15 - مخاطر الجرثومة

23 شهر 10

بعد أن نصبت الخيام واستقر الجميع في خيامهم أو في الخارج يستريحون، بدت شمس في هذه اللحظة دافئة وسماء زرقاء اللون، مع هبوب نسمة الرياح الباردة تنذر باقتراب الشتاء. أمام الجميع كانت هناك قمم جبال بعيدة، أما خلفهم فكان الكابوس الذي نجو منه، الغابة.

صوت الرياح يزمجر بين الأشجار، والذي تحرك بدورها أقمشة الخيام. رتفعت رائحة التراب مختلطة بالرطوبة الجو لتعطي مزيجاً مختلفاً.

في هذه اللحظة، تقدم كل من يوسافير ويوراي مع أحصنتهم التي تحمل بعض الأمتعة إلى خيمة الزعيم، الذي كان جالسًا أمامها هو وثلاثة أطفال لا يتجاوزون العشر سنوات.

رآهم العجوز، ثم وقف هو والأطفال الذين بجانبه.

نظر يوسافير إلى الأطفال، ثم حول نظره إلى العجوز.

يبدو أنه مفترق طرق، أيها العجوز. علينا الذهاب في الحال، لدينا العديد من الأشياء التي يجب القيام بها، لكن قبل ذلك، هل يمكنني أن أرى ذلك الصندوق الذي أعطاه لك أدلايد؟

أومأ العجوز برأسه موافقًا، ثم دخل إلى خيمته، وما هي إلا تواني قليلة حتى خرج حاملاً صندوقًا في يديه.

سلم الرجل الصندوق إلى يوسافير، الذي بدأ يتمعن فيه، ويقلبه يمينًا وشمالًا.

تحت الصندوق كان هناك نقش مخفي لتاج. مرّ فوقه إبهام يوسافير، ففتح الصندوق فورًا.

ارتفعت حواجب العجوز البيضاء، وهو يحدق في يوسافير، الذي بدا لم يفعل شيئًا وفتح الصندوق.

«لقد فتحته حقًا، يا صديقي الصغير.»

ارتفع دخان أبيض بعد أن فتح يوسافير الصندوق. وبعد أن تفرق الدخان، ظهرت ثلاث إبر متوسطة الحجم في الصندوق.

الإبرة الأولى كانت داخلها سائل بني، الإبرة الثانية كان داخلها سائل بني أيضًا، أما الإبرة الثالثة، التي في الوسط، فكان داخلها سائل أسود قاتم.

اقترب العجوز من يوسافير، مصوباً عينيه إلى الصندوق، تفاجأ بوجود الإبر.

مسح العجوز على رأسه الأبيض، وهو يحدق في الإبر، ثم قال: «هل هذه هي التي كانت ستنقذ قريتي؟ كيف ذلك؟» تعجب العجوز.

يوسافير ما إن رأى الإبر فكر في الجراثيم، لكن لم يكن متأكدًا. لكن يوراي اقترب من الصندوق محدقًا فيه بعينين مغلقتين، ثم نظر إلى يوسافير.

هذه الإبر ثلاث، تحتوي على ثلاث جراثيم.

عرف يوراي ذلك لأنه يملك جرثومة العظام، التي طعم بها عندما كان صغيرًا، وهو بيده ضغطها في عنقه.

أما يوسافير فلم يكن يعرف، لأنه لا يتذكر متى طعم بجرثومته.

لم يسأل يوسافير يوراي كيف عرف أو هل هو متأكد، لقد كان يثق في كلامه.

«ما هي هذه الجراثيم؟» سأل العجوز بفضول، وهو يحدق في الاثنين.

«هذه الإبر تحتوي على جراثيم، وهذه الجراثيم من طعم بها يمتلك قدرة خارقة للطبيعة»، قال يوسافير محدقًا في العجوز.

ندهش الرجل من كلام يوسافير، حيث حدق مطولًا في الإبر الثلاث، ثم رفع رأسه وقال: «إذا، هل نحتاج ثلاث أشخاص لنطعمهم بهذه الإبر؟»

هز يوسافير رأسه: «نعم، لكن عليك أن تسألهم إن كانوا موافقين أولًا.»

«هل هناك آثار جانبية خطيرة لهذه الجراثيم؟»

ابتسم يوسافير: «وهل تظن أن هناك شيء مجاني في هذه الحياة؟»

وضع العجوز يده في ذقنه مفكرًا قليلًا. «هذا خطير جدًا.» على تفكير مطول.

«أعرف شخصًا لن يفكر كثيرًا وسيقبل على الفور»، قال يوسافير مبتسمًا في وجه العجوز.

ــ من؟ سأل العجوز بفضول

«هيلمو»، قال يوسافير، ثم نظر إلى أحد الأطفال: «هل بإمكانك أن تنادي على هيلمو؟»

نظر الطفل بعيون براقة إلى يوسافير، ثم انطلق يجري.

ما هي إلا دقائق حتى جاء هيلمو، هو وأبيه، وامتعتهم فوق ظهورهم.

كان كل من يوسافير ويوراي يعرفان لماذا يحمل لاب وابنه امتعتهم، أما العجوز فكان مندهشًا بعض الشيء.

«هايم، لماذا لا تزال تحمل امتعتك أنت وابنك؟»

هايم كان اسم والد هيلمو.

رد هايم بوجه حزين محدقًا في العجوز: «سأرحل، هذا اليوم كان سيأتي قبل سنوات طويلة، لكن تأخر بسبب المصيبة التي حلت علينا في القرية.»

«وأين سترحل أنت وابنك؟»

انحنى هايم قليلًا: «شكرًا لك على فتح أبوابك لنا. نحن لم نكن نملك مأوى ولا طعام ولا ملابس، لم نملك شيئًا، لكن بسبب كرمك ولطفك صار لدينا مأوى وطعام وملابس. حقًا، شكرًا لك، لن أنسى هذا الشيء ما حييت.»

انحنى هيلمو أيضًا شاكرًا العجوز.

«لكن لم تخبرني أين ستذهبون لأن…»

أجاب هايم: «سنرجع للوطن، سنغادر هذه القارة.»

علت دهشة وجه العجوز، لكن لم يسأل هايم أين وطنه، لأنه لو أراد أخباره لكان أخبره من قبل، لكل أسراره الخاصة، لهذا لم يرد إحراجه.

بعد قليل من الصمت، لم يتكلم أحد. نظر يوسافير أمعن ببصره هيلمو: «هل تريد أن تصبح ممسوسًا؟» وهو يشير بعينيه إلى الصندوق في يده.

ندهش هيلمو، وكذلك هايم. حدق العجوز في يوسافير: «مم… مسوس؟»

اقترب هيلمو بحقيبة كبيرة خلف ظهره، ثم وقف محدقًا داخل الصندوق. صارت رعشة في يدي هيلمو، وهو يحدق في الثلاث إبر.

رفع رأسه: «هل إن صرت ممسوسًا، هل سأصير مثلك؟»

ابتسم يوسافير: «نعم.»

ارتفع الأدرينالين داخل هيلمو، لطالما تمنى أن يملك قدرة مثل التي يملكها يوسافير، منذ أن رأى سلسلة تخرج من يده. لو كان كذلك، ما اضطروا إلى الخضوع والعمل في المصانع لسنوات طويلة.

نظر هيلمو إلى أبيه، والفرحة تعتلي وجهه: «لدينا فرصة، لدينا فرصة لإنقاذ لام.»

حدق لاب في ابنه بوجه متشكك، لكن لم يقل شيء. نظر إلى يوسافير وقال: «هل هذه هي الجراثيم التي تعطي الإنسان قدرة خارقة للطبيعة؟»

كان سؤال هايم طبيعيًا، فالقد كان يعرف أن أكثر من نصف عائلة زوجته ممسوسون.

أومأ يوسافير برأسه، ثم نظر إلى هيلمو: «لكن قبل ذلك، عليك أن تعرف المخاطر الكاملة لهذه الجراثيم.»

تأمل كل من هيلمو وأبيه والعجوز.

بدأ يوسافير بالكلام معرفًا مخاطر التي تنتظر جميع الممسوسين.

سعل يوسافير بخفة، ثم حدق بوجه جاد في الجميع: «أن تصير ممسوسًا فهذا يعني أنك تتخلى عن كونك إنسانًا.»

ما إن دخلت هذه الكلمات آذان الثلاثة، تغيرت تعابيرهم.

كان هيلمو صامتًا يفكر، وهو ينظر إلى يوسافير، ثم رفع يده مقاطعًا إياه:

«لا أريد سماع المزيد، لا تهمني المخاطر التي تترتب على ذلك، أريد أن أفعل هذا لأن…»

همس يوراي داخليًا: «خيار موفق، هذا ما يتطلبه الأمر.»

عندما بدأ يوسافير بالكلام، كان ينتظر مقاطعته من طرف هيلمو، لكن لو أكمل يوسافير كلامه، لما كان ليترك هيلمو يصبح ممسوسًا.

«هل أنت متأكد؟» سأل يوسافير.

أومأ هيلمو، والحزم في عينيه لم يكن هناك شيء يردع تصميمه على أن يصبح ممسوسًا، فهذا يعني أن هناك نسبة عالية أنه سينقذ أمه.

تقدم نحو يوسافير ووقف أمامه: «أرشدني، أرجوك.»

أمعن يوسافير في عيني الشاب أمامه: «اختر واحدة»، مشيرًا إلى الصندوق.

نظر هيلمو إلى الإبر الثلاث، ثم مد يده داخل الصندوق، ورفع الإبرة التي تحتوي على السائل الأسود.

توجهت أنظار الجميع نحو الإبرة في يد هيلمو.

في تلك اللحظة تدخل يوراي، ولم يقل سوى بضع كلمات: «جنب كتفك الأيسر، أسفل عنقك.»

هيلمو نادى هايم على ابنه.

التفت هيلمو بعزم نحو أبيه المتهالك، وتذكر بكائه في المنزل، وتذكر معاناته.

«ليس هناك شيء لفعله، هكذا أرادتنا الحياة»، ثم رفع يده.

«توك…»

انغرست الإبرة في جسده، وضغط على رأس الإبرة حتى نسكب السائل داخل جسمه.

ظهرت عروق حمراء في عنقه، امتدت هذه العروق إلى الأسفل قليلًا بينما أغمض عينيه وصر على أسنانه متحملا الألم.

داخل جسد هيلمو سبح مخلوق أسود مدور الشكل يمتلك عشر أيادٍ. في وريد دموي كانت وجهة الجرثومة واضحة: «القلب»

أكمل يوسافير كلامه، بينما نرى الجرثومة تتحرك داخل جسد هيلمو.

بمجرد تطعيم الجرثومة ودخولها للجسم، فهي تتجه مباشرة للقلب.

وما إن تستقر في القلب، تطلق تسع أوردة مثل الخيوط، لونها غير ظاهر، هذه الأوردة تتجه مباشرة للدماغ.

«تدفق… تدفق…»

من القلب إلى الدماغ، ومن الدماغ إلى باقي الجسم.

«وش… وش…»

في هذه اللحظة، في الخارج، سقط هيلمو أرضًا يتلوى من شدة الألم، حيث تحول للون الأحمر وبرزت عروق من جسمه.

نظر إليه هايم بخوف، ثم تقدم نحوه، لكن يوراي أوقفه: «لا تقلق، هذا طبيعي.»

شعر هايم بالقلق، رغم طمأنة يوراي له، لكن كيف يهدأ وابنه الوحيد الذي معه يتألم من شدة الألم؟ كيف سيهدأ؟

لم يصمت يوسافير وتابع كلامه:

«وبعد أن تنتشر الجرثومة في الجسم كله، لا تترك مكانًا في الجسم إلا وطأته بالأوردة.»

ثم يحل الهدوء بعد استقرار الأوردة، لا يُسمع إلا صوت دقات القلب:

«دوم… دوم… دوم… دوم…»

بعد هدوء الأوردة، ينقطع الوريد الأول، وهذا يعني أنك في المستوى الأول وتمتلك قدرة على حساب الجرثومة.

صمت يوسافير قليلاً، وهو ينظر إلى الآخرين، ثم أكمل مرة أخرى.

بعد انقطاع الوريد الأول، يتبقى ثمانية أوردة، انقطاع الثاني يعني أنك في المستوى الثاني، انقطاع الوريد الثالث يعني أنك في المستوى الثالث.

وهكذا، كلما صعدت زاد المرء قوة، لكن مع كل مستوى يصبح قطع الأوردة صعبًا جدًا، ومع كل صعود تزداد الخطورة. فشل انقطاع الوريد يعني استحواذ الجرثومة عليك، وإن استحوذت عليك فلا شيء ينتظرك سوى الموت.

كانت كلمات يوسافير الأولى تظهر تغيرًا خفيفًا في وجه من يستمع، لكن لأن وجوههم شاحبة.

رغم أن يوسافير لم يتذكر متى طعم، لكنه سمع من إيدلايد عن تطعيم الجرثومة في الجسم وما يترتب عليها، لكنه لم يعرف كل شيء.

ابتلع العجوز ريقه، وهو ينظر إلى يوسافير، ثم تمتم في نفسه: «هذا خطير للغاية.»

ابتسم يوسافير، لقد عرف ما يفكر فيه العجوز.

نطق العجوز: «أنت قلت يفقد المرء إنسانيته، أليس كذلك؟ لكن ما الفرق بين الممسوسين والوحوش؟»

حدق يوسافير في وجه العجوز، ثم سخر قائلاً: «أن تعيش في هذا العالم كونك إنسانًا، فهذا يعد انتحارًا.

إن لم تمت، سيتم استعبادك، وإن لم تستبعد، فقد تكون هناك طريقة أخرى لاستخدامك.

حتى لو لم يكن الكل أو البعض ممسوسين. فواحد أو اثنان إن كانوا أقوياء، فهذا يكفي لحماية الجميع.»

استمع العجوز لكلمات يوسافير وعرف أن ما يخرج من كلام الفتى ليس كلامًا فارغًا، ودليل هو ما عاشوه طوال سنين الماضية.

بعد صمت، فتح العجوز فمه مرة أخرى قائلاً: «لكن هذا طريق صعب للغاية، في أي لحظة قد تجد نفسك في خطر.»

«هذا طبيعي، أن تملك شيء خارقًا فلا بد من دفع ثمن.»

«ماذا يحصل إن وصل شخص إلى قطع الوريد التاسع؟» سأل العجوز.

نظر يوسافير إلى السماء الزرقاء، فرأى نسرًا محلقًا عاليًا، حيث رن صوته في أذن العجوز: «وكيف لي أن أعرف أنا لا أزال في المستوى الأول؟»

«لكن ما الذي يحدث إن تم الارتقاء إلى المستوى الثاني؟» سأل هايم وهو شاحب الوجه بفضول.

«إن انقطاع الوريد الثاني يعني امتلاك قدرة جديدة.»

تعجب العجوز وسأل مرة أخرى: «هل كل من صعد يملك قدرة جديدة؟»

ابتسم يوسافير: «نعم، زد في ذلك القطع الثاني، كل حواسك تزداد قوة وسرعة أيضًا، أما بالنسبة للقدرة التي يتم اكتسابها، فهذا يبقى على عقل المستخدم.»

«كيف ذلك؟»

مع قطع الوريد تضرب العقل موجة ذكريات، تشرح ماهية القدرة وكيف يتم استخدامها.

كان هيلمو في هذه اللحظة يشعر بألم رهيب، لأن الحرارة مشتعلة داخل جسمه.

«وهل هكذا هي المستويات؟ كلما صعد المرء، يزداد قوة ويملك قدرة أخرى؟»

في هذه اللحظة تكلم يوراي: «لا يمكن الجزم، لكن على حسب علمي، هكذا حتى المستوى الخامس، أما السادس فلا نعلم شيء.»

«هذا شيء محير»، شد هايم في شعره الشائك، وهو ينظر إلى ابنه، وقلبه مخنوق: «أنت قلت أنه في كل قطع الوريد تجد صعوبة، قد تفقد نفسك. كيف نعرف أننا قادرون على قطع الوريد وصعود المستوى التالي؟»

عندما تطلق الجرثومة أوردتها، كل وريد يمكن للمستخدم رؤيته، كأنهم أمامه، من واحد إلى ثلاثة، تكون الأوردة مملوءة بكويرات صغيرة حمراء. اللون الرابع والخامس، الأوردة مملوءة بكويرات بنية، أما البقية، لا أعلم المزيد.

وبخصوص إن كنت تريد أن تعرف، هل بإمكانك دخول المستوى التالي، عليك التأكد من أن الكويرات في الوريد الذي تريد قطعه قد اختفت تمامًا.

هذا يعني أن كل طاقة الوريد قد تم استخراجها.

نظر العجوز بارتباك، لم يفهم الكثير، لكنه فهم جوهر الكلام.

«وكيف تختفي الكويرات، وكم من الوقت يستغرق لقطع الوريد؟» سأل العجوز.

استقرت نظرة يوسافير نحوا لأسفل على هيلمو المتألم: «للانتقال من مستوى لآخر، هذا ما لا نعرفه حتى نحن.»

«ماذا إن حدث قطع والوريد لا يزال يحتفظ بالكويرات داخله؟»

أجاب يوسافير بنبرة جدية: «يعني هذا أنك تسلم نفسك للجرثومة، كما ذكرت سابقًا. «الموت ينتظرك»»

نهاية .

2025/11/27 · 12 مشاهدة · 1815 كلمة
Oslo
نادي الروايات - 2026