بعد أن كان الاثنبن سيذهبون للبحث عن أهالي القرية، توقّف يوسافير ونظر إلى الجدار الذي يفصل ذلك المكان بالجهة الأخرى.
مسح يوسافير الجدار ببصره ثم نادى على يوراي الذي كان أمامه: يوراي، ذلك الجدار، ألم تدخله أليس كذلك؟
التفت يوراي إلى الجدار وأجاب: لقد وجدتَني للتوّ، انتهيت من ذلك الوحش، لم أذهب إلى هناك.
إذًن، لنرَ ما تحتويه الجهة الأخرى.
أومأ يوراي برأسه ثم رجع إلى جانب يوسافير.
تمشّى يوسافير ويوراي بين صفوف الآلات حتى وصلوا إلى جدار كان هناك ثلاث فتحات تمرّ من خلالها الصفوف.
إذا هذا هو المكان الذي لا يمكن لأهل القرية تجاوزه، همس يوسافير وهو ينظر حوله.
في الجدار كان هناك باب أحمر خشبي، وقف أمامه يوراي ووضع يده على مقبض الباب. حرّك المقبض لكن الباب لم يفتح. غلّف يوراي يديه بالعظام ثم
"بوم!"
ضرب مقبض الباب، سمع صوت طقطقة، فجأة انخلع الباب.
دفع يوراي الباب ثم دخل، وتبعه يوسافير.
في الداخل كانت الغرفة واسعة قليلًا، انتهت تلك الصفوف في مكان واحد حيث توجّهت نحو حاوية كبيرة.
اقترب الاثنان من الحاوية الكبيرة، كانت كمية كبيرة من الأحجار الأرجوانية داخل الحاوية المملوءة بسائل غريب لا لون له.
وقف يوسافير خلف الحاوية، كانت هناك ثلاث صناديق موضوعة على الأرض، واحد منهم مفتوح.
داخل الصندوق كانت هناك عدة مربعات صغيرة، وداخل كل مربع كانت توجد قنينة طويلة مملوءة بسائل أرجواني.
رفع يوسافير واحدة من تلك القنينات ووضعها قرب أنفه.
ارتفعت رائحة جميلة إلى أنف يوسافير، اندهش قليلًا قبل أن يُبعد تلك القنينة، شعر بشعور غريب لكنه تجاهله ظنا منه أنه مجرد وهم.
ماذا هناك؟ قال يوراي.
لوّح يوسافير بالقنينة تجاه يوراي الذي أمسكها وشمّها.
وضعها يوراي قرب أنفه، وصعدت مع أنفه رائحة زكية.
هذا غريب… الرائحة في الجهة الأخرى لا يمكن وصفها، لكن هذه رائحة رائعة وكأننا في مصنعين مختلفين.
يا ترى ما الذي تُستخدم فيه هذه السوائل؟ تساءل يوسافير.
هناك مادة غير ظاهرة في هذه السوائل، قال يوراي.
هل أنت متأكد؟
أومأ يوراي برأسه: لا يمكنني التعرف على تلك المادة لأني لا أراها، أظنها هي من تترك تلك الرائحة الجميلة.
فجأة توجهت وجوه الاثنين إلى السائل الباهت في الحاوية الكبيرة.
غالبًا ذلك هو… تحدث يوراي.
لف يوراي رأسه فإذا مجموعة من الملابس الزرقاء معلّقة قرب مجموعة كبيرة من الخزائن الخشبية على جانب الحائط.
اقترب منهم يوسافير وقام بفتح واحدة من تلك الخزائن.
تفاجأ لأن الخزنة مملوءة بتلك القنينات الأرجوانية، ثم فتح البقية فإذا بهم أيضًا مملوئين عن آخرهم.
حدّق يوسافير في يوراي، فإذا بأنفه وفمه ينزفان. لكن ما لم يلاحظه أن قطرة من الدماء نزلت من أنفه هو الآخر.
دماء تخرج من أنفك وفمك يا يوراي… التفت يوراي وهو يضع يده الرقيقة أمام وجهه ومسح الدماء، فانصدم ثم قال: وأنت أيضًا يا يوسافير.
مسح يوسافير الدماء من أنفه وفمه ثم تمتم بصوت خافت: ذلك السائل الذي قمنا بشمّه…
يبدو أن له تأثيرات خطيرة. أمسك يوسافير بالقنينة ووضعها جانبًا.
ثم أكمل بصوت ثابت: لقد ارتكبنا خطأ فادحًا بعدم ترك أحد حيّ من المشرفين أو ذلك الوغد المسؤول عن هذا المكان.
تنهد قليلًا: هيا نخرج من هنا لنبحث عن المسجونين.
هيا بنا.
بعد أن بحثوا لمدة ليست بالقصيرة وجدوا المسجونين خارج المصانع تحت الأرض قرب شجرة.
كان الأشخاص المسجونون عبارة عن كبار في السن وأطفال صغار، كان عددهم قرابة عشرين شخصًا.
بعد أن تم شكر يوسافير ويوراي، صعد يوسافير إلى الطابق الثاني من المصنع، إلى الغرفة المملوءة بالشاشات، وأخرج صندوق المال.
عندما وصل لم يجد يوراي.
لكن بعد مدة لمحَه قادمًا من بعيد.
أين كنت؟ سأل يوسافير.
رد يوراي: لقد اقتلعت تلك العشبة أمام إسطبل الخيول. ثم لاحظ الصندوق: ما ذلك؟ قال يوراي.
فتح يوسافير الصندوق أمام يوراي.
الذي ابتسم: هل سيكفي هذا لشراء سفينة؟
لا أدري، لكن لن نأخذ هذا المال بالكامل، سنترك نصفه لأهل القرية.
وضع يوراي يده أمام صدره ووجهه موجّه نحو الأطفال والعجائز الذين يرتعدون من البرد بسبب الرياح التي تهب رغم المطر الذي توقف منذ مدة، إلا أن البرد كان شديدًا.
نظر يوسافير إلى يوراي، سعل ثم قال: هيا فلننهي هذه المصانع.
دخل يوسافير ويوراي إلى المصنع الأول، كان كل شيء صامتًا، فقط هبوب الرياح الذي يدخل من الجدار الذي حطّمه يوسافير. بعد ذلك الصمت انكسر فجأة بصوتين:
جرثومة السلسلة
جرثومة العظام
"بوم! "بوم! "بوم! "بوم!"
في اللحظة التالية، ارتفعت عدة انفجارات، اهتز المصنع بأكمله. ارتج سقف المعدني وسقطت منه قطع الحديد الصدئة.
انفجرت إحدى الآلات، ثم تبعتها أخرى، وأخرى، وأخرى، تصاعد الدخان الرمادي في الهواء، مع صوت انفجار ضخم اختلط صوت المعادن المتكسرة مع صراخ النار وارتفع صداه في المكان.
بعد مدة انتهى المصنع الأول ثم ذهبوا نحو الثاني.
جرثومة السلسلة
جرثومة العظام
"بوم!"بوم! "بوم! "بوم! "بوم!"
مرّ الوقت بسرعة، تحوّلت المصانع التي كانت قبل قليل شامخة، وها هي الآن صارت خرابًا.
أما المسجونين الواقفون خارج المصنع فثبتوا في مكانهم ووجوجههم شاحبة، أعينهم متوسعة حتى كادت أن تسقط من أماكنها.
لم يفهم أحد كيف يمكن لصبيين أن يحدثنا هذا الكم من الدمار.
رجل عجوز وضع يده على صدره ثم همس بصوت مرتجف.
"هذا... هذا حقا ليس طبيعيا...ـ
طفل صغير تشبث بثوب العجوز بجانبه، يختبئ خلفه بينما ضوء الانفجار يعكس ظله على عيونه الخضراء البراقة.
تحدث عجوز اخر.
أي نوع... من القوة هذه؟
سأل يوسافير المسجونين عن الكهف الذي يتم استخراج منه الحجارة الأرجوانية.
تمّت قيادتهم إلى الكهف الذي كان مظلمًا، لكن يوراي تقدم وحده إلى الداخل، وبعد قليل خرج.
ليس هناك شيء خارج المألوف، فقط حجارة كثيفة أرجوانية ملتصقة بالجدران.
أومأ يوسافير برأسه ثم
"بوم...!"
تم تدمير الكهف بالكامل من مدخله.
بعد ذلك قاد يوسافير ويوراي الأطفال والعجائز إلى السور الخشبي، هناك كان في انتظارهم عشرون رأسًا من الخيل.
ركب الجميع ثم بدأوا بالتوجه نحو القرية.
عند الباب الخشبي، ستلقت جثة البواب مثل اللحم المفروم، كان الجاني هو يوراي طبعًا.
كان العجائز فوق الخيول منهكين جدًا، رغم تحررهم إلا أن ملامح الحزن كانت ظاهرة على وجوههم، وكذلك الأطفال الذين حُرموا من آبائهم ومنازلهم لمدة طويلة، ها هم الآن سيرجعون إليهم، لكن هناك من سيرجع ولن يجد والدين في انتظاره، حتى منازلهم في القرية صارت مدمّرة.
رؤوس مطأطأة هزمتها وطأة الحياة، لكن هذه هي الدنيا، يوم لك ويوم عليك، ليس هناك ما يجب فعله سوى الصبر ومواجهة هذه الحياة بعزيمة جبارة.
مر الوقت بسرعة وأخيرًا وصلوا إلى القرية.
كانت القرية خالية في هذه اللحظة، الكل في منازلهم، غمرت مياه الأمطار معظم القرية.
تقدّمت أقدام الخيول على هذه المياه، وفي المنازل تركزت جميع العيون على الأشخاص القادمين، لكن ما إن رأوا من أتى حتى فُتحت جميع البيوت في وقت واحد، وخرج الأهالي ومعهم أمتعتهم على ظهورهم، الكل يشعر بالسعادة وهم متوجهون نحو الأشخاص القادمين.
كان سبب حمل الناس الأمتعة هو الشيء الذي أخبر يوسافير به زعيمهم.
عندما كانوا في بيت الزعيم بينما سمعوا الأصوات في الخارج وطرقًا في الباب، أمسك يوسافير بالعجوز:
عندما نذهب معهم إلى المصانع اجمع الناس وأخبرهم بجمع ما يقدرون عليه فقط من الأشياء الضرورية التي ستحتاجونها، سنخرجكم من هنا.
تفاجأ العجوز من كلام يوسافير: هل أنت واثق؟
رد يوسافير: فقط ثق بي، كل شيء سينتهي الليلة.
عندما رحلت مجموعة الخيول مع يوسافير ويوراي، جمع العجوز الأهالي وأخبرهم بالشيء الذي قاله يوسافير، وأخبرهم بعدم الخروج من منازلهم إلا إذا رأوا يوسافير ويوراي.
رغم عدم ثقتهم مئة بالمئة، لكن ما الذي سيخسرونه؟ سيجمعون أمتعتهم ويظلون في منازلهم حتى يروا الصبيّين قادمين.
التقى بعض المسجونين مع عائلاتهم، وعمّ الفرح بينهم، لكن في جهة أخرى كان الحزن مسيطرًا على المكان. أطفال صغار لم يجدوا من يستقبلهم.
«أمي...»
ــ احدهم كان ينادي إسم أمه بصوت منخفض، وكأنه ما زال يعتقد أنها ستخرج بأي لحظة.
لاحظ يوسافير ذلك، وميض خاطف مر في رأسه شعر بشيء يخنق قلبه وكأنه يتذكر شيئًا ما، لكن سرعان ما تمالك نفسه وأخفى ذلك الشعور.
تقدم زعيم القرية نحو الأطفال الذين تم قتل آبائهم وأمهاتهم، وحضنهم واحدًا واحدًا، وكلهم أخبرهم بأنه سيتكفل بهم.
لكن رغم ذلك، من يعيد حنان أمٍ وأب؟ لو اجتمع العالم أجمع فلن يعوّضوا حتى واحد بالمئة من حضور الوالدين.
تقدم هيلمو هو وأبيه إلى يوسافير، بدأ ينظر يمينًا وشمالًا ثم سأل: أين يوراي؟
نظر يوسافير إلى هيلمو بابتسامة زائفة: سيهتم بشيء ما، سنجده أمامنا.
ركب العجوز على حصان أسود ووقف قليلًا ثم قال: من هذه اللحظة سنغادر هذه القرية وهذه الغابة.
الذين رجعوا من المصانع، فليذهب مع كل واحد مجموعة لمساعدتهم في جمع أمتعتهم بسرعة، تذكّروا جيدًا: اجمعوا فقط الأشياء الضرورية.
كانت أجساد بعض الأهالي ترتجف، فهم لم يغادروا أرضهم يوما، ولم يعرفوا سوى هذه البيوت البسيطة.
نظر يوسافير إلى العجوز بينما يضع صندوقًا أمامه: هناك عشرون حصانًا، سنأخذ نحن اثنين، والباقي لكم.
أومأ العجوز وابتسم في وجه يوسافير: بكل سرور. في هذه اللحظة كانوا في حاجة لهذه الخيول.
بدأ إخلاء القرية، انطلقوا في ذلك الوقت من الليل، ليس هناك ما ينتظرونه. كان الوقت في هذه اللحظة الثانية عشرة ليلًا.
تقدم زعيم القرية ويوسافير في الأمام، ورائهم هيلمو وأبوه الذي كان يحدّق في يوسافير وهو يتمتم في نفسه:
هذا الصبي… أنا متأكد أني رأيته من قبل، ولكن أين؟ لا أتذكر… إنه يشبه شخصًا ما، أنا واثق… أخ أخ، ذاكرتي مبعثرة هذه الأيام.
بعد مدة قصيرة من انطلاقهم لمحوا شابًا في طريقهم واقفًا ينتظرهم، وقف بثبات غريب، وبعض بقع دماء لم تجف بعد، وكأنه خرج من معركة قبل دقيقة واحدة فقط، لقد كان يوراي.
تقدم يوراي إلى الحصان الخالي بجانب يوسافير وقفز نحوه.
هل انتهيت منهم؟ سأل يوسافير.
نعم، لقد ماتوا جميعًا.
يوراي كان قد ترك يوسافير والبقية عندما وصلوا إلى القرية مباشرة، ولأن هناك بعض المشرفين لا يزالون متموضعين في بعض الأماكن حول القرية، تم الانتهاء منهم جميعًا.
واصل الجميع مسيرهم. عندما وصلوا إلى نهر، التفت يوسافير إلى العجوز: أخبر الأهالي سنمشي وسط هذا النهر، أخبرهم أن يصبروا على هذا البرد.
كان النهر يبلغ عدة سنتيمترات، ليس عميقًا، وكان عرضه خمس أمتار.
فور دخول الناس الى النهر شهقت بعض النساء والأطفال عندما لمس الماء المتجمد أقدامهم، والبرد كان قاسيا لدرجة تشعر معه بأن العظام تتجمد.
بعد رحلة دامت يومًا ونصف دون توقف، رغم شعور الجميع بالتعب، إلا أن همّهم الوحيد كان الخروج من هذه الغابة، لهذا نسوا شيئًا اسمه التعب.
في الصباح الباكر، أطلت الشمس بخيوطها الجميلة بين الأشجار التي تتخلى عن أوراقها، وسماع زغاريد العصافير التي تتراقص بين أغصان الأشجار، وأضاف صوت خرير المياه رونقًا خاصًا في هذه اللحظة.
كان أهالي القرية مبتهجين وهم خلف زعيمهم، حتى التعب الذي كان لم يعد، كان شعورًا لم يشعروا به منذ سنوات، وبعد يومين آخرين ظهرت نهاية الغابة أمامهم.
ابتهج الجميع، وفجأة سمعوا العجوز يتكلم: سنأخذ استراحة لمدة ثلاث ساعات، ارتاحوا قليلًا، بعد ذلك سنكمل طريقنا غربًا.
نهاية .