رفع يوسافير آخر قطعة لحم، وضعها في فمه وقال وهو يمضغ بفم ممتلئ، وعيناه على يوراي: «هذه الأطباق شهية حقًا.»
قبل أن يستجيب يوراي، فجأة دخلت أذنا الإثنين نبرة واثقة: «معك حق أيها الصبي، فمهما جُلت في هذه المدينة لن تجد مطعمًا يُقدّم أطباقًا شهية كهذه.»
نظر يوسافير ويوراي إلى الرجل الجالس معهم في نفس الطاولة.
ابتسم الرجل: «يبدو أنكم لستم من هذه المملكة.»
أجاب يوسافير: «لا، نحن لسنا من هذه المملكة.»
وقعت أنظار الرجل على الفجوة بين رداء يوسافير حيث ظهرت الراية الصغيرة المطرزة على لباسه، ثم قال: «يبدو أنكم أتيتم للاستمتاع بالمهرجان، أليس كذلك؟»
رفع يوسافير منديلًا من على الطاولة ومسح فمه: «نعم، يمكنك قول ذلك. وأنت، هل أنت من هذه المملكة؟»
رد الرجل بعد أن اتكأ للوراء ورفع جرته كي يشرب: «لا، لست من هنا، بلادي بعيدة جدًا.»
رفع يوسافير يده عالياً نحو النادل، ثم حول نظره إلى الرجل: «وهل أنت هنا للاستمتاع بالمهرجان؟»
نزلت بعض القطرات من فم الرجل الذي يشرب، مسح فمه بيده مع ابتسامة وتنهيدة خفيفة: «أبحث عن شخص ما، أما المهرجان فلا يغريني»، ثم سأل: «أنتم ثوار، أليس كذلك؟»
لاحظ يوسافير نظرة الرجل الذي يحدق في ملابسه: «نعم، نحن ثوار.»
ثم خرج صوت خفيف بجانب يوسافير: «وأنت كذلك ثائر، أليس كذلك؟»
حدق الرجل في الشاب ذو العينين المغمضتين والشعر الأبيض الذي كان صامتًا منذ فترة، ثم أمسك بصدره: «نعم، يمكنك قول ذلك.»
«تلك الراية لم أشاهدها من قبل، أي ثائر تتبعون؟» سأل الرجل مرة أخرى.
ضم يوسافير يده إلى صدره: «نحن لا نتبع أحد.»
«هل تريد شيئًا؟» فجأة وقف النادل بابتسامة.
«هل لديكم صحف؟» سأل يوسافير.
أومأ النادل: «نعم، هل تريدها جديدة أم قديمة؟»
رفع يوسافير إصبعيه الاثنين.
«حسنًا، أيها الشاب.»
بعد أن ذهب النادل وأحضر بعض الصحف، تساءل الرجل مرة أخرى: «يبدو أنكم خرجتم إلى العالم لتو، لا زلتم في بدايتكم، أليس كذلك؟»
قلب يوسافير الصحف ثم أجاب: «نعم.»
أدار الرجل وجهه نحو يوراي: «عليكم توخي الحذر، فالثوار دائمًا ملاحقون من طرف الجيش والصيادين.»
لم يحمل وجه يوراي أي تعبير، ثم همس بصوت خافت لكنه يحمل وزناً ثقيلاً: «لا يهم من يلاحقنا، فالأدوار يمكن أن تتغير في أي وقت.»
«هاهاهاهاها!» ضحك الرجل بصوت عالي بينما صمت حل في المطعم ولانظارات ترامت عليه، ثم قال: «تريد أن تلاحق الجيش؟ لم أسمع بهذا من قبل.»
رفع يديه اليمنى وأشار نحو يوراي: «أنت مثير الاهتمام، لقد أعجبتني يا فتى، لقد جئت إلى هنا من أجل شخص ما، لكن لا ضير من أخذك أيضًا، ما رأيك أن تنضم لعصبتي؟»
فاجأ هذا يوراي، لكن يوسافير لم يهتم، فقط ظهرت نظرة سخرية على وجهه وأكمل قراءته.
«أنت تابع لعصبة ما؟» سأل يوراي بهدوء.
بعد أن صمت الرجل، أزيحت جميع الأنظار عليه، وعاد الهرج للمطعم مرة أخرى.
«أجل، عصبة القيصر النائم، هل تعرفها؟»
«لا أعرف شيئًا عن المنظمات أو أي شيء آخر»، أجاب يوراي بهدوء.
«إذن، ما رأيك؟ هل تنضم؟»
استرخى يوراي للوراء: «آسف، لست مهتمًا.»
تفاجأ الرجل برد يوراي بسرعة: «أنت سريع يا فتى، لماذا لا تفكر قليلاً يومًا أو يومين؟»
«لا أهتم، حتى لو مرت سنين، جوابي إن خرج من فمي سيبقى كما هو، فليس هناك فرق بين اليوم أو غدًا.»
رتشف الرجل من جرته بينما انتشرت في الهواء رائحة زكية: «يا فتى، أنت متسرع حقًا، لكن هذه خسارة، أنت قوي جدًا.»
عندما طلب الرجل من يوراي الانضمام لعصابته، لم يكن لأنه أعجبه من خلال كلامه، لكن لأول مرة عندما وقفا أمامه، شعر بشيء هادئ قادم منه وعرف أن هذا شخص غير عادي بالمرة.
«هذا الفتى غريب حقًا، سيكون داعمًا لنا، لا يمكنني تركه يفلت من يدي، فمثل هذا الشاب نادر جدًا.» فكر رجل داخلياً.
نظر الرجل إلى يوراي: «نحن لا نفرقك عن صديقك، تريد أخذه؟ فلا بأس، يمكنه الانضمام أيضًا.»
ظن الرجل أن عدم موافقة يوراي هو صديقه الذي بجانبه، فلهذا قال مثل هذه الكلمات.
تغيرت تعابير يوسافير: ضيق عينيه مع نظرة حادة متغطرسة.
ورفع طفيف لحاجبيه، وقضم شفتيه العليا مع خروج نفس من الجهتين، كان مشهدًا يثير الغرور.
رأى الرجل ذلك، ندهش قليلاً بعد تحديق لفترة، ثم فتح فمه: «ما بك يا فتى؟ هل أصيب وجهك بشلل؟»
«يبدو أنك أنت من أصيب دماغك بشلل»، رد يوسافير بغرور.
أدار الرجل وجهه نحو يوراي، لم يهتم لكلام الشاب أمامه لأنه وجد أنه شخص عادي لا يستحق الاهتمام، فالكلام الذي قاله ليوراي من أجل يوسافير كان فقط لكي يجذبه، أما الآخر فلم يهتم لأمره.
«ما رأيك؟» تساءل الرجل.
تنهد يوراي وتمتم بهدوء: «جوابي لقد سمعته، لا داعي لإعادته.»
رفع الرجل حاجبيه بعد أن فقد الأمل في ضمه، ورفع جرته ورتشف رشفة أخرى.
في هذه اللحظة دخلت مجموعة من الأشخاص، تتكون من عشرة شباب وفتاة واحدة، ووقفوا أمام الباب وبدأوا في تحديق المطعم.
تعرف عليهم بعض الناس، ارتفعت همهمات وأحاديث فورًا بينهم:
«أليس هذا هو ثائر غراب الليل؟»
«نعم، نعم، انظروا إنه قائدهم شاب رايڤن بيتهورن.»
ــ إنه هو حقا.
قال شخص آخر: «تملك الرايته نجمة واحدة، لقد ظهر فقط هذا العام وتمكن من وضع اسمه في خانة المطلوبين.»
«لكن ما سبب ظهوره علنًا؟»
«يا غبي، ألا تعرف المهرجان على الأبواب، وظهوره علنًا في العاصمة، لأنه يحضر القتال علنًا، المهرجان بالنسبة للملكة شيء مقدس، أي قتال لا يتم تسامح معه، حتى الصيادين لا
يجرؤون على التحرك في هذا الوقت. من يدير هذا المهرجان هم الفرسان متعاونون مع الجيش.»
تقدم رايڤن أمام المجموعة بخطوات واثقة، وبعينيه البنية حدق فلم يجد طاولة فارغة.
انحنى الكثير من الأشخاص واضعين رؤوسهم، لم يجرؤوا على النظر.
توقف رايڤن بجانب طاولة وأمسك بشخص من كثيفه، ثم تحدث بصوت حاد: «أظنكم انتهيتم من طعامكم، لماذا لا تفرغوا طاولة لنا؟»
لم يجرؤ شخص على الجدال ووقف، ومعه وقف جميع من في الطاولة تاركين طاولة فارغة، لكن لا زالت بقايا طعام على جنباتها.
تكلم شخص بجانب رايڤن القائد: «انظر، هناك طاولة يجلس فيها فقط ثلاثة أشخاص، ما رأيك، هل نذهب لها؟»
تحولت نظرة رايڤن إلى الطاولة التي يجلس فيها يوسافير ويوراي والرجل، لكن نظره توقف على الرجل الذي يشرب من جرته غير مبالٍ بالوضع.
توسعت عيون رايڤن قليلاً عندما رأى الراية في صدر الرجل، راية صفراء بالكامل تتوسطها رصمة لذئب، ثم أزاح نظره في الحال وقال: «لا تقتربوا من تلك الطاولة.»
لم يفهم الأشخاص خلفه شيئًا، بل شعروا بالفضول وهم يحدقون في الرجل، بينما كان يوسافير ويوراي مديرين ظهورهم لهم، فلم يروا وجوههم.
تساءل أحد الأشخاص: «هل تعرفه يا قائد؟»
«لست متأكدًا، لكن لا داعي للبحث في خلفيته.»
أومأ شخص برأسه.
كان رايڤن بتهورن ذو شعر بني مائل إلى رمادي، مع رداء أسود، وقميص داخلي أحمر داكن.
وسط صدره كانت هناك راية صغيرة حمراء وسطها غراب أسود وعلى الجانبين خطان أسودان.
وسروال أسود جلدي مملوء بنجوم ذهبية، وعلى رأسه ارتفعت قبعة مدورة جوانبها مرفوعة بلون البني.
كان باقي أفراد المجموعة، ما عدا اثنان، ملابسهم موحدة بالباس الأحمر الداكن، وبنطال أسود مع نفس الراية على صدورهم.
أما الفتاة فكانت ترتدي تنورة حمراء فضفاضة، شعرها بني مربوط للوراء كذيل حصان.
أما شخصان آخران، الأول بشعر أشقر البراق وعينين زرقاوين بملابس قماشية مرقعة بعدة ألوان، وسيف طويل بالغامض الأبيض بجانبه الأيمن، كان اسمه جاك.
والثاني بريلي، شعر أسود، عينان بنيتان، بنذبة تقسم شفتيه بشكل مائل، ببدلة رمادية، وقميص داخلي أسود وبنطال رمادي، وأيضًا سيف بغمض أسود رديء بجانبه الأيسر.
علقت راية على جميع صدور المجموعة وكانت تنتمي الراية إلى الثائر رايڤن بتهورن، الغراب الأسود.
بعد أن قاموا بإرغام مجموعة أخرى، جلسوا جميعًا وبدأوا بدردشة.
كان جاك يحدق في يوسافير ويوراي والرجل وهو جالس بجانب رايڤن، ثم قال: «رايڤن، هل تظن أن ثلاثة معًا؟»
رد رايڤن وهو يحدق في النادل الذي يمسح الطاولة من بقايا طعام: «كيف لي أن أعرف؟ فنحن لا نعرف شيئًا عن أولئك الأشخاص.
تلك الراية على صدر الرجل، أظن أني رأيتها في مكان ما، وأنا متأكد أنها ليست راية عادية.»
تكأ يوراي للخلف بينما يشرب شاي الأعشاب الساخن، بينما قرأ يوسافير الأحداث التي وقعت مؤخرًا والتي لم تثر اهتمامه، ووضع الصحيفة، ثم رفع رأسه محدقًا في السقف.
في تلك اللحظة سمعوا الرجل الذي كان صامتًا منذ فترة يتكلم: «بالمناسبة، اسمي ليلار، ما اسمكما؟» سأل وهو ينظر إلى يوراي.
«أنا يوراي»، أجاب بهدوء.
يوسافير لم يهتم بالرجل، وأيضًا الرجل لم يثر يوسافير اهتمامه، لهذا لم يهتم باسمه.
وقف الرجل وقال: «سنلتقي يومًا، وأرجو ألا نكون أعداء، وأرجو أيضًا ألا تندم على الاختيار الذي تبعته.»
لم يجب يوراي واكتفى بالصمت، بينما أغلق يوسافير عينيه شديدتا سواد وتكأ للوراء مرة أخرى.
هم الرجل بالخروج وهو يحمل جرته الطينية بيده، رغم أنه شرب منها منذ جلوس يوسافير ويوراي معه، إلى أن بدا الماء في داخلها لا ينتهي.
نهاية الفصل.
ياترى من هذا الرجل؟ وما تلك راية؟