على الحلبة، نظر جاك إلى دينغو بلا مبالاة، متجاهلًا تمامًا نظرته الاستفزازية. فبالنسبة له، إذا لم يكن هذا الرجل بمستوى "النمر ذو الندبة"، فكيف يمكنه إضاعة وقته عليه؟
كلما أنهى المباراة مبكرًا، كلما حصل على مكافآته أسرع. لذلك، كان جاك ببساطة ينتظر صوت الجرس الذي يعلن بداية... المباراة؟ في الحقيقة، جاك لم يكن مقتنعًا أن ما سيجري هو مباراة، بل أقرب إلى عملية ضرب من طرف واحد.
ولم يكن ذلك غرورًا أو استعلاءً من جاك، بل مجرد حقيقة. فحتى الآن، لم يقابل خصمًا يضاهيه في قوته.
أما الدقائق الخمس المخصصة قبل بدء القتال، فكانت لإتاحة الفرصة لأولئك الذين يرغبون بالمراهنة على النتيجة. حيث عُرضت بيانات المقاتلين على شاشات معلقة في الهواء.
بالطبع، كانت المعلومات الأساسية التي قدّماها خلال التسجيل فقط. بيانات دينغو أظهرت أداءه خلال الأشهر الأربعة الماضية في الحلبة.
أما بيانات جاك، فقد أظهرت أنه مبتدئ، وأن هذه أول مباراة رسمية له. بكلمات أخرى، لم يسبق له أن شارك في منافسة من قبل، وهذه ستكون أول مشاركة له!
ولهذا السبب بالتحديد، كانت احتمالات فوز جاك ضعيفة جدًا. وكان عدد المراهنين على فوزه قليلًا جدًا. بعضهم أراد فقط المجازفة على "الحصان الأسود". وإذا اتضح أن جاك هو ذاك الحصان الأسود فعلًا، فستكون مكافأتهم ضخمة.
حين رأى دينغو أن جاك لا يعيره أي اهتمام، شعر بأنه يُحتقر. وكشخص يملك كبرياءه، كيف يسمح لأحدهم بأن يهينه؟ لقد كان يقاتل في هذه الحلبة منذ أربعة أشهر!
وفي شهرين من أصل الأربعة، تمكّن من الوصول إلى الدور الأخير من التصفيات التمهيدية. وهذه المرة كان يستهدف بلوغ المراكز الثمانية الأولى.
ومع ذلك، في الجولة الأولى، يظهر له خصم صغير لا يضعه بالحسبان؟ كيف لا يغضب؟
نظر إلى جاك وقال بصوتٍ مرتفع: "اسمعني أيها الصغير، من الأفضل لك أن تستسلم الآن، وإلا فسأكسر كل عظمة في جسدك."
لم يقلها بصوت خافت، بل بصوت سُمع بوضوح على بعد مئة متر. ومع اقتراب المذيع من الحلبة وهو يحمل الميكروفون، سُمعت كلماته بوضوح تام بين الحضور.
وكنتيجة لذلك، اندلعت همهمة وسط الجمهور. بعضهم أراد من جاك أن ينسحب فورًا، والبعض الآخر تحمّس لفكرة رؤية عظامه تُكسَر.
عندما سمع جاك كلمات دينغو، عبس. وراح يتساءل مجددًا: "ما خطب الناس هذه الأيام؟ ألسنتهم لا تتوقف أبدًا. يتحدثون دون تفكير، دون أن يعرفوا من أمامهم. أو ربما أن من يأتون إلى هذه الساحة هم مجرد همج لا يستخدمون عقولهم؟"
وبينما جاك لا يزال عابسًا وصامتًا، لم يُعجب ذلك دينغو. فقال مرة أخرى: "بما أنك تبدو مترددًا هكذا، فسألقنك درسًا جيدًا. سأخلع القناع عن وجهك، ثم أنزع ثيابك أمام الجميع. أريد أن أرى كيف ستقابل فتاتك بعد ذلك."
كانت على وجهه ابتسامة خبيثة وهو يحدّق في جاك. كان واثقًا تمامًا من قدرته على تنفيذ تهديداته بمجرد أن يتغلب عليه. ورغم أنه رأى جاك يزيح يد "النمر ذو الندبة" بسهولة، ظنّ أن ذلك حدث لأن النمر لم يكن مستعدًا ولم يستخدم كل قوته.
كما أنه كان ينوي مهاجمة جاك منذ البداية دون أن يترك له مجالًا للاستسلام داخل الحلبة.
وعندما سمعت بعض النساء في المدرجات كلماته، احمرّت وجوههن خجلًا. لكن بريقًا من الترقّب ظهر في عيونهن. بل إن بعضهن هتفن تأييدًا لكلمات دينغو، وأيدن ما ينوي فعله.
تحولت نظرة جاك إلى البرودة فور سماعه لكلمات دينغو وتشجيع الجمهور لها. ارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة وهو ينظر إلى دينغو.
"بما أنك تحب إذلالي... فلا بأس في أن أذلّك أيضًا، أليس كذلك؟" تمتم جاك في نفسه.
ورغم أنه كان يريد إنهاء القتال بأسرع وقت ممكن، فإنه لم يتمالك نفسه عن معاقبة هذا النوع من الأشخاص. ثلاث إلى خمس دقائق لإحراج شخص ليست كثيرة، ويمكنه تحمّل ذلك.
دونغ!
في تلك اللحظة، تردد صوت الجرس مجددًا. وتحدث المذيع: "انتهت فترة الرهانات. الآن، حان وقت المواجهة. في العد التنازلي: ثلاثة... اثنان... واحد... قتال!"
في اللحظة التي بدأ فيها المذيع العد التنازلي، كان قد بدأ بالفعل بالانسحاب من الساحة. وبمجرد أن نطق بكلمة "واحد"، كان قد اقترب من حافة الحلبة.
وعند صراخه بكلمة "قتال!"، كان قد استدار بالفعل وهرع خارج الحلبة. حركته تلك أثارت موجة من الضحك والسخرية بين الحضور.
لم يكن السبب أن أحدًا يطارده خارج الحلبة، بل إنه في وقتٍ سابق، كان المذيع (الذي يعمل كحكم أيضًا) قد تورط في قتال بين اثنين من المقاتلين، وانتهى به الأمر مصابًا بعدما تلقى ركلة قوية على ساقه اليسرى أفقدته الحركة.
ومنذ ذلك الحين، أصبح من المعتاد أن يغادر المذيعون الساحة فورًا قبل بدء القتال. فهم يُجرون التحكيم من خارج الحلبة. ورغم أن ذلك ليس سهلًا دائمًا، إلا أنه أكثر أمانًا.
ومع إعلان بداية القتال، لم يضيع دينغو وقتًا، واندفع مهاجمًا جاك برمية لكمة قوية. وبنيته الجسدية جعلت قبضته كبيرة وثقيلة. ولو أصابت شخصًا غير مستعد، فهي كفيلة بتحطيم بعض الأضلاع بسهولة.
وحين رأى جاك اللكمة قادمة نحوه، قرر ألا يرد بالمثل. بل، حين اقتربت منه، مال بجسده قليلًا إلى الجانب ليتفاداها، ثم بقي واقفًا في مكانه ينظر إلى دينغو.
من جهة أخرى، لم يكن لا دينغو ولا الجمهور يتوقعون أن "تفوّت" لكمة موجّهة إلى خصم ثابت. على الأقل، هذا ما ظنه معظم المتفرجين.
لكن بالنسبة لدينغو، والمقاتلين الآخرين، وكبار الشخصيات الحاضرة ممن يملكون نظرات حادة، فقد لاحظوا أن جاك تحرّك قليلًا لتفادي الضربة—حركة دقيقة وتوقيت مثالي.
ورغم مفاجأته، وجّه دينغو لكمة ثانية. لكن النتيجة كانت نفسها: ضربة أخرى "تفوّت" الهدف.
"ما الذي يفعله دينغو؟ هل يظن أننا في سيرك؟"
"ربما يظن ذلك، فطريقته في القتال أشبه بقرد غاضب يهاجم دون خطة."
"هل من الممكن أن تكون المباراة مزورة؟"
"كيف يعقل ذلك؟ لم أسمع يومًا أن بطولات القتال الكبرى كانت مزوّرة."
"أنتم حقًا أغبياء. انظروا إلى وجه دينغو! واضح أنه غاضب لأن ضرباته لا تصيب. انظروا إلى وجهه الذي يشبه قعر القدر، كأنه سينفجر من شدة الغيظ."
"الآن وقد ذكرت ذلك، أراه بوضوح. يبدو أن هناك شيئًا غريبًا في هذا جاك سيلفر."
"هه، يا لكم من قرويين! ألا تلاحظون أن سيلفر يتحرك بخفة؟ إنه يتفادى الضربات بحركات دقيقة لا تلحظونها أنتم أصحاب العيون الكسولة."
"أختك هي الكسولة! تظن أني ما انتبهت؟ فقط لم أشأ أن أعلّق."
"افعل ما تشاء، هذا شأنك."
من جانبه، حين رأى دينغو أن ضرباته لا تصيب، لجأ إلى استخدام قدميه. فهو شخص خاض عشرات المعارك قبل انضمامه للساحة، ويعرف كيف يتصرف.
ورغم غضبه، لم يكن متهورًا تمامًا. فأطلق ركلة قوسية موجهة نحو رأس جاك.
في هذه المرة، علم جاك أنه بحاجة إلى حركة أوسع. وبينما اقتربت الركلة من يساره—وإن بدت للآخرين سريعة، فقد كانت في عينيه بطيئة—انحنى بجسده للخلف، تاركًا القدم تمر فوقه، ثم عاد واعتدل.
والمفاجئ أنه ومنذ بداية القتال، لم يتحرك جاك من مكانه. فقط الجزء العلوي من جسده كان يتحرك، بينما قدماه بقيتا ثابتتين في موضعهما.
وبعد أن أخطأت الركلة، وجّه دينغو ركلة أخرى، لكن النتيجة كانت ذاتها. جاك تفادى الهجمات بسهولة. ومع تصاعد فشله، بدأ الغضب يسيطر على تفكير دينغو ويشوّش تركيزه.
قرر أن يستهدف ساقَي جاك هذه المرة. لكن في هذه اللحظة بالذات، شعر جاك أن الوقت قد حان لينهي الأمر.
وحين انقضّت ساق دينغو باتجاه قدميه، تراجع جاك بخطوات قليلة، متفاديًا الضربة. ومن هناك، بدأ يتحرك بينما يواصل تفادي الضربات.
أما دينغو، فكان قد فقد صوابه وبدأ يهاجم دون أي تفكير. كل ما يشغل عقله هو تمزيق جاك إربًا.
قفز إلى الأمام موجّهًا لكمة نحو وجه جاك. لكن فجأة، تحرك جاك بخطوتين إلى الجانب. وبما أن دينغو اندفع بكامل قوته، لم يتمكن من التوقف حين لم يجد ما يضع قدمه عليه.
وقبل أن يدرك الأمر، سقط على وجهه خارج الحلبة. ولم يشعر بالألم الناتج عن السقوط من ارتفاع متر وبقوة كبيرة إلا حين ارتطم وجهه بالأرض، وهنا فقط استعاد وعيه.
وفي تلك اللحظة، ساد الصمت في جميع أرجاء الساحة—لم ينبس أحد بكلمة، إذ لم يتمكنوا من استيعاب النتيجة التي رأوها بأعينهم.
لكنهم معذورون، حتى دينغو نفسه لم يستطع أن يتقبل أنه هُزم بهذه الطريقة المُذلّة.
"أهذه بطولة حقًا؟ لا أظن أنه ينبغي لك أن تشارك في بطولة كهذه، إنك تُهين معنى البطولة نفسه."—كانت هذه كلمات جاك التي وصلت إلى مسامع دينغو، تؤكد له أن كل ما حدث كان حقيقياً.
_______
التعليق يشجع النشر