الفصل 230: ثلاث رحلات (6)

لم يكن المعنى وراء السؤال: كيف انتهى الأمر بالأميرة لتصبح حاجّةً تتجوّل وحدها في الأراضي الثلجية؟ واحدًا فقط.

'هل يقصد أنه يعرف أنني أميرة؟ وأن الفرسان والتابعين تخلّوا عني؟ بل حتى… أنني أصبحتُ حاجّةً للصدق؟ هل يعرف كل ذلك؟'

كان الأمر غير طبيعي على الإطلاق. ما هو أصل هذا الرجل حتى يعرف كل ذلك؟

"لكل شخص أسبابه الخاصة. تمامًا كما أن الفارس يسافر وحده."

تهرّبت إيروني من الإجابة. لم تكن معتادة على الكلام بهذه الطريقة، لكنها لم تجد خيارًا آخر. فماذا ستجني لو أخبرت فارسًا مجنونًا غريبًا كل شيء بصدق؟

"وإلى أين أنتِ ذاهبة؟"

كان يرتدي درعًا ثمينًا رغم كونه منبعجًا ومتسخًا، ويمتطي جوادًا حربياً جيدًا، وكان جلده ناعمًا على نحو غير متوقع.

وفوق ذلك، ورغم غرابة سلوكه، فإن حديثه بأسلوبٍ أشبه ما يكون بالشخصيات التي خرجت من رواية كلاسيكية كان دليلًا على تلقّيه تعليمًا عاليًا أو نشأته في بيئة لا تفارقها الكتب.

ولهذا أعادت إيروني السؤال إليه كما طرحه عليها.

"لماذا خرجتَ من القلعة وتتجوّل وحدك بلا تابع؟"

"يا صاحبة المقام الرفيع… سؤالكِ هذا يشبه مِخْرَزًا جليديًّا يخترق القلب."

قال ذلك متحسّرًا وأطلق تنهيدة ثقيلة. وقد بدا وسيماً، لكن على نحوٍ ما كان يحمل انطباعًا حزينًا. وعندما رأته يطلق تنهيدة كفيلةٍ بشقّ الأرض، شعرت إيروني وكأنها ارتكبت خطأً فادحًا، وداخلها بدأ الغضب يتصاعد أيضًا.

'لقد أعدتُ إليه نفس ما قاله لي، فلماذا أنا فقط……..'

كانت على وشك أن تطلب منه عدم السؤال عن الخلفيات الشخصية، لكنه سبقها بالكلام.

"لقد فقد شرفي بريقه بيدي."

كما كان يفعل دائمًا، كانت كلماته غامضة. ومع ذلك، استطاعت إيروني أن تخمّن المعنى بشكلٍ مبهم.

مهما كان الذنب الذي ارتكبه، بدا وكأنه تلطّخ بفعلٍ مخزٍ.

"لم يعد على هذه الأرض مكانٌ يقبل جسدي الملوّث بالجبن. ما سُمح لي به الآن هو التجوال الأبدي… والتكفير فقط."

كان يتحدث بعذاب، لكن كل كلمة تخرج من فمه بدت لإيروني مخيفة.

لم يكن في هذا الغابة سواهما. ماذا لو كان قد ارتكب فعلًا مخزيًا، أو كان قاتلًا شريرًا؟ ماذا لو انقلب فجأة وهاجمها؟ هل هناك أي طريقة لصدّه أو الهرب منه؟ نسيت إيروني أن تتنفس وهي تدور الأفكار في رأسها بعجلة.

مدّت يدها تحتها تتلمّس الأغصان، واختارت غصنًا ذا طرفٍ حادّ. وفي تلك اللحظة، نهض واقترب منها.

وعندما وصل إلى جانبها مباشرة، وجّهت إيروني الغصن نحوه. أو… حاولت.

'لماذا… لماذا لا يخرج هذا الشيء!!!'

مهما شدّت بقوة، لم يتحرك الغصن كما تريد، بل اهتزّت الأغصان أسفلها فقط. وفي تلك الأثناء، وصل الرجل—سواء كان فارس القَصَب أو فارس العار—إلى مسافة قريبة جدًا وانحنى نحوها.

حدّقَت به إيروني بعزمٍ، مستعدة لردّ أي أذى بأضعافه إذا حاول إيذاءها.

"يا صاحبة المقام الرفيع… لأكون صريحًا، حتى كلبًا ضالًا لن تتمكني من طرده بهذا الشيء."

فتح يدها بالقوة، محررًا أصابعها من حول الغصن، ثم أخرج خنجرًا من خصره ووضعه في يدها.

"حين تقترب روح خسيسة كظلٍ مظلم… استعملي هذا لتحمي روحكِ النبيلة."

كان الخنجر الذي أعطاها إياه مصقولًا جيدًا، وبمقدور المرء استخدامه لقتل خصمه بسهولة إذا أراد ذلك.

ولما أمسكت إيروني الخنجر بطريقة خاطئة، بدأ يضع أصابعها واحدًا تلو الآخر في مواضعها الصحيحة.

"يا صاحبة المقام الرفيع، تذكري هذا جيدًا. هذه الشفرة ليست رمزًا للشجاعة… إنها أداة لمن يختبئون خلف ستار الجبن، ويترصّدون تلك اللحظة الواحدة التي يَغفل فيها العدو."

من نبرة صوته الجادة، استطاعت إيروني أن تشعر بصدق كلامه.

"أتعني… ألا أستعرض، بل أترصّد الفرصة؟"

طلبت إيروني منه أن يشرح لها أكثر: أين وكيف يجب على امرأة ضعيفة لا تعرف القتال أن تطعن لتستطيع حماية نفسها من الأوغاد.

"إن كان خصمكِ يرتدي درعًا مثلي، فاستهدفي الموضع الأكثر انكشافًا. منطقة مؤخرة العنق وأسفل الفك هي الأنعم… والأكثر فتكًا. إن قطعتِ نهر الدم المارّ هناك، ستختفي كل قوته في لحظة… وسينهار كقلعةٍ من الرمل."

أمسك بيد إيروني وأراها كيف يجب أن تطعن في رقبته وأسفل ذقنه. حتى إنّ خطأً بسيطًا كان قد يؤدي إلى طعنه فعلاً، لذا أرخت يدها واكتفت بالمراقبة.

"وماذا لو لم أستطع استهداف العنق أو الفك؟"

"عندما يهجم عليكِ كحيوانٍ مفترس… اخفضي جسدكِ واهدفي أسفل أضلعه."

كان يطعن جانب جسده بسكّين الخنجر مرارًا ليُريها المكان بدقة.

"يوجد هنا جيبان صغيران يخفيان الشرارة التي تُبقي الحياة مشتعلة."

لحسن الحظ كان يرتدي درعًا، وإلا لجرح نفسه. ومع ذلك، كانت إيروني ترتجف في كل مرة يلمس فيها طرفُ الخنجر جسده.

"وجهي النصل مائلًا نحو الأعلى، واغرزيه بعمق قدر الإمكان. هذا الهجوم قاتل… وصوته خافت، وسيمنحكِ وقتًا للهرب."

"فهمت."

كان الأمر قاسيًا نوعًا ما، لكنه مفيد. لذلك ركزت إيروني كي لا تنسى.

"وإن تعذّر ذلك أيضًا… فاستهدفي الجهة الداخلية من الفخذ، أو منطقة الأُربية. هناك يجري شاطئ خطير يسمّى بالشريان الأبهر. هنا تمامًا……."

كان على وشك الإشارة إلى موضعٍ ما في جسده، لكنه توقّف فجأة. ثم أخذ ينظر حوله وكأنه فقد شيئًا.

'آه… كان يقصد تلك المنطقة…'

أدركت إيروني متأخرة سبب ارتباكه واحمرّ وجهها. عندها رسم الرجل شكل إنسان على الأرض، ثم بدأ يطعن بالخنجر بين الساقين وعلى الفخذ ليشير إلى الموضع.

"إذا مزّقتِ بركتي الدم هاتين… وهاتين… فسيفقد خصمك كمية كبيرة من الدم، ويخسر قدرته على القتال."

"فهمت."

"أيتها الأميرة، هذا ليس قتالًا من أجل شرف الفارس… بل هو صراعٌ من أجل البقاء. أرجوكِ، لا تشعري بالخجل… واحفظي حياتك."

"حسنًا، فهمت."

أنهى فارس القصب شرحه، ثم قدّم الخنجر مجددًا إلى إيروني باحترام. وما إن أخذته منه، حتى فكّ غمد الخنجر المصنوع من الجلد وحزامه وأعطاها إياه أيضًا. ولأنها كانت تريد سلاحًا منذ البداية، لم تتردد في قبوله.

"شكرًا لك."

"إن كان ما أقدّمه يعين شخصًا ساميًا مثلك، فأنا قادر على تقديم ما هو أكثر."

"هذا يكفيني الآن. على الأغلب… لن أستطيع استخدام أشياء أخرى."

"يا صاحبة المقام الرفيع… ما دامَت رحلتنا مستمرة، فسوف يعلّمك هذا الفارس الوضيع كل ما يعرفه."

"أنت… ستعلّمني؟"

تذكرت إيروني معركته الخاسرة مع شجرة لا حياة فيها. ربما كان ماهرًا في الصيد، لكن مهارته في القتال لم تكن تبدو جيدة على الإطلاق.

إلا أنها عندما نظرت إلى عينيه الجميلتين المفعمتين بالقلق الصادق، لم تستطع قول شيء جارح.

"حسنًا… إذن أتمنى أن تعلّمني."

ورغم شكوكها في مهارته، إلا أن تعلّمها منه أفضل من جهلها التام، فوافقت على عرضه.

"ولكن… ما غاية رحلتكِ السامية؟ ولماذا تتيهين وحدك؟"

عاد السؤال الذي كانت قد نسيته. فكّرت إيروني قليلًا، ثم شدّت عزمها وفتحت فمها متكلّمة.

"حادثةٌ وحشية دمّرت مصير امرأتين… ودفعتهما إلى مستنقع شقاء لا يمكن الهرب منه."

لم ترغب في الكشف عن من هما المرأتان، ولا ماهي الحادثة؛ ولذلك اضطرت لأن تتحدث بطريقة مبهمة تشبه أسلوب فارس القصب.

ومع ذلك… بدا أنه فهم، إذ اهتزّت عيناه الزرقاوان من الدهشة.

تذكّرت إيروني أمّها التي أنجبتها، والأمّ التي ربّتها، ثم قالت.

"هاتان السيدتان فقدتا شرفهما… ولفظتا أنفاسهما الأخيرة وسط الأسى والبؤس. وأنا أريد كشف الحقيقة… وإعادة النور إلى شرفهما الذي دُنِّس."

كان سبب سقوط حياة المرأتين في الهاوية هو السبب نفسه الذي جعل لإيروني اسمين بدلًا من اسم واحد. ولم تكن تستطيع التقدّم خطوة واحدة دون تصحيح تلك الحادثة. كان هذا هو السبب الذي جعلها تهيم وحدها عبر السهول الجليدية القاحلة.

كان فارس القصب راكعًا على ركبة واحدة وهو يرسم شكل إنسان على الأرض، جالسًا أمام إيروني.

"آه… يا للكارثة!"

قبض بيديه بقوة على شعره الطويل ذي النور الأزرق، ثم هبط على ركبته الأخرى منهارًا تمامًا. اندهشت إيروني من ردّ فعله العنيف.

"هل أنتِ… هل أنتِ الجلّادة التي نزلت لتحاكمَني؟!"

ارتجفت إيروني من الخوف وأمسكت بيد غمد الخنجر، وباليد الأخرى قبضت على مقبضه. لم تستطع فهم ما الذي يحدث أمامها.

"أنا… أنا هو من دمّر الحديقتين المقدّستين!"

انقضّ فجأة وأمسك بيديها واحدةً تلو الأخرى، وجعلها تسحب الخنجر. ثم حاول أن يجعل يدها تطعن عنقه. الشخص الذي بدا طبيعيًا قبل لحظات عاد فجأة ليتحوّل إلى مجنون، ما جعل إيروني ترتعب.

"هيا! اقتليني… وحقّقي انتقامك!"

"ما الذي تفعله؟! لماذا يجب أن أقتلك أصلاً؟!"

"خطئي الأول… أنني تركتُ الوردة الزرقاء التي منحَتْني إياها حاكم الثلج… وحيدةً وسط العاصفة الجليدية. لقد تجاهلتُ تلك الزهرة النقية… حتى ذبلت تحت صقيع البراري… وتحوّلت في النهاية إلى غبار!"

"ما الذي تقوله أنت بالضبط؟!"

صرخت إيروني وهي تحاول بكل قوتها ألا تطعنه.

"وأما خطئي الثاني… فهو أنني خنقتُ الوردة الحمراء التي منحتْني إياها حاكم النهر داخل دموع ساخنة! طوال تلك السنين… لم أسمع الصراخ المخنوق الراقد تحت الأمواج الهادئة! لذلك… عاقبيني! فحزن المرأتين يطحن روحي بلا توقف. أرجوكِ… بهذا الخنجر الحاد… خلّصيني من هذا العبء الملعون!"

"أنا لا أفهم ما الذي تقوله! أنا لا أعرفك! نحن… لا نعرف بعضنا أصلًا!"

"هيا… اقتليني! أرجوكِ… أعيديني إلى العدم الكامل!"

"توقف! توقف! ابتعد عني!"

صرخت إيروني بأعلى صوتها مطالبةً إياه أن يتركها. الرجل الذي كان يمسك بمعصمها محاولًا دفع يدها لتطعن عنقه بالخنجر، ارتجف فجأة كما لو ضربه البرق، ثم أفلت يدها على الفور.

"أنتِ… تحملين خنجر الحقيقة، ومع ذلك لا ترغبين في محاكمتي. هل… هل لم يحن الوقت بعد؟ آه… صحيح… لا بدّ أن رحلتكِ يجب أن تكتمل أولًا…"

تمتم بكلمات مبهمة لا يمكن فهمها، ثم عاد ببطء إلى المكان الذي كان يجلس فيه. جلس من جديد، ثم خفَض رأسه وقال بصوت منهار.

"حتى تنتهي رحلتك… سأحميكِ وسأساندك. لذلك… عندما تُكشَف الحقيقة كلّها، أرجوكِ… أنزلي عقابكِ عليّ."

ثم رفع رأسه نحو السماء الداكنة.

"ذنبي… هو أثقل أعباء الأرض. فقد كسرتُ روحين."

لم تلُم إيروني على ما فعله قبل قليل. لم تفهم على الإطلاق سببَ تصرفاته، لكنّها… شعرت بألمه. بدا وكأن معاناته جعلته يفقد صوابه ويهيم بهذا الشكل.

ومنذ اللحظة الأولى التي التقيا فيها، ظلّ على حاله: فارسًا يصرّ على أن يكون حاميها.

ظلّ يجلب لها الطعام بلا كلل حتى لا تتضور جوعًا، وبقي قربها ليلًا ونهارًا. وبفضله، استطاعت إيروني متابعة طريقها بحثًا عن عدوّها بقدر أكبر من الأمان.

وفي أحد الأيام، بعدما بدأت تعتاد على السفر برفقته… هاجمتهما أزمة خطيرة.

2025/12/10 · 138 مشاهدة · 1508 كلمة
queeniie377
نادي الروايات - 2026