الفصل 838 " تل الجلجثة "
"لم يكن ملكوت الرب قريباً قط."
يهمس شونفيلد بهدوء.
صورة الحواف المهترئة للمذكرة والعلامة المرجعية التي ترفرف في الريح وهي تلامس أطراف الأصابع تبدو حية أمام الأعين. إنه شعور بارد، كأن ثقباً قد أُحدث في الصدر. وتستمر الكلمات.
"بالنسبة لي، الأمر هكذا."
بعد فترة طويلة، أجاب المعلم.
"الأمر سيان بالنسبة لي."
"هل سمعت صوت المسيح من قبل؟"
"بالتأكيد."
"هه، هذا أمر غير متوقع. ماذا قال المسيح؟"
لا يقول المعلم شيئاً.
يسأل شونفيلد مرة أخرى.
"كيف ستوقظه؟"
"أنا لا أعرف. ليس لدي خيار سوى الصلاة باجتهاد. ألا يعطينا القديس أفضل راحة يمكنه تقديمها، لو أنه يعلم أن حياتنا مليئة بالألم؟"
"أيعني هذا أنه لا بأس حتى إن لم يعد الشخص الميت إلى الحياة؟"
يبدو أن المعلم ينظر إلى شونفيلد مطولاً.
ولأنه يبدو حائراً، يستطرد شونفيلد في الحديث.
"ماذا لو كان ذلك القديس لا يعرف كيف يصنع المعجزات، وكان مجرد شخص لا يستطيع سوى احتضانكم؟"
وعلى نحو متزامن، سُمع صوت نحيب من بعيد.
حتى وإن كانت أصوات الاثنين لن تُسمع.
في تلك اللحظة بالذات، يتحدث ذلك الشخص النحيب إلى الشخص الذي بجانبه.
يتابع شونفيلد حديثه.
"ألا يكفي هذا وحده؟"
"......."
"أنا أتساءل فحسب."
وما زالت الإجابة غائبة.
يتحدث شونفيلد باتجاه مكان لا يوجد فيه من يجيب.
"أنتم لا تحاولون سماع الكلمات التي يقولها ذلك الشخص."
"صحيح أننا لا نسمع شيئاً لأن ذلك الشخص لا يستيقظ."
"كلا! فكر بصواب، أيها الأحمق. حتى وإن تلفظ ذلك الشخص ببعض الكلمات، أكنتم لتسمعوها بالشكل المناسب أصلاً؟"
"أي نوع من الأشخاص كان؟"
لماذا، أتريدون معرفة هوية الشاب الآن فحسب؟
إنه لا يدري. وهو يعلم أن الشاب أشبه بممارس ديني، لكن الشاب نفسه لا يبدو ذا دين.
ومع ذلك، كيف يكتسب مظهراً دينياً؟
حسنًأ، لعلّه ببساطة من ذلك الطراز من البشر.
ألم يبدع البشر الأديان بسبب شخص كهذا؟
إذن فالترتيب معكوس.
على أي حال، لن تكون هناك حاجة لإضافة المزيد من القصص حول مدى استثنائية الشاب لأشخاص خرجوا لجني الحظ عبر هزّ شخص فريد من نوعه تماماً وعصره حتى العظم.
أي نوع من البشر هو الشاب؟ الشاب هو….
"كان يحب تأمل النباتات."
"أي نوع من النباتات؟"
بالتفكير في الأمر، أنا لا أدرى.
يبدو أنه يميل إلى أي شيء طالما كان نباتاً حياً.
هناك حتماً سبب لتلك الأشياء التي يتفاعل معها بحدة بالغة حتى بعد فقده لجميع ذكرياته.
إنه يرى أن ذكريات الشاب لابد وأنها مدفونة في التربة.
شيء ما يبقيه مستمراً في المشي.
"ويستمر في الهيام باحثاً عن شيء ما."
برؤية الشاب واصلاً ترحاله بحثاً عن غاية ما حتى في حالته الخاوية، لربما لم يكن شونفيلد هو غاية الشاب المنشودة.
ولو كان شونفيلد هو غاية الشاب القصوى، لتوقف عن الهيام فور العثور عليه. إنه يقول لشونفيلد: دعنا نجد ما نسيناه معاً.
ويسأله أن يخبره عنه هو الآخر بالمناسبة.
إذن، فغاية الشاب ليست مهمة.
وبما أنه شخص يقول لنقرأ الكتاب دون الاكتراث بالنهاية، وبما أنه شخص يقول لنرى السماء معاً هذه الليلة حتى وإن كان محصل الديون يطاردنا، فهذا ليس بالأمر المهم.
على أي حال، وإن نظرت إلى الأمر من هذه الزاوية، فلم يكن شونفيلد نفسه غاية الشاب بحد ذاته.
إنه يحدس أننا نقف عند تقاطع قطعتين مستقيمتين.
ويواصل حديثه.
"وهو يقول دعنا نقوم بجولة سياحية في العالم. ويلتمس النوم تحت ظل شجرة ويجلب ما يسد الرمق. وبينما يطلب مني إخباره بأفكاري، لا ينبس بكلمة واحدة. بالطبع، إن سألته، فهو يجيبني لكن..."
يشعر شونفيلد ببرودة تسري في قسيمة أنفه لسبب ما.
يعود ذلك لتسلل فكرة أن الشخص الجالس على الكرسي ربما قد لقي حتفه.
ينبض القلب بسرعة، لكنه يبذل قصارى جهده ليهدئه قريباً.
"......إن سمعته يتحدث، ستتولد لديك حيرة وفضول تجاهه. ذلك الشخص ليس ممن يسهل علينا إدراكهم. لذا فطريقتنا في تفسير ذلك الشخص ستتخذ آلاف الأشكال المختلفة أيضاً."
مجرد إلقاء نظرة على حالة هذه الغرفة يكفي للدلالة على ذلك، ولكن.
تتجمع الكلمات في الصدر.
لقد كان أنا الماضي يكرهه ويشتاق إليه في آن.
أما ماضيه الأبعد والقريب فكان يلقبه ببطل قومي.
ويرجع ذلك إلى أنه لم ينحدر حتى لمستوى مظاهر الشاب التي لا يمكن سبر أغوارها ذلك الموضع الذي يواري الشاب، الذي تعلم قوانين المجتمع، خلف بزته العسكرية ولا ينوي إظهاره مطلقاً. وفي الآونة الأخيرة جداً.
يسأل المعلم بهدوء.
"أي نوع من الكلام يكرر ذلك الشخص قوله عادة؟"
"أنت تحاول الاستماع إلى أمور تخص ذلك الشخص عبر صوتي. أنتم ميؤوس منكم."
"لأنه لا يستيقظ."
"حقيقة أنه لا يمكنكم معرفة أمر ذلك الشخص إلا من خلال صوتي تجعلكم ميؤوساً منكم منذ البداية! قبل أن تجلبونا عبر طرحنا أرضاً، لم تخطر ببالكم أدنى فكرة عن مجرد الحديث معنا."
"أنا آسف."
يقول المعلم. إنه أمر مزعج.
المعدة تتقلب. والسبب أن صوت المعلم، الذي تهتز أطراف كلماته طوال الوقت، يشي بالكثير من الأشياء.
لن يرغب المعلم في اتخاذ شخص ضحية، ولن يرغب في غرز مسمار في كف إنسان.
ولعل المعلم يطابق بين شونفيلد أو الشاب وبين طلابه الذين انطلقوا إلى ساحة المعركة........
دعنا لا نتمادى في التفكير إلى هذا الحد.
على أي حال، الواضح هو الآتي.
لابد أن المعلم يتمنى بيأس حلول السلام الذي يسبق الحرب لا غير. لا يدري شونفيلد أين ينبغي أن يتقيء هذه الكلمات الغليانة. إنه يندد به الآن لمشاركة المعلم في أمر شائن، ولكن في النهاية، أليس الأمر عديم الجدوى تماماً لأن ذلك الشخص عاجز بدوره عن تغيير أي شئ؟
يُسمع صوت نشيج من ناحية المعلم.
وقبل أن يمضي وقت طويل، يعثر شباب أشداء على المعلم العجوز، فيحيطون به ويتجادلون بصوت عالٍ.
ينهض المعلم من مقعده بوجه قلق ويشرع في مجادلتهم.
لا يستطيع تتبع كل جملة، لكن يبدو أنهم يسألونه عن سبب بكائه بينما يتحدث مع سجين.
ويظهر أن أولئك النفر يحاولون التحقق مما إذا كان المعلم يتحول إلى خائن أم لا.
هو لا يدري ما قاله المعلم.
يبدو أن شابين مفتولي الساعدين يمسكان بكتفي شونفيلد، ويجبرانه على الجلوس، ويقولان شيئاً مشيرين إلى الشاب. يترجم المعلم تلك الكلمات.
"يطلبون منك التحدث لكي يتمكنوا من معرفة كنه ذلك الشخص."
النية واضحة جل الوضوح، لذا يتصلب وجه شونفيلد.
لابد أنهم يحاولون العثور على مفتاح مذهل ليدفع الشاب لاستعادة وعيه.
أيمضون لجلب ما يعده الشاب قيماً أم لسحبه منه؟
حسنًأ، إنه يعلم دون سؤال.
النوايا الدفينة للأقوياء واضحة وضوح الشمس.
يفتح شونفيلد فمه.
"لقد أخبرتكم. سيكون ذلك الشخص مغايراً لتوقعاتكم وقطعاً."
"مع ذلك، أرجوك أخبرنا. إن أردت النجاة..."
"آه، اللعنة! إن أردت النجاة، فبامكانكم إطلاق سراحنا فحسب."
حينها سيغدو موقف ذلك الطرف غير آمن، لذا فلا مفر.
وهو يتفهم ذلك.
يبدو أنه، ومجرد ارتفاع الصوت قليلاً، وبرؤية حالة سحب المزلاج مجدداً بجانب الرأس، لا يسع الغضب إلا أن يتدفق متصاعداً.
يبدو أن ذلك الوغد لا يدرك وجوب عدم تلقيم السلاح في أي وقت. يحول شونفيلد نظره عن المعلم ويصرخ في وجه الشباب الواقفين أمامه.
"هييه، إن أخبرتكم، فماذا ستفهمون؟ أنا أيضاً لا أعلم شيئاً عن ذلك الشخص! لقد صار ذلك الشخص خبيراً في سرد شؤونه الخاصة كما لو كانت شؤون شخص آخر، وحتى وإن قص قصته الخاصة، فلن يستوعبها منطقنا قط. لذا، وإن سمعتم كلام ذلك الشخص، فستقولون حتماً إنه إنسان أناني محوره ذاته."
لأن ذلك الشخص شديد الاختلاف، فقد أخفق بطبيعته في جعلكم تفهمونه!
الأمر هكذا ببساطة، فلننزع عنه أي معانٍ مزعجة، لكن من الواضح أنهم سيهرطقون قائلين إنه سيظهر لنا معجزة لكونه مختلفاً. الضحكة لا تكاد تخرج.
كلا، فبعد الحديث مع الشاب، ستقولون أنتم يا هؤلاء الآتي.
ستقولون إنه إنسان عنيد، متشائم أو متفائل، وتمادياً إلى أبعد من ذلك، بأنه شديد الحساسية ومثير للشفقة، هكذا ستتفوهون بينما الشاب يقبع على حاله.
والسبب هو أن ذلك الشاب شديد الاختلاف.
ومن يتسمون باختلافهم الشديد عادة ما يكونون في وضع غير ممتاز في نظرية الأقوياء.
وحتى وإن اكتفى بسرد تفاصيل حياته، فذلك لبدا وكأنه يكافح ليدفع العالم للاعتراف باختلافه.
لذا، وبالنسبة للآخرين، يبقى إطباق الفم هو السياسة المثلى.
أنتم المجرمون المضحون بأنفسكم ستقولون هذا حتماً، وشونفيلد نفسه في الأيام التي كان يجادل فيها المشرف حول رواية <البؤساء> لكان سيدرك جيداً مغزى هذا الكلام.
إذن، وبصيغة أخرى، شونفيلد في هذه اللحظة لا يعرف من يخاطب.
إنه لا يستوعب من جديد سوى حقيقة أن الحياة تعود وتكرر نفسها. ويخيل إليه أن تعبيرات السخط على وجوه السكان المحليين لربما كانت هي وجه شونفيلد القديم نفسه.
يرتفع شعور بالغثيان، لكن الشاب طالما تحدث مطولاً عن قصة نهر دورانس في مواجهة ذلك.
وعلى هذا، وحين يفكر بالأمر، فهو لا يتحدث إيفاءً للشاب بحقه.
إنه يصرخ في وجه الذات التي خلفها وراءه.
"حتى وإن كنتم ستعلقونه على صليب لأنه يختلف عنكم مجرد سماع كلماته بصوته، فلماذا تسألونني أنا إذن؟"
تباً، إنه المسيح أينما حللت، ولا محيد عن الأمر حتى وإن شعر بالأسف لكون ذلك الشخص يحمل على عاتقه شتى أنواع العلق بدءاً من بليروما.
لأن تيارات الجبال والأنهار لن تفهم السماء إلا بقدر ما تحتويه داخل حدود كيانها.
لذا ينبغي ألا تحاول السماء ملاءمة الجبال والأنهار.
وعقب إتيان ذلك، يشعر شونفيلد بالوحدة.
يبدو من السخافة بمكان محاولة إيقاف هؤلاء السكان هنا.
صوت الشاب غائب لا أثر له، ولا وجود سوى لأناس يقفون على الجانبين يخمنون، ويفترضون، ويعيدون تمثيل المشاهد.
أولئك القوم الذين أجبروا شونفيلد على الركوع يطرحونه أرضاً وسط تنهدات عميقة إثر استماعهم للترجمة.
ويمضون نحو ركن الغرفة برفقة المعلم ليتشاوروا.
يهز المعلم رأسه مشيراً إلى شونفيلد.
يبدو أن الشبان يصيحون في وجه المعلم، فيرفع المعلم صوته بالمثل قبل أن يسدل كتفيه بيأس في النهاية.
يغادر الشباب الغرفة. فيقترب المعلم عاجلاً ويهمس:
"انظر هنا. أليس هناك حقاً أي سبيل آخر لإيقاظ ذلك الشخص؟"
"......."
"قومنا ينوون الآن إرسال ذلك الشخص إلى مكان أرفع شأناً من هنا. ويبدو أنهم يبتغون بعد ذلك سؤال ذلك الكيان الرفيع ليستجيب لمبتغانا كعشية أمل إضافية."
يشعر شونفيلد بألم يداهم رأسه.
ولا يملك سوى أن يخفض هامته.
كم من الوقت انقضى، يدخل شاب هزيل البنية إلى الغرفة ويومئ للمعلم بإشاراته.
ومع اندلاع كلمات الشاب الصاخبة، يتشرع المعلم في الترجمة وهو يرقب المزاج العام.
"يقول هذا: 'لقد استوعبت كلماتك جيداً. لقد أدركت مغزى القول بأنه لن يكون شبيهاً بالمسيح حتى وإن تحدثتم إليه فعلياً'."
يتساءل عن نوع الهراء هذا، لكنه يقرر عدم الوقوف عنده وتفنيده. يغمض شونفيلد عينيه مطلقاً تنهيدة زفير.
"لكن، ماذا لو كان ذلك الشخص قادراً على تغيير العالم حقاً؟ سأريكم أن ذلك الشخص يملك مقدرة كهذه. لنر إن كنتم ستستطيعون التشدق بالحديث بلا فائدة كما تفعلون الآن حتى بعد ذلك."
ماذا؟ في اللحظة التي يفتح فيها عينيه، يرى شخصاً يقتحم الغرفة ممسكاً بسكين.
شونفيلد، ماداً عنقه، يفحص ذلك الشخص الغريب.
"انتظر، ماذا تفعل… ؟"
"لن يكون الأمر خطيراً. أنا أضمن ذلك. أرجوك انتظر قليلاً."
ينطق المعلم بذلك ثم يفتح عينيه على وسعهم فجأة وكأنه استوعب للتو حماقة الكلمات التي تفوه بها.
"أيعقل هذا؟ تفوه بما تعرفه!"
وحين يصرخ شونفيلد وعيناه تشتعلان غضباً، ينطق الشاب بكلمات موجهة للمعلم.
فيقوم المعلم بترجمة ما كان يقوله.
"على ذكر الأمر، وبرؤية أن الحرب لم تنته وأنك في هذه الحال، يبدو أنك لم تنل شيئاً يُذكر من ذلك الشخص. فكيف لم تفكر بصنع أمنية ملائمة طالما كنت برفقة ذلك الشخص؟"
لقد نال خبزاً وثمار توت بري أحمر.
يعود بذاكرته للوراء متسائلاً عما إن كان قد تمنى أمنية قط.
لقد تمنى ألا يشعر بالبرد، وتمنى أن يفلح في ملء معدته، وتمنى أن يقوى على الرحيل إلى أي مكان.
وطلب منه قراءة الكتاب بصوت عالٍ.
تعاود عيناه مسح المكان في الخلف.
وسط الظلام، تروح الأجسام البشرية وتجيء في حركة دؤوبة.
"حين يستيقظ ذلك الشخص، تمنَ أمنية عظيمة بحق ذلك الشخص."
"انتظر دقيقة. هييه! انظر إلى هنا!"
يصرخ شونفيلد في وجه الشخص الذي كان يمسح السكين بالماء. يصرخ باللاتينية وأيضاً بالبولندية المقتضبة، لكن أحداً لا يلتفت إليه.
لقد أُمِر بتمني أمنية عظيمة، لكن الغريب أنه لم يعد هناك أساساً أي شيء ليس بعظيم. فما كان عليه أن يتمنى إذن؟
العالم يبطئ من إيقاعه.
وكل ما لفظه قلب مغلي لا يبلغ هؤلاء البشر.
هذه الحقيقة توقع شونفيلد في حالة إدراك جديدة تماماً.
إنه يستحضر الشاب وهو يستل قصة الموتى من صدره وينشرها على مصراعيها. ويعتقد أنه أدرك لمَ أقدم الشاب على فعل ذلك. ألا يوجد حقاً من يحاول الإصغاء إلى قصة إنسان؟
______
شرح للفصل:
وضح المؤلف أن المشكلة ليست أن الناس لا يسمعون لوكا، بل أنهم لا يريدون سماعه أصلاً، فهم يريدون منه فقط أن يحقق أمنياتهم.
شونفيلد حاول إخبارهم أن لوكا شخص يحب النباتات، والتأمل، والسفر، والحديث عن الحياة، وليس قديسًا يسعى لصنع المعجزات، لكنهم لا يهتمون بهذه الحقيقة.
بالنسبة لهم، لوكا ليس إنسانًا له أفكاره ومشاعره، بل أداة لإنهاء الحرب وإحياء الموتى.
لذلك صرخ شونفيلد بأنهم حتى لو سمعوا كلمات لوكا مباشرة فلن يفهموه، بل سيحكمون عليه أو يعلقونه على الصليب كما فعل الناس بالمسيح لأنه مختلف عنهم. لهذا قال جملته المؤلمة: "حتى وإن كنتم ستعلقونه على صليب لأنه يختلف عنكم، فلماذا تسألونني أنا؟" وهنا يصبح عنوان "تل الجلجثة" واضحًا،فلوكا ليس المسيح، لكنه يعيش المصير نفسه،الناس لا يريدون معرفة من هو، بل يريدون استخدامه لخلاصهم.
وفي النهاية يصل شونفيلد إلى إدراك مهم جدًا: عندما كان لوكا يحكي عن الموتى أو عن الحياة بطريقة غريبة، لم يكن يتكلم لأنه يحب الكلام، بل لأنه كان يبحث عن شخص يصغي إليه حقًا. لكن مثلما يحدث الآن، الجميع يسمعون ما يريدون سماعه فقط، ولا أحد يحاول فهم الإنسان الذي يقف أمامهم.
وهكذا شعر شونفيلد أخيرًا بالوحدة التي كان لوكا يعيشها طوال الوقت.