بعد مغادرة القطار توجه كل من يوسافير ويوراي، وخلفهم أحصنتهم بالإضافة إلى الحصان الذي تركه هيلمو وأبيه، إلى المدينة إلى أن الأشخاص عند الباب امتنعوا.
وقف جنديان بالملابس الرمادية، فوقها درع فضي براق عليه نقش حصان، ممسكان برمح طويل.
بعد أن نظر أحد البوابين إلى صدريْ الاثنين ارتفع حاجباه وحدق بهما قليلاً، ثم نظر إلى الآخر، وبعد ذلك قال:
«لا يمكنكم إدخال الأحصنة، هذه هي القوانين».
نظر يوسافير تجاه يوراي ولم يقل شيئًا.
تراجعوا قليلاً، وبعد ذلك لاحظوا إسطبلاً بعيدًا للخيول فتوجهوا نحوه.
تقدّم يوسافير ويوراي ومعهما ثلاث أحصنة.
بعد أن رآهم أحد الأشخاص المسؤولين عن ذلك الإسطبل جاء نحوهم بسرعة والابتسامة على وجهه.
لاحظ الرجل الراية الغريبة على صدورهم، وهذا ما لاحظه البواب أيضًا.
قال الرجل: «مرحبًا أصدقائي، يبدو أنكم لستم من هنا، هل تودان ترك أحصنتكما هنا؟»
أومأ يوسافير برأسه بعد أن لاحظ نظرة الرجل إلى صدره.
قال الرجل: «ثمن ترك الحصان في هذا الإسطبل هو خمس قطع معدنية في اليوم الواحد».
قال يوسافير: «نحن نريد بيع الأحصنة، وليس تركها هنا فقط».
ندهش الرجل وفتح عينيه ثم قال موجهًا نظره إلى الاثنين: «نحن هنا لا نشتري الأحصنة».
سأل يوراي: «هل هناك شخص يشتريها؟»
وضع الرجل يده على دقنه ثم تقدّم نحو الأحصنة وبدأ يدور حولها ويراقبها.
ثم التفت نحو شخصين كانا يجلسان بعيدًا: «هاي، كرامر، تعالى إلى هنا».
لتف لآخر أيضًا ثم ارتفع صوته من بعيد: «ماذا هناك؟»
رد الرجل: «تعال أولًا لتعرف».
جاء الرجل، وبعد سماعه أن الصبيّين يريدان بيع الأحصنة حدق فيهما مطولًا، خصوصًا عندما رأى الراية على صدريهما، فتفاجأ قليلاً.
ثم قال كرامر: «كم تطلب لهاذه الأحصنة؟»
أجاب يوسافير: «كم تدفع أنت؟»
فكر الرجل وهو يحوم حول الأحصنة، ثم أجاب: «خمسمائة سولار معدني لكل واحد».
ارتفع حاجب يوسافير متأملاً في الرجل: «هل تمزح معي؟ خمسمئة؟ يبدو أنك لا تريد الشراء».
سأل كرامر: «إذاً كم تطلب أنت؟»
قال يوسافير: «ألف سولار معدني لكل واحد؛ إن أردت خذهم، وإن لم ترد سنرى شخصًا آخر.
أنت تعلم أن ثمنهم الحقيقي أعلى من ألف».
بعد أن نظر كرامر قليلاً إلى يوسافير قال: «ثمانمائة سولار».
رد يوسافير بهدوء: «آخر سعر: ألف». ثم التف ليغادر.
قال كرامر: «انتظر، انتظر يا صديقي، لما العجلة؟ أنت فقط تأخرنا؛ هل تريد أخذهم بألف أم لا؟»
تنهد كرامر وهو ينظر إلى الرجل الآخر ثم قال: «حسنًا».
كان ثمن الأحصنة لا يقل عن ألف وخمسمئة سولار معدني، وسبب بيع هذه الأحصنة بهذا الثمن أن الآخر ما كان ليشتريها بهذا السعر.
خفض يوسافير السعر ليغري المشتري فقط، لأنهم بعد الانتهاء من راندور لن يحتاجوا أحصنة، لهذا قرروا بيعها.
أمسك الرجل بثلاث قطع ذهبية وسلمها إلى يوسافير.
لكن يوسافير نظر إليه وأشار إلى سرجٍ فوق الأحصنة: «ذلك سرجٌ لن تدفع ثمنه».
ابتسم كرامر لكنه لم يقل شيئًا.
بعد فترة، تم إنجاز صفقة البيع، وتركوا الخيول لأصحابها الجدد.
حمل يوسافير في يده ثلاث سولارات ذهبية وقطعتين فضيتين وبعض سولار المعدني، ثم توجه الاثنان إلى داخل العاصمة.
حاليًا كانوا يرتدون نفس ملابسهم السابقة، مع رداءٍ أسود يغطي ملابسهم.
حدق فيهما البوابان جيدًا، لكن لم يفعلوا شيئًا.
حاملين أمتعتهم وراء ظهورهم، دخل الاثنان من الباب الكبير.
ارتفع رأس يوسافير وهو يحدق في الباب الخشبي المزين بدوائر من الحديد.
ما إن دخل الاثنان، أمامهما ارتفع عمود من الحديد؛ أعلى العمود كانت ترفرف راية، وأسفل ذلك العمود كان هناك جندي جالس على حصانه، سيف رقيق في يده، مرفوعًا إلى الأمام.
كان هذا الجندي تابعًا للجيش بملابسه الرمادية الباهتة، وزُيّن أيضًا سرج حصانه باللون الرمادي متناسقًا مع ملابسه.
كانت الراية التي ترفرف في الهواء هي راية كنيسة اتحاد الأمم.
راية سوداء بالكامل، تزينها نجمة حمراء مقلوبة، وعلامة لانهائية بجانبيها.
بدأ الاثنان تجولهما.
ارتفعت المنازل الحجرية بطابقين، مزينة بشرف خشبية مزخرفة تطل على الشوارع الكبيرة الصاخبة والمزدحمة بالحياة.
في هذه الشوارع كان صهيل الخيول يتردد على الأرصفة الحجرية، وعربات خشبية تجرها الخيول محملة بالبضائع من الأسواق إلى المخازن.
المارة يمشون على الأرصفة الواسعة، والباعة ينادون على التوابل والفواكه الطازجة، بينما يتخلل أصوات المطارق عمل الحرفيين في الورش الصغيرة أرجاء المدينة.
من النوافذ تطل النساء، والأطفال يركضون بين العربات يضحكون ويختبئون في الزوايا.
الهواء مشبع برائحة الخبز الطازج، وأحيانًا تختلط معها نفحات الأعشاب المجففة المغلفة على أبواب المتاجر.
الشوارع الكبيرة تسمح بمرور العربات بسهولة، بينما الأزقة الجانبية تحتفظ بالهدوء والحياة اليومية الهادئة.
بين الهدوء والصخب هناك حكايات تُحكى وقصص تُروى.
بين الشوارع الكبيرة والأزقة الضيقة تجوّل يوسافير ويوراي لمدة؛ في هذه المدة سمعا الكثير من الأحاديث التي تدور بين الناس.
أهمها أن العاصمة ستنظم مهرجانًا في أول الشهر القادم، وهو مهرجان يحدث كل سنة ويسمى مهرجان الخريف.
كما سمعا أن هذا المهرجان سيكون مختلفًا عن غيره، لأن في هذا المهرجان سيُعلن الملك وريثه.
المهرجان هذه السنة سيكون ممثلًا بأحداث رائعة ومشوقة، وسيحضر بعض ممثلي الممالك المجاورة وبعض الشخصيات المهمة.
كما رأى الاثنان عددًا كبيرًا من جنود الاتحاد ينظمون الطرقات وجاهزين للتدخل إن طرأ أي حادث.
توقف يوسافير ونظر إلى يوراي بجانبه: «أنا جائع؛ لنبحث عن مطعم لنأكل».
رد يوراي: «أنا أيضًا جائع»، ثم أدار وجهه: «لقد مررنا بمطعم قبل قليل، رائحته كانت رائعة. هل نرجع إليه؟»
أومأ يوسافير برأسه: «حسنًا».
التفت الاثنان عائدين إلى المطعم الذي مرّا به منذ دقائق حتى توقفا عند بابه.
كان المطعم صاخبًا من الداخل، أصوات ضحك تهيمن على المكان.
رفع يوسافير رأسه وهو يحدق في لافتته المكتوبة فوق باب المطعم باللون الأحمر.
قال يوسافير مبتسمًا: «ادفع قبل أن تأكل».
فتح يوراي الباب ودخل، وكذلك فعل يوسافير وراءه.
ما إن دخلا ضربت رائحة الطعام الزكية أنوفهما وروائح العصائر والمشروبات الطازجة.
كان المطعم ممثلًا بطاولات خشبية مع نوافذ مغطاة بستائر ذهبية؛ أرضية البلاط كانت متآكلة تحكي قصة الزوار الذين خطو عليها.
وقعت عليهما العديد من النظرات من كل الجهات، لكن الاثنان لم يأبها، بدأا بمراقبة المطعم المكتظ بالناس.
لم تكن هناك طاولة فارغة، مع أن كل طاولة بها خمس كراسي، الكل ممتلئ، لكن كانت هناك طاولة يجلس فيها شخص وحده.
تقدّم يوسافير ويوراي نحو الطاولة التي يجلس فيها الشخص الوحيد.
أكمل الناس طعامهم، وارتفعت الأصوات مرة أخرى بلا توقف؛ كما دُقّت الكؤوس معًا فأعطت أصوات رنين خافتة.
توقف يوسافير ويوراي أمام الرجل وجلس يوسافير دون أن يتكلم، وكذلك فعل يوراي.
نظر إليهما الرجل الذي يبدو في الخمسينات من عمره، برداء أرجواني فاتح فضفاض.
كان شعره الرمادي مربوطًا للخلف، وعلى جبهته عصابة أرجوانية، وأمامه جرة طينية تفوح منها رائحة طيبة للغاية.
وكانت طاولة أخرى نصفها ممتلئ بأطباق فخارية مختلفة الأشكال مملوءة بطعام.
لاحظ النادل الشخصين وهو يمشي بين الطاولات حاملاً صينية خشبية مملوءة بالعصائر.
بعد أن انتهى النادل من تقديم الطلبات جاء نحو الاثنان.
ابتسم النادل في وجهيْهما وقال: «ما هي طلباتكما أيها الشابان؟»
ارتدى النادل بدلة سوداء مع قميص داخلي أبيض وربطة عنق سوداء، مثل سرواله وحذائه الطويل.
قال يوسافير: «ماذا لديكما هنا؟»
أجابا النادل: «لدينا العديد من الأطباق، اللحم المشوي على الفحم، طاجن خضار، حساء الدجاج والخضار، سمك مدخن أو مشوي، حساء الحبوب المطهى ببطء مع توابل دافئة».
وأضاف النادل: «لدينا أيضًا خبز مسطح مغطى بزيت الزيتون والأعشاب العطرية، وأيضًا جبن طازجة، وزيتون، والجبنة المقلّبة والزيتون المَحْمَض».
انتهى النادل وهو يراقب الاثنان.
نظر يوسافير إلى يوراي: «ماذا تريد؟»
قال يوراي: «سمك مدخّن وطاجن بالخضار والخبز المسطح».
نظر يوسافير إلى النادل: «لقد سمعت ما يريد». بدأ النادل يكتب في دفتر صغير أخرجه من سترته.
قال يوسافير: «أنا أريد لحمًا مشويًا على الفحم وحساء دجاج مع جبن مَحلّى والزيتون المَحْمَض».
قال النادل: «والمشروبات؟ لدينا عصائر متنوعة: رمان، تفاح، عنب، وأيضًا عصائر عشبية متنوعة، إضافة إلى شاي بالأعشاب المجففة يُقدَّم ساخنًا في أكواب صغيرة».
همس يوراي: «عصير الأعشاب».
«وأنا أيضًا»، قال يوسافير.
تحدث نادل: «حسنًا، بعد قليل ستكون طلباتكما جاهزة».
مشى النادل بسرعة إلى مطبخ المطعم الموجود في الجانب.
بعد دقائق أحضرت طلباتهما.
قُدّم الطعام في أطباق من الفخار المزخرف أمام الاثنان، ارتفع دخان أبيض من كل الأطباق الساخنة.
وضع النادل صينية خشبية ثم قال: «لابد أنكما قرأتما اللافتة قبل أن تدخلا».
سأله يوسافير: «كم الثمن؟»
بدأ النادل يعد بأصابعه ثم قال: «لديكما أنتما الاثنان: 47 سولارًا معدنيًا».
أومأ يوسافير برأسه ثم أدخل يده في سترته وأخرج بعض السولارات منها: ذهبية وفضية، لكنه وضع على الصينية أربع قطع نحاسية وسبع سولارات معدنية.
بابتسامة عريضة قال النادل: «أرجو أن تستمتعا بطعامكما»، ثم التفت وغادر.
«بسم الله» قال الإثنان معا
التقط يوراي قطعة من السمك المدخن، وعندما عضها امتلأ فمه بنكهة الدخان الخفيف والملح الطبيعي مع ملمس رقيق يذوب بين أسنانه، بينما الطجين المليء بالخضار المطهية برائحة الأعشاب أعطاه دفئًا وراحة داخلية.
أضاف قليلًا من الخبز المسطح إلى فمه ممتزجًا مع عصير الأعشاب الذي أضفى شعورًا بالانتعاش.
أما يوسافير، فالتقط شوكة مليئة باللحم المشوي على الفحم؛ كان لحم طريًا وعطره يغمر المكان، وأثناء مضغه شعر بالملمس الغني والتوابل الدافئة التي اختلطت مع حساء الدجاج الساخن.
وعند تذوق الجبن المحلى مع الزيتون المَحْمَض شعر بتوازن رائع بين الحلاوة والملوحة، كأن كل قضمة تحكي قصة المكونات الطازجة بعناية.
بينما غمر عصير الأعشاب حلقه تبادل نظرات مع الرجل أمامه. لكن سرعان ما أدار وجهه وحدق في يوراي الذي بدا منغمِسًا في طعامه.
ابتسم يوسافير ثم أكمل طعامه بينما أصوات الزبائن من حولهما تضيف صخبًا للمطعم.
نهاية.