الفصل 837 " تل الجلجثة "

​يبدو أن الأمور آلت إلى هذا النمط في النهاية.

شونفيلد، العاجز عن معرفة ما إذا كانت عيناه مغلقتين أو مفتوحتين وسط الظلام الدامس، يغلقهما ويهزأ بنفسه، معتبراً مجرد محاولة الفهم إهداراً للطاقة.

نعم، كان صحيحاً أن المرء وُلِد مبرمجاً للقتال.

هل بدأ الأمر منذ لحظة لقاء الراهب الذي ترك الوجبات الخفيفة أمام الغرفة، أم بعد سماع المحادثة معه؟

لقد أصبح شعور التواجد داخل سلام مزيف أكثر وضوحاً. ويخطر له الآن أن حتى تفوهه بالطلب المحرج بأن يقرأ الشاب كتاباً بصوت عالٍ كان ممكناً لأن حدسه كان يعمل بشكل جيد إلى حد ما.

ومع ذلك، يظل ما كان يُبتغى منه غامضاً؛ فقد كان مجرد شعور بأن الأمر يجب أن يكون هكذا.

​عندما غاب الجواب، سُمعت اللغة اللاتينية الركيكة من جديد.

​"أتعرف كيف توقظ ذلك الشخص؟"

​"لماذا؟"

​صوت نقر زناد سلاح يُسحب خلف الرأس يصدح في المكان. يُستنشق الهواء بفزع. ترتجف الأطراف.

​ابقَ هادئاً. لابد أنهم يتحدثون عن الشاب.

ماذا يقصدون بأنه استغرق في النوم؟

لم أره نائماً ولا لمرة واحدة!

شونفيلد، الذي غرق في الشك، يجيب.

​"أنا لا أعرف شيئاً."

​عندها يضغط السلاح بقوة أكبر على الرأس، دافعاً الجبهة نحو الأرض وكأنها على وشك التمزق.

يصرخ شونفيلد في غضب متصاعد.

"​اللعنة! قلت لك إنني لا أعرف! فقط هزّه ليستيقظ أيها اللعين!"

​"إنه لا يستيقظ."

​"ماذا تريدني أن أفعل إذن! أيها الحمقى!"

​على الرغم من صراخه بروح مستعدة لتلقي رصاصة، إلا أن السلاح ابتعد بالفعل.

أحدهم يلتقط شونفيلد ويحمله إلى مكان ما، ليطرحه أرضاً كمن يلقي بشيء، ويهبط شيء يشبه عظماً بشرياً على رأس شونفيلد. أهي ساق بشرية؟

من المستحيل ألا يعرف أن هذا هو الشاب.

​التيار الصافي الذي تدفق عند الاستيقاظ تحت الشجرة أو عندما سد الشاب أنف شونفيلد وفمه يُحَس به الآن. فجأة، يرتفع شعور خفٍّ بالارتياح، ومع ذلك، يُدرك تماماً أن شيئاً لن يتغير.

​يمسكون يد شونفيلد ويلقون بها على جسد الشاب.

صدر الشاب يعلو ويهبط بمعدل ثابث تماماً، ولا يصبح غير منتظم البتة، ولا يبدو أن هناك أي أريج لفتح عينيه، رغم أنه يستحيل معرفة ما إذا كان يفعله أم لا.

يهمسون بشيء ويدفعون شونفيلد بعيداً.

​يضغط شونفيلد بجبهته على الأرض ويكافح لإبعاد ما علق على عينيه. وبضغط الرأس على الأرض، يُدفع القماش صعوداً إلى أعلى قسيمة الأنف، مباشرة أسفل انحناء عظمة الجبهة.

يرفع شونفيلد رأسه ليرى ما يفعلونه.

​"هه."

​الرؤية غير واضحة بسبب الظلام، لكن برؤية تلك الأشكال السوداء التي تعطي ظهورها لضوء الشموع وهي تتحرك، يبدو أن شخصاً ما يرفع يد الشاب مراراً وتكراراً ليضعها على ذراعه الخاصة ثم على رأسه.

إنه الشخص الذي التقي به في وقت سابق في الدير والذي زعم أنه جرح ذراعه.

يتنهد بعمق ويبتعد عن جانب الشاب.

والآن يقوم شخص آخر التربيت على كتف الشاب ويرتدي ما يشبه ترتيلة أو تعويذة.

​لماذا؟ يستحيل معرفة ما يرمون إليه.

ما الذي يأملون في تحقيقه عبر فعلة كهذه؟

​"هييه. أنتم يا قوم."

​شونفيلد يستل الكلمات بمشقة.

تبدو نظرات الأشخاص في الغرفة وكأنها تتجمع عليه، فهم لا يبرحون مكانهم رغم إدراكهم أن العصابة قد انزرفت وبلغت المنتصف. يعيد شونفيلد الكرى مرة أخرى.

​"لماذا تحاولون إيقاظ ذلك الشخص؟"

​"إن كنت تعلم، أفتستطيع إيقاظه؟"

​"لا أستطيع! وأي طريق آخر يوجد سوى محاولة هزه؟"

​لا يكتفون سوى بإمالة رؤوسهم.

وبمجرد أن يُدرك أنهم لم يفهموا لضعف لغتهم اللاتينية، يصرخ شونفيلد.

​"وأنا لا أعرف أيضاً! إن كان شخص ما لا يستيقظ، فعليكم استدعاء طبيب."

​عندها يتبادل أولئك الأشخاص النظرات ويصفقون.

​يؤشرون على شونفيلد بإبهامهم ثم يهزون رؤوسهم ناظرين إلى الشاب. قد لا يكون الأمر مؤكداً، لكنهم يبدو وكأنهم بدأوا يدركون عدم فائدة شونفيلد.

الضغط على شونفيلد لن يفيد في إيقاظ الشاب!

متجاهلاً هؤلاء الصغار، يراقب شونفيلد الموقف جيداً، باحثاً عن أي فرصة لاقتياد الشاب والفرار.

​فوهة السلاح تعود لتستقر على رأس شونفيلد.

ولحسن الحظ، لم تصل لحد حجب الرؤية كلياً.

ذلك المتطفل الذي زعم إصابة ذراعه يطوف حول الشاب بوجه غارق في الدموع ويهز كتفه مجدداً، ثم يفتح يد الشاب ويحاول مسح ذراعه بها.

وبطبيعة الحال، لا يتغير شيء جراء ذلك.

متسائلاً ما إذا كان يؤدي نوعاً من تعاويذ السحر، يراقب شونفيلد المتطفل بعينين مفعمتين بالسخرية.

يجلس المتطفل أسفل الكرسي محاولاً وضع يد الشاب على رأسه كمن يتلقى مباركة.

يود شونفيلد الصراخ متسائلاً عن الفائدة من وراء هذا الهراء.

​انتظر!

​تضرب الدهشة العقل مع وميض بصيرة فجأة.

أيعقل أنهم يعتقدون أن الشاب قادر على شفاء الذراع المصابة؟

​أيعقل هذا؟

وسط مشاعر الاشمئزاز الشديد والحيرة العارمة، تتبادر إلى الذهن لحظة انتشار الحرارة من يد الشاب وهي تلامس كتف شونفيلد.

يبدو غريباً من جديد كيف أن المرء لم يتجمد حتى الموت رغم قضاء ليلة شتوية قاسية في العراء.

لكن ما من سبيل لتسرب شائعة كهذه؛ فالأمور المعجزة التي أراها الشاب لشونفيلد لم تُحكَ لأحد قط.

​فكرة "أيعقل ذلك" تتسلل وتجعل المعدة تتقلب برودة.

كلا. وحسبما يتذكر، لم يكن الشاب يتجول ليفعل أموراً كهذه مطلقاً. علاوة على ذلك، لو كان قد فعل حقاً، لكان ذلك الراهب العجوز قد ذكر الأمر.

ألم يكن ليستخدمه كمرتكز حين تفوه بكلمة "أناغامي" الغريبة؟

​ولكن، ماذا لو أن حالة واحدة من المساعدة التافهة أدت إلى سوء فهم بين الناس………………؟

​"هييه، لماذا تحاولون إيقاظه؟"

​يسأل مرة أخرى.

وبما أنهم أدركوا أن هذا ليس وجهاً مهدداً، فقد يجيبونه بهذا القدر. حينها، يتحدث أحد الواقفين حول الشاب باللاتينية.

​"هذا الشخص هو من يصنع المعجزات."

​تمنى ألا يكون الأمر كذلك، لكن حتى هذا ذهب هباءً.

يُزفر الهواء مع إحساس بتسرب القوة من الجسد بأسره. المتحدث باللاتينية يلتفت كلياً صوب شونفيلد، ناشراً يديه الاثنتين، ويتحدث بوضوح بصوت يملؤه اليقين:

​"هذا الشخص يمكنه حتى إنهاء الحروب وتقديم الطعام. هذا الشخص يملك القدرة على حل الأمور."

​"أي حرب تقصد؟"

​"أنت تعلم."

​يشير ذلك الشخص إلى شونفيلد ويتحدث بالإيماءات.

يهز شونفيلد رأسه نافياً.

​"كلا؟ لا أعرف. عن أي شيء تتحدثون؟"

​"أنت تلميذه. فلماذا تقول إذن إنك لا تعرف؟"

​"لو كان بالإمكان إنهاء الحرب لكانت انتهت منذ زمن طويل! ولو كان بإمكان ذلك الشخص خلق الطعام، أكان سيضطرنا للتجول كمتسولين نتلقى الصدقات...؟"

​تتوقف الكلمات في الحلق.

يسري شعور بالصقيع أسفل العمود الفقري.

ماذا قال الشاب؟ قبل زمن بعيد.

لم تكن المحادثات معه مدونة بالتفصيل في الديانة، ولكن مؤكداً، يبدو أن قصة كهذه قد رويت.

​الشخص الذي كان يتحدث باللاتينية يهز رأسه ويغادر المكان.

وحتى دونه، يكابد شتى أنواع الناس لإيقاظه حول الكرسي الخشبي البسيط حيث يجلس الشاب.

من شخص مسن قصير القامة إلى شبان أشداء، كل فرد يبدو أنه استُدعي من هذه القرية الريفية متواجد هناك.

​كلا، ليس الجميع قطعاً.

أيعقل حقاً أن هناك الكثير من الناس ممن يؤمنون بمثل هذه الفرضية المجنونة؟

العدد المرئي للعين لا يتجاوز عشرة أشخاص أو نحو ذلك في المجموع. في الوضع الطبيعي، شق الطريق من خلالهم لن يشكل أي مشكلة. الأيدي والأقدام تتحرك، لكن المصنوعات الشبيهة بالحديد تحجزها كلياً.

​ما كان للفلاحين أن يحصلوا بسهولة على أدوات كهذه…………….

​في تلك اللحظة، يجلس شخص ما في الجوار.

يُرفع الرأس ويُدار، لكن بسبب الزاوية، يستحيل رؤية وجه الجالس. وفجأة، يبدأ الجالس بالتحدث بالألمانية بلهجة بولندية ثقيلة.

​"الشخص الذي تحدث معك آنفا. يقولون إن طفله الذي أتم الخامسة عشرة من عمره هذا العام جرى تجنيده وذهب إلى الجبهة، لكن لا أخبار عنه."

​"إلى أي جزء من الجبهة؟"

​"تشيخانوف."

​"......."

​شيء ما يرتطم بالصدر ويمر.

الظلام يحفر في أعماق الوعي.

صورة بسط خريطة بولندا والتلويح بعصا القيادة ما زالت حية أمام الأعين. يردف الشخص الجالس بجانبه قائلاً:

​"أنا المعلم الذي علم أولئك الأطفال. سنستطيع اللقاء حين تنتهي الحرب، أليس كذلك؟"

​"قد لا تتمكنان من اللقاء."

​"إذن، علي الصلاة إلى الرب لينقذ الطفل."

​لكن ما باليد حيلة، فالجميع يموتون وهم يفعلون ذلك.

بعد الموت، وسواء كان الجيش الألماني أو الروسي، فالأمر لا يختلف كثيراً. شبابنا بلغوا الجبهة تبعاً لمبادئ العصر ذاته على أي حال. لا فرق بين شونفيلد وأولئك الفتيان أصحاب الخامسة عشرة، وهؤلاء الفتيان لا يختلفون عن شونفيلد.

أفأخبر هؤلاء القساة بالحقيقة؟

إن ظل المرء حياً، فعليه أن يغدو ثوراً لماتادور يدعى الوطن ليهيم في شتى حلبات المصارعة، وما من تاريخ صلاحية لتلك الرحلة، لأنها تستمر حتى الموت، وبعد الموت يستبدل المرء بشخص آخر.

​لذا، فإن آيزنبروك رجل ذكي أيضاً.

يغمض شونفيلد عينيه و بالكاد يفلح في الكلام.

​"......أيها المعلم. إن لم تصل أخبار رغم أن الحكومة الروسية حددت هوية المتوفى في الوقت المناسب، فهو على الأرجح لم يموت، بل يُرجح أنه يعيش كأسير حرب في ألمانيا."

​"أتصور ذلك أيضاً. لذا في رأيي، قد يكون حسناً محاولة اتخاذكما أنت الاثنان رهينتين."

​اكتشف المعلم بمهارة حقيقة أن شونفيلد والشاب جنديان ألمانيان.

​لابد أنهم عبثوا بالأمتعة.

يتجاهل شونفيلد تهديد المعلم ويستطرد في القول:

​"لكن إن لم يكن الأمر كذلك، فاحتمالية الموت عالية. وإن مات، فتقبل الأمر على أنه ميت....... أترغب حقاً في أن يعود طفلك حياً؟"

​شونفيلد، وهو يفكر في قديسهم الخاص، يغمض عينيه ويهز رأسه. ينكمش الجسد على نفسه.

تنساب الكلمات من الفم تباعاً، تلك التي كان ينبغي قولها أمام القديس لو أنه أنقذهم ببطء.

​"أترغب في أن يتمكن الأب من إعادة ابنه الميت؟ وإن أعيد، فماذا سيفعلون حينها؟ أيها الأحمق، فكر ببرود. ما لم تتخلى أنتم يا قوم عن وطنكم وتغادروا القارة، فلا خيار أمامكم سوى إرسال أطفالكم إلى ساحة المعركة مجدداً. أستخفون الطفل المُحيى في مخزن؟ أستفعلون ذلك إلى الأبد بينما يجوب مفتشو سانت بطرسبرغ شتى القرى ليلاً نهاراً؟"

​"أتودون جعله يهيم في ساحات الوغى حتى يموت، وبعد موته، ودون أدنى تفكير في إقامة جنازة، تحيونه مجدداً لترسلوه إلى ساحة معركة أخرى؟ بل أنتم من تقتلوننا، فاجعلونا نكف عن قتل أنفسنا بعد الآن. نعم، أعلم أن حتى هذه الكلمات جبانة، لذا اقتلونا ثمناً لخطايانا وأقيموا جنازة تتيح لنا دخول الراحة الأبدية. لابد أن طفلك يتمنى ذلك أيضاً."

​كلمات مشبعة بالبخار والغضب تنبعث من العمق، لكن لا يمكن إيقافها. وبأي جشع يزعمون أنهم سيقوون على إنقاذ شخص هوى في الألم؟

إنه يعلم أن المستمع لا يستطيع فعل شيء، ويعلم أن بصق هذه الكلمات ليس سوى جشع يُسكب في الهواء بلا متلقٍ.

المعلم البولندي لا ينطق بكلمة؛ فمن المفترض أن قلبه يتصدع وينفطر تماماً كقلب شونفيلد.

ومثلما يعلم شونفيلد بمشاعر المعلم، يمكن الإحساس بلا عناء أن المعلم يشفق على شونفيلد.

​يفتح المعلم فمه أخيرًا، وخلافاً لما سبق، يتحدث بصوت متشقق:

​"أقام يسوع لعازر من الموت."

​"لكن ذلك الشخص ليس ابن الرب على الأرجح."

​"......."

​"هييه، الشخص الذي أججلتموه في هذا الكرسي هو شخص لا يختلف عن أولئك الذين ربيتموهم في المنازل وعلمتموهم في المدارس. لست أحاول منعكم لأني أشفق على ذلك الشخص، بل هذه هي الحقيقة حقاً! ذلك الشخص، حتى العام الماضي-"

​مع ارتفاع حدة الصوت، تضغط فوهة السلاح على الصدغ.

يلوح المعلم بيده لتبتعد الفوهة قليلاً، ويقول بصوت حزين:

​"أكون ماضيه أهم لديه من استنارته؟ لقد كان يسوع المسيح نجاراً فقيراً، ووُلد فرانسيس الأسيزي في عائلة غنية جداً وارتدى الحرير الباهظ فوق جسده كله حتى غادر منزله. على أي حال، أولئك الناس أظهروا معجزات بلمس المرضى، وقد نقل شخص من الدير أن ذلك الشخص يتصرف وكأن فرانسيس الأسيزي قد تجسد من جديد. وقال إنك، مرافقه، لابد أنك تدرك استثنائية ذلك الشخص أيضاً."

​يعجز عن الكلام.

تماماً كما الجبال جبال والسماء والأرض سماء والأرض، يستطيع شونفيلد أيضاً الإقرار بأن الشاب استثنائي.

لقد أخبره الراهب أن الأشخاص ذوي الأبعاد المختلفة سيعكرون صفو طريق ممارسة الشاب. والسبب في قوله ذلك للمرافق شونفيلد، كان لأن تيار الدير بدا غريباً…………….

​أحدهم يقول إن ذلك الشخص هو أناغامي ويجب أن يمضي إلى المكان الذي يبتغيه عبر الممارسة، لذا فهم يطلبون من المرافق ضمان سلامة ذلك الشخص.

​وأحدهم يقول إن ذلك الشخص هو فرانسيس الأسيزي ويجب عليه إنقاذ المرضى عبر المعجزات، لذا فهم يأمرون المرافق بإيقاظه.

​قالت الملاحظة.

قالت إن عليه المراقبة. فما الذي يجب مراقبته هنا؟

​إن الإنهاك يبلغ مداه محاولة التحدث أثناء الاستلقاء، مع توتر القوة في العنق. كما أن استنشاق رائحة البارود المنبعثة من الفوهة الموجهة صوب رأسه أمر مرهق أيضاً.

يتمتم شونفيلد بصوت خافت:

​"......ذلك الشخص لم يمنح صدقة قط يا معلم. لم يكن بحوزتنا أي مال."

​"لقد منح فرانسيس كل ما يملكه من مال للفقراء في البداية بالطبع، لكن لم يكن ذلك كل ما في الأمر."

​المعلم بات على وشك البكاء:

​"نحن نعلم أن ذلك الشخص ليس يسوع الناصري. لكن يقال إن الرب يتكون من ثلاثة أقانيم، وأن المسيح سيأتي مجدداً. إن لم نؤمن حتى هكذا، فسوف نصاب بالجنون. وإن لم نؤمن بأن المسيح هنا، فكيف لنا أن نتحمل هذا العصر؟"

​الآن عجز شونفيلد عن فتح فمه.

لقد غدا الأمر هكذا للسبب ذاته الذي جعل المعلم لا ينطق بكلمة حين تحدث شونفيلد عن الموت.

يتحدث المعلم بصوت يمزقه التمزق:

​"العالم بهذا القدر من الألم، ومع ذلك أتقولون إن ملكوت الرب لم يقترب حتى الآن؟"

_______

شرح للفصل:

في هذا الفصل وضح المؤلف كيف يمكن لليأس أن يدفع الناس إلى صناعة "مخلّص" لأنفسهم.

بعد الحرب وفقدان الأبناء، سمع أهل القرية إشاعات عن لوكا، مثل أنه شفى أحدهم أو أن لمساته تبعث الدفء، فبدأوا يربطونه بمعجزات المسيح. لذلك كانوا يحاولون إيقاظه ووضع يده على المرضى معتقدين أنه قادر على شفاء الأمراض، وإعادة الموتى، وإنهاء الحرب، وحتى إطعام الناس، وهي كلها معجزات ارتبطت بالمسيح في الأناجيل.

أما شونفيلد فقد حاول إقناعهم بأن لوكا مجرد إنسان، وأنه حتى لو استطاع إعادة شخص للحياة، فإن الحرب ستأخذه مرة أخرى، لذلك المشكلة ليست في الموت بل في العالم الذي لا يتوقف عن إرسال الناس إليه.

وعندما ذكر المعلم قصة لعازر الذي أقامه المسيح، وفرنسيس الأسيزي الذي اشتهر بخدمة الفقراء والمرضى، فهو لا يقول إن لوكا هو المسيح حرفيًا، بل إنه يتشبث بالأمل لأن الناس إذا فقدوا إيمانهم بقدوم مخلّص في زمن مليء بالحروب والمآسي فسيفقدون عقولهم.

وهنا تظهر المفارقة التي بناها المؤلف منذ الفصل السابق، فالراهب البوذي يرى أن لوكا يجب أن يُترك ليكمل طريقه الروحي ويتحرر من كل التعلقات، بينما أهل القرية يريدون سحبه إلى العالم ليحمل آلامهم ويصنع لهم المعجزات.

وهكذا أصبح لوكا عالقًا بين طريق الاستنارة الذي يريده الراهب، وطريق "المسيح المخلّص" الذي يفرضه عليه البشر بسبب يأسهم، وهو المعنى الحقيقي لعنوان "تل الجلجثة"، أي أن لوكا بدأ يحمل على كتفيه آلام الناس وتوقعاتهم كما حمل المسيح صليبه.

2026/08/06 · 28 مشاهدة · 2185 كلمة
Nono
نادي الروايات - 2026