الفصل 840 " تل الجلجثة "
هو لا يعرف كيف تبدو بقرة ذلك الشخص.
تبدو الحياة وكأنها تجربة واحدة متواصلة.
الأمر مؤلم، لذا فهو يمشي ثم يمشي مجدداً، ومع ذلك يعجز عن القبض حتى على ذرة هواء واحدة.
وربما يكون الأمر مؤلماً لأنه يجهل كيف يمسك بذرة هواء.
أأفلت قليلاً من المستنقع؟
لقد تلاشت في دياجير الماضي البعيد تلك الأيام التي كان يراقب فيها بيسر واسترخاء الجهة التي تقصدها خطوات الآخرين، ولينتهي به المطاف في مستنقع مجدداً.
يدور ويدور، ليهوي في مكان ما.
ولا يعني ذلك بالضرورة أنه الجحيم.
ولعل الحياة مجرد هكذا لا أكثر.
فقط هذا، وفقط ذاك، وفقط اليوم، وفقط الغد، وفقط هذه الحياة، وفقط هذا العصر، متى ما أُطلق سراحه، متى ما انتهت الحرب، على أي حال، لو أمكن للمرء أن يلقي بهذا النوع من الحاضر دفعة واحدة، فلقد آمن عبثاً بأنه سيغدو سعيداً، وأنه لن يغرق بعد الآن في مثل هذه الأفكار اللزجة.
وكان العيش على هذا النمط أيضاً.
وإذ يدرك أن هذا عبث لا طائل منه، انتهى به المطاف حتى إلى توجيه بندقية نحو رأسه، ومع ذلك يجد نفسه يتنفس من جديد، لتتكرر عبثية الأمر مرة أخرى.
ولعل هذا أشبه ما يكون بدوامة السامسارا.
هو لا يعري من سيلقي به، ولا كيف يمكن إلقاؤه.
وهو لا يدري حتى ما إن كان البشر قادرين على التخلص من أمور كهذه. ورغم وفرة الكتب منذ القدم، إلا أن العالم ظل على حاله حتى بعد بلوغ عام 1900 ميلادية، ورغم أن كل فرد قد يكون مؤلف حياته الخاص، إلا أن البشر يرحلون دون أن يعيشوا حتى نصف صفحة، ومع انتقال المعارف وتوارثها، يجب اكتساب الحكمة عبر تكرارها، لتهرم البشرية وتعود لتبدأ كرضيع حديث الولادة، فكيف يمكن كسر هذا السير الكسول على حافة آلة الجري؟
فجأة، يبدو كل شيء عبثياً.
إن التفكير على هذا النمط عبث بحد ذاته.
كلا، يجب صياغة الأمر بدقة.
لم تكن هناك قط فكرة بأن الكثير من الناس سيصبحون سعداء بمجرد أن تنتهي الحرب.
لقد سلبت الحرب شونفيلد القديم من شونفيلد نفسه، وانتهت به إلى تحطيم وطنه وذاته الحالية معاً.
لقد قتلت الحرب بقرة ذلك الشخص وجدته.
وحتى لو لم يُرْدَ المرء قتيلاً برصاصة، فهو إنسان يموت بسبب الحرب. وحين تنتهي الحرب، سيعيش أولئك الذين ما كان يجب أن يموتوا. وهذا لا يتغير، وتلك الأمنية ليست عبثية.
ولهذا السبب يجب أن تنتهي الحرب.
فنحن، الذين نكافح بيأس لإنهاء الحرب، لسنا على خطأ.
غير أن شيئاً ما يبرق كالبرق ويصدم رأسه.
تلك العبثية تكمن في مكان آخر، فاعتقاد إمكانية نبذ الألم بضربة واحدة هو بحد ذاته أمر عبثي.
فالسعي الحثيث لإيجاد اختراق بضربة واحدة هو عبث تام.
فشونفيلد بنفسه، والطفل الذي فقد بقرته، كلاهما يقومان بأمر عبثي.
"أنا."
يتمتم شونفيلد.
"أنا لا أريد أن أقول لك شيئاً."
لأني لا أعرف كيف تبدو بقرتك. هكذا يفكر.
لا يُسمع أي رد.
"لكن، إن كنت تظن أنك أنا، فهناك ما أود قوله، ورغم أنني أجهل ما إن كنت أملك الحق في صياغته، فإن كنت تؤمن حقاً بذلك، فسأحاول أنا، بدلاً من أي "نبي" مزعوم، أن أتحدث بصوت ذلك الشخص، لذا فاعتبر من الآن فصاعداً أن ما أقوله هو ما يقوله ذلك الشخص، وأصغِ إليه."
ومع بلوغ كلماته نهايتها، يتنفس شونفيلد بصعوبة ويطلق ضحكة مكتومة رافعاً أحد كتفيه نحو السماوات.
التحدث نيابة عن شخص ما!
إنه يعلم أن أمراً كهذا يستحيل أن يكون.
أيعلم ذلك الشخص بذلك أيضاً؟
إن شونفيلد يثرثر فحسب كما يحلو له، ورغم ذلك لا يملك الجميع سوى الإصغاء إلى مثل تلك الكلمات بكل جدية.
وهم أيضاً، وشونفيلد نفسه أيضاً، لأن أولئك القوم قتلوا الشاب.
ومن هناك، سار كل شيء في الاتجاه الخاطئ.
وهو يجهل ما إذا كان جسد الشاب حياً أو ميتاً.
على أي حال، حتى لو بقي الجسد على قيد الحياة، فقد قتلوا الشاب، وبما أنه لم يعد قادراً على الكلام، وجب على شخص آخر أن يتحدث.
تماماً مثلما شهد الشاب عما رأه من الموتى.
لو أن الموتى لم يموتوا وكان بإمكانهم الكلام، كم كان سيكون الأمر رائعاً. حينها، في عالم عادل كهذا، لما وُجد شيء اسمه كتب، ولما احتاج البشر إلى أن يتحولوا إلى سرديات.
ولما كانت هناك حاجة لقرع الطبول ونفخ الأبواق بأصوات الموتى يوماً بعد يوم.
ولما وُجدت حاجة للشعور بالعبثية أمام مكتبة الإسكندرية المحترقة.
ينظف شونفيلد حلقه.
إنه أمر شديد السخافة لدرجة أنه يقود نحو الموت، لكنه على أي حال يحاول هو الآخر استخلاص صوت الموتى من صدره.
"أنت تقول إنك تعرفني."
"......"
"أنا لا أعرف وجهك. أنت تتحدث معي في قلبك، وتصلي لي، وتصل إلى معرفتي، ولهذا تقول إنك عشت معي، لكني لا أعرف صوتك."
سواء أكان الشاب ليصوغ ذلك أم لا، يبدو أن صوتاً تشكل داخل الصدر يتدفق مع ابتسامة خافتة.
لا يماثل الأمر أهمية من أخبرك عني.
وماذا ستفعل حتى لو تعرفت عليّ؟
إنه يصغي بهدوء إلى ذلك الصوت الذي يسأل هكذا.
إنه يريد أن يطلب منه الكف عن عاطفيته.
أريد الذهاب بعيداً عنك.
بعيداً جداً... إلى مكان لن تُرَى فيه أبداً، على أمل أن أختفي من ذاكرتك. وبما أنك تقول إنك تعرفني في هذه اللحظة، فأنا أريد الهروب من هذا الزمان ومن هذا المكان أيضاً.
ولو كنت أنا الشاب، لو أنني ولدت كإنسان لا يطيق أي شخص ينغمس في العاطفة فهمه، لكانت تلك الحياة بمثابة حياة لم تكن موجودة قط.
وسواء أكنت قد ولدت هكذا، أم كان لي رأسان وأربعة أذرع، أم كانت لي ساق واحدة، فإن كنت ستجعلني يهوه أو تحولني إلى متسول، فأنا أريد أن أكون منفصلاً عنك إلى الأبد.
في الحقيقة، أود أن أبتعد عن تلك ‘أنا’ التي صغتها أنت.
لأن كتلة الطين تلك تلتصق بجلدي وتعتصر قلبي.
أنا لا أعرفك، ورغم ذلك فإن ذلك الطين الذي صغته أنت يدعي أنه يعرفني. حسناً. إذن سأذهب إلى مكان لا أضطر فيه للشهادة عن نفسي. إن مراقبتي وأنت تغزو الكتاب الذي هو حياتي قد أنهكتني، لذا سأرحل.
دعني أذهب إلى مكان لا أضطر فيه للتحول إلى مؤلف....... حتى وإن غادرت هذا العالم، فأنا أتمنى ذلك.
لكن لو كان الأمر يخص الشاب، فكيف كان سيتحدث؟
إنه يستعيد ذكريات الشاب التي تركها وراءه واحدة تلو الأخرى.
"...مع ذلك، لن أطلب منك الاختفاء من أمام عيني، نعم، لربما كنت أحبك أيضاً. وبينما أنت تطعنني بالسكاكين معتقداً أنك تمتلك الحق في ذلك، فأنا لا أفكر في أي شيء يخصك. وربما يكون هذا هو نوع الشخص الذي تتحدث عنه."
وحين يقول إنه لا يفكر في أي شيء، يتفجر شعور بالارتياح من الأعماق. هذا هو الشاب.
يكاد شونفيلد يقطع بذلك.
طوال معظم حياته، لم يمر عليه قط يوم لم يفكر فيه في الآخرين. لقد كره، وأعجب، وأثنى مراراً وتكراراً، لكنه لم يسبق قط أن تخلى عن التفكير.
ولعل من فقد بقرته سيكون على الشاكلة ذاتها.
"لكنني أعرف نهايتي، سأعيش بسببك وسأموت بسببك. بالطبع، وحتى مع ذلك، فلن ترمش لك عين. أنا لم أكن قط عائداً لأعيش داخلك. أليس كذلك؟"
"......"
"ليس الأمر أنني لا أفهم. فأنا أتمنى بدوري أن تنتهي الحرب، وأريد أن أسمع المزيد عن تلك البقرة والجدة اللتين تتحدث عنهما. أنا لا أعرف ما إذا كنت أمتلك الحق في قول أمور كهذه، لكن..."
يبلع ريقه. بدا الأمر وكأن شونفيلد نفسه، لا الشاب، هو من كان يثب خارجاً، ورغم ذلك فلا أهمية حتى لهذا.
لقد غدت كلماته هي كلمات الشاب ثم عادت لتصبح كلمات شونفيلد، وصارت كلمات شونفيلد لتعود مجدداً كلمات الشاب.
أيعرف هؤلاء القوم أصلاً ما يعنيه ألا يستطيع الشاب الكلام بفمه الخاص؟ لعلهم لا يملكون أدنى رغبة في معرفة ذلك.
فالإنسان الواقف أمام حافة منحدر لا يرى سوى وضعه الخاص على شفير الهاوية.
ورغم ذلك، لا يمكن للمرء أن يمسك بقدم شخص آخر يعتقد أنه يمثل طوق النجاة ليهويا معاً.
ما كان ينبغي لهم تجنيد الشباب وإرسالهم إلى الجبهة معتقدين أنها طوق النجاة.
وما كان ينبغي لهم إطلاق النار على الجنود الروس وقتلهم ظناً أنها طوق النجاة.
وربما فروا هاربين معتقدين أنها طوق النجاة، ولكن حتى ذلك—
على أي حال، حتى وإن ماتوا على هذه النيّة، فهو يعلم أنه لا مفر من الأمر. متوسمين العثور على ذهب، شقوا البطن، فلم يتبق سوى ساعة عتيقة.
ومن وراء الجدار، يُسمع صوت همس رطب وخافت.
"إذن ماذا علينا أن نفعل؟"
"أنا لا أعرف، لماذا تسألني أنا؟"
"إن وصلنا إلى معرفة ذلك الشخص بشكل كافٍ، فهل يعني ذلك أن بإمكاننا حينها تمني معجزة؟"
تباً، يستقرئ شونفيلد أنفاسه بينما كان على وشك الاستغراق في الغضب. ثم يتحدث.
"من يدري. لكن بحلول ذلك الوقت، قد لا نكون راغبين في تمني معجزة على هذا النحو."
على الأقل أنا لن أفعل، يبتلع شونفيلد تلك الكلمات.
على الأقل، لم يكن يود تمني أمنية من الشاب بهذه الطريقة.
غير أنه يعجز عن تفسير السبب بالكلمات.
وحدها سلسلة من الأفكار تظل عالقة..... يضغط خلال وعيه الآخذ في التلاشي ويتمتم:
"أريد أن أترك ذلك الشخص وشأنه لكي يتمكن من المشي بقدر ما تطاوعه قدماه على المشي. فإن استطاع العيش بمفرده باتجاه المكان الذي خططه، فسواء وقف أمامي أم لا، فهذا لا يعنيني في شيء."
يبدو وكأن طيف سوكسي يمثل أمام عينيه.
تتساقط الرقاقات المتناثرة بشكل متفرق من السماء لتتراكم على الأرض، وذلك التراكم يتحول إلى حزم من الورق الأبيض الطويل التي تظهر حين يغض عينيه ويفتحهما، ثم تختفي حين يغضهما ويفتحهما مرة أخرى.
يقول صوت ما: لا علاقة لذلك بإعادة بقرتنا إلى الحياة.
يصعد جواب في صدر شونفيلد.
هييه، أتظن أن القدر سيعير اهتماماً لمشاعر البشر العابرين عبر الحاضر؟ إنه سيلتف ويلتف ليحملنا إلى مكان لا نعلم عنه شيئاً.
نعم، إن وُجد حقاً شيء بائس كالقدر……….
في تلك اللحظة، يرى شونفيلد قطعاً لم يكن يرغب في تركيبها معاً، وهي تترابط واحدة تلو الأخرى.
تتشابك أسباب ونتائج جميع الأفعال والأفكار كالسلسلة.
وبشكل غريب، تتدفق في انحناءات لتشكل حيزاً وشكلاً وزمكاناً. يغمض شونفيلد عينيه.
وإذ يقف تحت مرج أزرق وسحب بيضاء، يشعر برياح عاصفة تضرب جسده بأسره.
وحين يرفع بصره نحو السماء، يدرك الحقيقة.
تماماً مثلما تعجز النملة عن رؤية السماء، فإنه لا يبلغ بصره سوى شكل مكعب للزمكان.
إن السببية في صورة المعرفة المطلقة والتدبير المسبق تستقر في راحة كفه. وإن أراد المرء إنهاء الألم، فلا خيار أمامه سوى تتبع هذه السلسلة الخفية حلقة بحلقة وفكها إلى الأمام.
وحينها سيقطع هذه السلسلة.
والآن عليه أن يرى إلى أي مدى انقطعت العقد الأخرى عنها.
وما يخيم عليه القسوة هو الحدس بأن تلك التغييرات قد لا تقع ضمن الزمن البشري أو العقل البشري.
فزمن الإنسان منذ المهد إلى اللحد، في أحسن الأحوال، هو مائة عام. يرفع بصره أولاً من مكانه ليتأمل ما وراء السماء.
ومقباً على السببية التي لطالما أسماها سماءً، يرى الخطوط الدقيقة المنقوشة في راحته.
المعرفة تُتوارث، لكن الحكمة تبدأ من جديد، ولأنها تبدأ من جديد، تُحفظ السفن ويُعاد بناء غيرها.
اللعنة، هكذا هي الأمور إذن.
لا يوجد مكان للهروب لا من الألم ولا من الحب.
هو لا يعرف كيف تبدو البقرة، ولا يدري كيف بدا الموتى الذين أبكوا الشاب.
ورغم ذلك، إن كان الشاب يحبهم حقاً، فهو يدرك الآن كيف أن أمراً كهذا ممكن.
قد لا يكون قادراً على الحب مثل الشاب، لكنه يستطيع على الأقل أن يفهم.
يشعر شونفيلد وكأن بإمكانه أن يحبهم وسط غضب عارم.
وهذا الغضب سيتلاشى حين تصبح حياته واحدة مع العالم وتتحول إلى رماد.
وإذ عاش هذه المدة الطويلة، فسيعرف السببية الكامنة وراء المكعب أفضل من ذي قبل.
وما هو مجهول سيبقى على حاله، بيد أنه سيعرف أنه يجهل.
وكأن سداً في صدره قد انهار، إنه يتحرر.
لم يمر عليه قط وقت شعر فيه بهذا القدر من الارتفاع، ولم يختبر قط مثل هذا الألم.
ومع ذلك لم يتدفق نور ساطع كهذا قط.
سواء من الإرهاق المتراكم في الذراع الملتفة إلى الخلف، أو لأنه يدور ويدور داخل العجلة، أو لأن الرياح تجتاح أخيراً جسده بأسره، يبدو العالم الذي تراه عيناه ضبابياً ومغشياً عليه.
وحين يغمض عينيه، تنساب الرطوبة نزولاً إلى رموشه الداخلية.
ولكن بعد مرور بعض الوقت، تلامس حاسة الشم لديه رائحة مألوفة باهتة، وتتفتح حواسه.
ويُسمع صوت الشاب الواضح.
"قلت إن هناك كتاباً كنت تود مني قراءته بصوت عالٍ، آنا."
____
شرح للفصل:
في البداية، يستغرق شونفيلد في التفكير بأن الألم لن يختفي حتى لو انتهت الحرب. صحيح أن إنهاء الحرب ضروري، لكنه يكتشف أن الاعتقاد بأن حدثًا واحدًا سيزيل كل معاناة البشر هو وهم. فبعد الحرب ستبقى الخسائر والذكريات والجروح، تمامًا كما بقي ألم الشاب الذي فقد بقرته، وألم شونفيلد نفسه.
بعد ذلك، يتخيل أنه يتحدث نيابة عن لوكا لأن لوكا لا يستطيع الكلام. لكنه يدرك شيئًا مهمًا: الناس لا يريدون معرفة لوكا الحقيقي، بل يريدون لوكا الذي صنعوه في خيالهم؛ قديسًا أو مخلّصًا يحقق معجزاتهم.
بينما لوكا الحقيقي إنسان يريد فقط أن يعيش طريقه بنفسه، لا أن يتحول إلى رمز أو أداة لإنقاذ الجميع.
حينها يستنتج أنه لا يمكن إزالة الألم بضربة واحدة أو بمعجزة، بل يجب فهم أسبابه المتراكمة (السببية) ومحاولة تغييرها خطوة بخطوة. وهكذا يفهم أخيرًا لماذا كان لوكا يصغي لقصص الموتى والناس جميعًا؛ لأن فهم ألم الآخرين هو البداية، وليس تقديم معجزة تمحو كل شيء.