متلئ المدرج بالمزيد من الناس الذين تبدو عليهم ملامح البهجة والسرور، يضحكون ويبتسمون، وأطفالهم في المدرجات يغنون. كان هذا اليوم فريداً في المملكة.
في جهة أخرى من المدرج، كانت هناك منصة مختلفة عن باقي المدرج حيث كان يجلس العديد من الشخصيات المهمة، منهم دورانا وأتباعها، ولبران الذي التقى به فليكس هذا الصباح، وآخرون، إضافة إلى العديد من المقاعد الفارغة التي لم تمتلئ بعد.
بعد أن وصلت وقت الظهيرة، ارتفعت أبواق خارج المدرج تنذر بوصول الملك وعائلته.
فتح باب كان مغلقاً طوال الوقت، منه تقدم الملك ببطء بردائه الأحمر البراق، وبجانبه الملكة بفستانها الأصفر الباهت المملوء بعروق خافتة مثل أوراق الشجر التي تتساقط في الخريف.
أبناؤه الخمسة، أربعة منهم يشبهون الملكة تماماً، إلا واحد منهم، وهو الأمير الرابع، يشبه الملك.
تقدمت الأسرة الحاكمة إلى المنصة الشرفية بتصفيقات حارة، وأيضا كانت المنصة كلها ممتلئة لأن، توجهوا إلى الأماكن الخاصة بهم.
خلف الأسرة الحاكمة دخل فليكس ووراءه فرسان المملكة بصفوفهم السبعة حاملين راية كنيسة اتحاد الأمم أمامهم.
وقف جميع من في المدرج وارتفعت الهتافات والصراخ من كل بقاع المدرج. رفع الملك يده يحييهم، وهذا ما جعل الصراخ يرتفع أكثر.
جلس الملك في مقعده الفاخر، وإلى جانبه جلست الملكة وأبناؤه الخمسة، كل واحد جلس في مكانه.
بعد جلوس الجميع، وقف الملك ولوّح بيده: «فليبدأ المهرجان التاسع والستون.»
فجأة دوت أصوات أبواق، حيث يمكن سماعها من على بعد مسافة بعيدة جداً، حتى أن البعض في المدرجات غطّى أذنيه، وآخرون صرخوا مع الأبواق.
في وسط الساحة وقف رجل بقناع له قرون ورداء أبيض طويل يحمل زهرة الشمس في يده.
سعل الرجل بخفة ثم تكلم: «مرحباً سيداتي وسادتي، مرحباً بحضورنا الكرام، مرحباً بكل شخص حاضر من مملكتنا أو من خارجها، صغير أو كبير، رجل أو امرأة، مرحباً بالجميع.»
ثم انحنى قليلاً باتجاه المنصة الشرفية.
«اليوم هو يوم خاص للمملكة، ليس لأنه مهرجان فقط، لكن اليوم سيعلن جلالته خليفته ووريثه الذي سيخدم شعبه ويمنّ عليهم ببركاته، وسيقف سداً منيعاً في وجه أعدائه.»
فجأة، خارج المدرج، دوت أصوات أبواق، أصوات مغايرة عن صوت الأبواق من قبل.
صمت الرجل وسط الساحة ثم نظر باتجاه الملك: «يبدو أن الإرث قد وصل، جلالتك.»
أومأ الملك برأسه دون أن يخرج كلمة.
ناطق وسط الساحة رفع يده نحو جنديين أمام الباب.
بدأ الباب الآخر الذي كان مغلقاً يفتح، ومعه أُغلقت جميع الأبواب الأخرى. كان هذا طريقاً خاصاً جداً.
دخل أربعة أشخاص يحملون صندوقاً متوسط الحجم على رؤوسهم، من ذهب منقوش عليه راية كنيسة اتحاد الأمم.
وقف الملك، ثم تبعته زوجته وأبناؤه، ثم من في المنصة الشرفية، ثم من في المدرجات. الكل واقف باستثناء ثلاثة أشخاص.
كان الإثنان الأولان يوسافير ويوراي، اللذان كانا يجلسان في أواخر المدرج.
والآخر ليلار، كان حاضراً ريثما ينتهي المهرجان، ولأن أنظار الجميع كانت موجهة على الملك لم ينتبه لهم أحد.
تقدم فليكس نحو الملك وناوله زهرة الشمس.
أمسك الملك بالزهرة ثم نظر نحو المدرجات ووقف مرة أخرى، وبدأ يتقدم للأمام: «مرحباً بكم جميعاً، سواء كنتم من مملكة راندور أو من ممالك أخرى، يسعدني أن أتشَارك معكم هذا اليوم المميز الخاص بمملكتي.»
«اليوم ستشهد مملكة راندور ملكاً جديداً سيكمل ما بدأه أجداده، جيلًا بعد جيل.»
«أنتم تعرفون بأن مملكتنا صغيرة مقارنة بالممالك الأخرى، لكنها لم تكن هكذا يوماً ما.»
«مملكة راندور لم تكن صغيرة هكذا من قبل، بل كانت تقارع الممالك الأخرى، لكن لا أحد يعرف لماذا بدأت المملكة تتدهور مع الزمان حتى صارت كما هي الأن.
لقد فعلت ما في وسعي لإرجاعها كما كانت عليه أو أفضل، لكن دون جدوى، وكان شيء ما يمنعها من التقدم.»
«أتمنى من قلبي أن من يمسك هذه البلاد أن يرجعها كما كانت عليه قبل مئات السنين.»
ــ ثرثرة
«هل هذا صحيح؟ كانت المملكة راندور ضخمة؟»
«وهل تظن أن الملك يكذب؟»
«أتفق معك، بما أن الملك نفسه قالها، إذاً لابد أنها الحقيقة.»
كان بعض الناس في المدرجات يتساءلون عن ما قاله الملك، لكن تمت مقاطعتهم بعد أن تكلم الملك.
التفت الملك نحو أبنائه ثم قال: «تقدموا.»
وقف الملك أمام أبنائه الخمسة ثم قال بهدوء وعينه تنظر إليهم: «اليوم واحد منكم سيمنح شرف تسيير هذه البلاد، لكن تذكروا جيداً، ليس كل من يملك هذه السلطة فهو مناسب لها.»
«عليكم أن تكونوا أهلاً لهذا الدور. أتمنى أن يكون الذي سأختاره أهلاً لثقتي وثقة شعبه ولا يخيب أملهم.»
ثم أشار بيده نحو الرجال الأربعة الذين يحملون الصندوق.
تقدم الأربعة ببطء، وضعوا الصندوق أمام قدم الملك، تراجع ثلاثة بينما وقف أحدهم بجانب الصندوق.
فتح الرجل الصندوق ثم خفض رأسه، لم يقدر أن ينظر إلى الملك مباشرة.
مد الملك يده نحوه، فهم الرجل الملك وانحنى، وأخرج صندوقاً صغيراً من الصندوق الكبير.
كان شكل الصندوق غريباً نوعاً ما، ذهبي مليئاً بالنقوش، وأهم هذه النقوش كان نقش لشمس سوداء.
نظر الملك نحو أبنائه ثم فتح الصندوق، وأخرج جمجمة عليها بعض الكتابات والنقوش.
ثم أخرج الرجل لوحة حجرية طولها ثلاثون سنتيمتراً وعرضها خمسة عشر سنتيمتراً.
كانت هذه لوحة مملوءة بكتابة غريبة ونقوش تشبه إلى حد ما النقوش التي على الجمجمة.
أمسك الرجل بالصندوق الصغير وناول الملك اللوحة الحجرية.
وقف معظم الناس في المدرجات بعد أن لاحظوا الملك يحمل تلك الأشياء.
نظر الملك إلى الجمجمة واللوحة، تأملهما قليلاً وكأنه تذكر شيئاً ما، ثم تمتم في نفسه: «العمر يمر بسرعة.»
لقد تذكر الملك يوم تتويجه واعتلائه العرش، كان لا يزال صغيراً حينها.
حدق أبناء الملك في الشيئين اللذين يحملهما، وأيضاً الأشخاص في المنصة الشرفية كانوا يحدّقون بتمعن.
إذن جمجمة ولوحة حجرية هي إرث مملكة راندور... تمتم لبران داخلياً: «يا ترى ما هي هذه الأشياء؟»
كل من كان قريباً كانت عيناه على الجمجمة واللوحة.
بعد صمت دام للحظات تحدث الملك: «هذان هما إرث هذه المملكة منذ عصور قديمة، لا أعلم ماهية هذه اللوحة والجمجمة، لكنهما بالفعل شيئان من الزمن الغابر.»
«الجمجمة حقيقية، أما بالنسبة للوحة فهي نسخة مصغرة، لأن اللوحة الكبيرة لا يمكن إخراجها من القصر.»
«أما بالنسبة لمن سيحل مكاني ويأخذ منصبي، فقد تم تقرير ذلك من قبل. أما الآن فسأعلن خليفتي.»
«كلكم تعلمون أن اختيار الوريث جاء بعد استشارة المجلس ولم أقرره وحدي، لكن اختيار واحد من بين أبنائك أمر صعب جداً.
لكن في النهاية لا بد من اختيار، لا يمكن لهذا المنصب أن يبقى فارغاً للأبد.»
«وتأكدوا جيداً أن اختيار واحد منكم لا يقلل من محبتي لكم جميعاً، فلهذا على الآخرين مساعدة الوريث في خدمة البلاد واستقرارها والحفاظ على أمنها.»
«وريثي هو الأمير الأول.»
لم تتغير ملامح العديد من الأشخاص في المنصة الشرفية، حتى في المدرجات، كان واضحاً من سيكون الوريث.
ساد صمت دام لحظة، بعدها ارتفعت ضجة فوراً وارتفع صياح الفرح وتصفيقات ملأت المدرج.
ظهرت ملامح غير راضية على الأبناء الآخرين، لكن واحداً منهم لم تتغير ملامحه، كان هادئاً للغاية، الأمير الرابع بملابسه السوداء الفضفاضة.
رفع الملك يده فصمت الجميع.
«نظراً لخبرته في التعامل مع العديد من القضايا والمهمات الصعبة وتحليلاته السريعة، مكنه هذا من أخذ هذا المنصب.
كلكم تم اختباركم، وكلكم كنتم عند حسن الظن، خصوصاً الأمير الأول والرابع.»
«لكن الأول تفوق بفارق ضئيل، هذا مكنه من أخذ هذا المنصب.»
تحدث الناس في المدرجات عن أبناء الملك، وأشاد أكثرهم بالأمير الأول، خصوصاً أنه كان كثير الظهور في المدينة، وهذا الاختيار جعل جميع من في المدرجات سعداء.
أكمل الملك كلامه وقال: «الأمير الأول، تقدم.»
تقدم الأمير الأول نحو أبيه، ابتسم الملك وهو ينظر إلى ابنه: «رام، تهانينا.»
رام كان إسم الأمير الأول.
ابتسم الأمير الأول ثم انحنى للملك: «سأتأكد دائماً بأنك أحسنت اختيارك، جلالتك.»
«ارفع رأسك»، قال الملك.
رفع الأمير رأسه عندما مد الملك يده، مقدماً الجمجمة واللوحة نحوه. أمسك الأمير بهما.
فجأة جاء أحد الأشخاص في أواخر العشرينات من عمره، يبدو تابعاً للأمير الأول.
أمسك الشاب بالصندوق الصغير، وضع الأمير الجمجمة فيه، واللوحة في الصندوق الكبير، وأغلق الصندوق.
ثم تقدم فليكس حاملاً بين يديه تاجاً ذهبياً مرصعاً بالجواهر البراقة، كان مختلفاً عن الذي فوق رأس الملك.
حمل الملك التاج، وانحنى قليلاً نحو الأمير، وضع التاج فوق رأسه.
في هذه اللحظة ارتفعت التصفيقات والصيحات، كما دوى صوت أبواب وانفجارات للألعاب النارية في السماء الزرقاء.
كانت المدينة في هذه اللحظة مليئة بالضجيج، الكل يصرخ بأعلى صوته.
ليس فقط في المدرجات، بل في الخارج أيضاً، لأن المدرج لا يمكن أن يتسع لجميع سكان المملكة، كانت هناك شاشات في المدنية تنقل كل ما يجري في المدرج.
تراجع الأمير الأول، وعندما استدار قليلاً نحو المدرجات، أشار بيده تحية للجميع.
ثم رفع زهرة الشمس وهمس بصوت عالٍ: «شكراً لكم على حضوركم، شكراً لكم على تواجدكم هنا معي لمشاركتي هذا الفرح العظيم.»
«أتمنى أن أكون عند حسن ظنكم، سأعمل جاهداً لتحقيق متطلباتكم وتقدم هذه البلاد إلى الأمام.»
التصفيقات في المدرج لم تنتهِ، بل زادت حدتها.
وقف جميع من في المنصة الشرفية، كل شخص تقدم نحو الأمير الأول ومعه مرافق. ذلك المرافق كان يحمل معه هدية في يديه.
اكتملت الإجراءات بسرعة، قدم المبعوثون من الممالك الأخرى هداياهم إلى الوريث.
جلس الأمير في مكانه، وبجانبه، قرب قدميه، الصندوق الذي يحتوي على إرث مملكة راندور.
في تلك اللحظة تقدمت دورانا نحو الملك ووقفت أمامه.
قدمت تحية للملك والملكة ثم قالت: «فخامتك، لقد ذاع صيت أحد فرسانك في السنتين الأخيرتين، وظهرت إشاعات بأنه قوي جداً.
فقلت بما أن هذا اليوم خاص لكم، فما رأيك أن يأخذ نزالاً مع أحد أتباعي؟»
حدق الملك في دورانا وهو يفكر، ثم قال: «من تقصدين؟»
أشارت دورانا نحو ميمون: «ذلك الشخص.»
نظر الملك نحو ميمون: «بما أن السيدة دورانا طلبت ذلك، فمن العيب رفض طلبها.»
«شكراً لك»، قالت، وتراجعت لمكانها.
نزل فليكس وتحدث مع الناطق بصوت خافت.
تنهد الناطق ثم تحدث بصوت مرتفع: «سيداتي وسادتي، كنا سنقدم عرضاً بمناسبة هذه المناسبة الرائعة، لكن فجأة حدث شيء، سنضطر إلى تأجيل هذا الحدث قليلاً.
لأن لدينا معركة ستحدث بين أحد فرسان المملكة وأجنبي من قارة بعيدة.»
«الشخص المتقدم من الفرسان هو ميمون، والملقب بحاصد الأرواح المعروف، لا يعرف... والشخص الثاني هو أحد أتباع السيدة النبيلة دورانا.»
نهاية.
الإثارة على وشك البدأ