغبته في البقاء.

بل إنه ببساطة، وحين رأى الشّاب يحاول المرور دونه زيارته، فكر أنه لابد ألا يكون هناك ما يساعد الشّاب على استعادة ذكرياته هنا.

​أو لعل الشّاب، وقد التلسع بالزيارة الأخيرة، يحاول ألا يدخل مساحة شخص آخر باستهتار.

أراد أن يعرف أيهما كان الأمر.

وعلى أي حال، وحتى لو لم يدخلا إلى هنا، فسوف يستمران في التوافد والتجوال طالما تطلب الأمر ذلك، وسيطآن مكانين جديدين في أي وقت، لذا فإن البقاء ليوم واحد لن يكون سيئاً.

​والمشكلة هي أنهما، ورغم ارتدائهما ملابس عادية أهداها لهما القنصل، فإنهما سيظلان يبدوان بمظهر مشبوه.

ويتساءل إن كان بإمكانهما تفادي ذلك مثلما تهربا من القوزاق، ولكن………….

​وقبل أن يتيح له الوقت للتفكير، يرى رهباناً يمرون عبر الساحة، مرتدين أثواباً بنية اللون مع أحزمة حبلية معقودة عند الخصر.

وحينئذ تلتقي عيون أحد الرهبان بعيني شونفيلد.

يتوقف الراهب وينادي راهباً آخر، فيتبادل الاثنان الهمس بينهما بينما ينظران إلى شونفيلد والشّاب.

ولا يبدوان متحذرين منهما بشكل خاص عندما خرجا إلى البوابة الأمامية.

​"لأي سبب أتيتما؟"

​وعند ذلك السؤال، يتحدث الشّاب أولاً:

​"أيمكننا البقاء ليوم واحد؟"

​"ما اسماؤكما؟"

​لا يرد الشّاب.

يلقي الرهبان نظرات نحو شونفيلد.

ويسألون عن وجهتهما. غير أن الشّاب يجيب مرة أخرى بأنهما كانا يسيران ببساطة إلى أبعد مدى يمكنهما بلوغه.

وتماشياً مع توقعات شونفيلد بأن يتم طردهما عند البوابة، يسمع جواباً غير متوقع.

​"إن كنتما تستطيعان أداء القسم للرب بأن ليس لديكما أي نية سوى الراحة، فأنتما محظوظان. لقد أُفرغت غرفة بالأمس."

​يومئ الشّاب برأسه.

ثم يفتح الرهبان البوابة الأمامية ويدخلانهما إلى الداخل.

​أما الغرفة الصغيرة المطلة على الغابة في الخلف فهي مبنية من الخشب من جوانبها الستة وبدأت أقل فقراً بلا مقارنة بالمكان الذي أقاما فيه سابقاً.

فالرياح الباردة تدفع بنفسها مباشرة إلى داخل الغرفة.

وهو يود إشعال المدفأة مع أنه ليس وقت الليل بعد، غير أنهما لا يستطيعان إبادة الحطب عبثا.

وما إن يفلت تنهيدة خفيفة إزاء البيئة البالية، حتى يقوم الشّاب، الذي دخل خلفه، بالتربيت على كتف شونفيلد.

وعندئذ، وبشكل مثير للدهشة، يخف البرد نوعاً ما.

​إنه لا يريد أن يسأل كيف فعل ذلك.

فهو يكتفي بمراقبة ما يفعله الشّاب.

ينظر الشّاب حول الغرفة ويرتب سريره الخاص.

ثم يخرج إلى الخارج.

وتساءلاً عما إذا كان ذاهباً، يراه يتجه نحو المصلى.

​المصلى صغير وقديم كسائر مرافق الدير، غير أنه وحده نظيف وخالٍ من الغبار.

وبينما يتأمل الشّاب أرجاء المصلى، يجلس شونفيلد في أي مكان بالمصلى الفارغ ويفتح كتاب الصلاة الموضوع في رف المقعد أمامه.

وعند الحافة، وكأن جزءاً منه قد قُرض في مكان ما، تُحشر ورقة واحدة.

​[يا آنا، إن كنت ترى هذا، فلابد أنك معي الآن.]

​"......"

​في اللحظة التي يواجه فيها الكتابة الموجودة على الورقة التي فتحها دون تفكر، يرفع رأسه.

يطوي الورقة في يده ويخفيها، ثم ينظر إلى الشّاب الذي يتأمل السقف معطياً ظهره لشونفيلد.

يُدندن الشّاب بترنيمة بهمس ويجد مكاناً مناسباً للجلوس.......

​ودون أن يحول عينيه عنه، يقلب الورقة.

وفي نهايتها، كُتبت عبارة صغيرة.

​[لا تدعني أعرف أنك رأيت هذا.]

______

فان آرت:

2026/08/06 · 33 مشاهدة · 1932 كلمة
Nono
نادي الروايات - 2026