الفصل 231: ثلاث رحلات (7)
كل يوم، بعد أن تنتهي إيروني من تجهيزات التخييم، كانت تتلقى تدريباً أساسياً لتعلّم فنون القتال والمبارزة.
كان فارس القصب أفضل في التعليم مما توقعت.
لم يغضب أبداً أو يتوقف عن التعليم حتى عندما تكرر إيروني أخطاءها، كما كان يجيب بجدّية حتى على أسئلة المبتدئين السخيفة.
"يا أميرة، عليكم الاستمرار في الحفاظ على وضعية الحكم. أمّا النار، فسيتولى هذا الفارس المتواضع إشعالها."
"لكن… أنا أستطيع جمع الحطب……."
"لا تتحركِ. اثني ركبتيكِ قليلاً بخشوع، وافتحي أقدامك أكثر من عرض الكتفين لخفض مركز الثقل."
كانت إيروني على وشك الذهاب لجمع الحطب لأنها لم ترد أن تترك له كل التعب، لكنها عندما أصدر تعليماته، سحبت خنجرها من خصرها واتّبعت ما قال.
"بما أن الأميرة تستخدم اليد اليمنى، فيجب وضع القدم اليسرى في الأمام، واليد اليمنى في الخلف لتأمين مسافة الهجوم. ما زلتي تتمايلين مثل القصب. عليك تقوية العضلات حتى تتمكني من الحفاظ على الوضعية بدقة. ممتاز. حافظي على هذه الوضعية النبيلة."
كان يلتقط الأغصان المتساقطة حول إيروني وينفض عنها التراب. أمّا هي، فكانت ثابتة كتمثال لا تتحرك إلا بعينيها تراقبه.
"إلى متى عليّ فعل هذا؟"
"إلى أن تتوقفي عن الاهتزاز مثل الإرادة الثابتة."
كان الأمر متعباً، لكن إيروني اتبعت التعليمات كما هي.
"الآن سأعطيك إشارة. عندها، غيّري الوضعية إلى وضعية الظل المتدفق ثم إلى وضعية الطعن بالتتابع."
وبعد أن صحّح وضعيتها، تراجع قليلاً.
"الآن."
حملت إيروني الخنجر وغيّرت وضعيتها بينما تسحب قدميها دون أن تترك الأرض، ثم طعنت الهواء. وكلما غيّرت الوضعية، كانت تؤدي حركة الطعن نحو خمس نقاط مختلفة.
"أكرّر، الدفاع عن الجهة السفلية من الكتف مهم جداً خصوصاً عند استخدام الخنجر. ضعي هذا في اعتبارك وكرري الانتقال من وضعية الحكم إلى وضعية الطعن… 100 مرة متتالية."
فعلت إيروني ما طُلب منها، وبعد أن صحّح حركتها عدة مرات أخرى، عاد هو لجمع الحطب.
وعندما حضّر كمية كافية من الحطب، أخرج مرآة مقعّرة وأشعل النار في أوراق جافة وضعها تحت ضوء الشمس. ثم نقل النار إلى الأغصان ونفخ عليها ليقوّي اللهب.
"كح… كح…"
عندما نهض ليجمع المزيد من الحطب، سعل فجأة.
"أنت تسعل طوال اليوم، أليس كذلك؟"
"إنه فقط بسبب الدخان الذي يلفظه الموقد. يا أميرة، واصلي التدريب بجدية أكبر."
"لكن… حتى قبل إشعال النار كنت تسعل."
لوّح بيده قائلاً إنه بخير، لكن إيروني لم تستطع تجاهل الأمر.
حتى أثناء إشعال الموقد، وتنظيف الصيد، ظلّ يسعل باستمرار. وبعد أن أنهت إيروني تدريباتها، اقتربت منه وانتزعت الأرنب الذي كان يقطّعه وجلست إلى جانبه.
لو كانت هي نفسها في الماضي، لما استطاعت لمس جثة الأرنب بيديها، لكن الأمور تغيّرت الآن.
"على أي حال، بما أن يديّ اتّسختا، سأكمل العمل."
"يداي أيضاً اتّسختا بالفعل."
"هل تعلمتِ كيفية تنظيف الصيد؟"
"لقد رأيتها عدة مرات، أستطيع القيام بها."
نظر إليها طويلاً ثم صرف نظره وقال.
"اسمحي لي… أن أتكفّل بالأمر هذه المرة أيضاً."
شعرت إيروني وكأنها تُهمَّش، فانتزعت الأرنب منه بإصرار.
"إذا علّمتني، فسأتعلّم بسرعة."
"كيف يمكن لشخص نبيل مثلك أن…...."
"لا يمكنك الاعتناء بي إلى الأبد. أريد أن أعدّ طعامي بيدي."
نظر إليها وهو جالس، يرفع رأسه قليلاً، وبدت عليه علامات التفكير.
"صحيح… حتى بعد أن تنطفئ شعلة حياتي، سيتعيّن عليكِ عبور هذا العالم القاسي وحدك. من الأفضل لك أن تتعلمي الآن كيف تنجين."
"لم أقصد الأمر بطريقة محزنة لهذه الدرجة....…"
"تقدّمي واجلسي بجانبي."
تحرّك جانباً قليلاً، ثم ناولها السكين والأرنب.
"أولاً، اربطي أرجل الحيوان وعلّقيه رأساً على عقب، ثم اقطعي بخفّة عند الكاحل ولفّي الساق. بعدها اقطعي بخط مستقيم يمتد حتى القلب، ثم أدخلي أطراف أصابعك وافصلي الجلد عن اللحم بقوة. نعم، هكذا تماماً. بعد ذلك عليكِ قطع الساقين الأماميتين ومنطقة العنق بالكامل لنزع الجلد كله."
علّمها كيف تفصل الجلد والفراء عن الجسد، وكيف تعلّقه لتصفية الدم، وغيرها من طرق التنظيف. كانت العملية قذرة وقاسية، لكن إيروني عضّت على شفتيها واتّبعت التعليمات.
'حتى بعد أن أعيد شرف أمّيَّ الاثنتين… لن أعود إلى القصر أبداً. لا أميرة… ولا خادمة… انتهى كل شيء.'
حتى لو لم تفكر إيروني بما تريد أن تصبح عليه، فقد أدركت بوضوح خلال رحلتها بحثاً عن عدوّها… ما الذي لا تريد أن تكونه.
وُلدت كأميرة، ثم أصبحت ابنة لمرضعتها، ثم عادت لتصبح أميرة مرة أخرى ليتم رميها كسلعة في صفقة زواج. والآن، هربت من القصر هرباً من ولي العهد الذي تحول إلى قاتل مجنون، ووجدت نفسها تتجول في سهولٍ خالية.
لأن أياً من هذه الأشياء لم يحدث لأنها أرادتها، فقد أدركت إيروني أنها لم تعد تريد أن تترك الآخرين يتحكمون بمصيرها.
'حياتي ملكي أنا. لذلك يجب أن أتحمل مسؤولية أكلي ومعيشي أيضاً!'
كانت إيروني تحاول تعلّم أي شيء من فارس القصب. وبينما كان لحم الأرنب يُطهى، طلبت منه أن يعلّمها كيفية إشعال النار. رأت عدة مرات كيف يشعل النار باستخدام المرآة وضوء الشمس، لكنها لم تكن تعرف كيف يفعل ذلك في الليل.
"عندما لا تكون الشمس موجودة، نستخدم الصوّان والقدّاحة ونشعل النار بالطريقة ذاتها."
"وماذا لو لم يكن لدينا ذلك أيضاً؟"
"في تلك الحالة، نفعل هكذا………."
أشعل فارس القصب شرارة نار من طرف أصابعه.
"......."
حدّقت إيروني في اللهب الصغير الذي ظهر من العدم في الهواء، حتى إنها نسيت كيف تتكلم للحظة.
وبما أنه لم يجد ما يقوله هو الآخر، بقي ساكناً مثل شمعدان، ثم أطفأ النار وهو يشعر بالحرج متأخراً.
"سامحيني على خطئي. أعتقد أن الأميرة تجد صعوبة في استخدام هذه التقنية."
"........"
"وعندما لا يتوفر لا الصوّان ولا القدّاحة وترغبين في إشعال النار، يمكن احتكاك عودين جافّين من الخشب بهذه الطريقة……."
"كنتَ… ساحراً؟"
كان يبحث عن أغصان ليُريها الطريقة، فتجمّد في مكانه مندهشاً ولوّح بيده نافياً بقوة.
"لا، إطلاقاً. أنا فارس القصب. ساحر؟ مستحيل."
"آه، فهمت… كنت ساحراً إذن……."
هزّت إيروني رأسها ببطء وهي تستعيد ذكرياتها. وأخيراً فهمت لماذا كان يجيد النظرية جيداً… لكنه لا يجيد القتال فعلاً.
"كح… كح……"
وبدا لها أيضاً أنها فهمت أخيراً سبب سعاله المستمر.
ذهبت إيروني إلى السرج الموضوع على الأرض، وبدأت تبحث بين أغراضه بلا تردد. ثم أخذت بعض الأدوات وعادت. وما إن رأى الأدوات بين يديها حتى قفز واقفاً وتراجع بخوف.
"ما… ما السبب يا سيدتي؟"
سأل وهو يشعر بالذعر.
"اخلع درعك."
"هذا ليس درعاً عادياً. إنه رمز الفارس."
"لو كنتَ مستخدم هاله لكان الأمر مختلفاً! لكنك ساحر، وتتجول في هذا البرد مرتدياً كتلة حديد كهذه… طبعاً ستصاب بالبرد!"
"أيتها الفاضلة… أرجو ألا تسيئي الفهم. إنني أرتدي تحت الدرع درعاً مبطّناً سميكاً يحجب عني البرد، فلا داعي للقلق."
رفع يديه محاولاً تهدئتها، لكن بلا فائدة. فقد هجمت عليه إيروني وطرحتْه أرضاً، وبدأت تفك روابط الدرع بكل ما أوتيت من قوة. وكل جزء كان يُنزع كان الفارس يطلق صرخة بائسة.
وبعد معركة طويلة بينهما، كان قد لفّ نفسه بالرداء من رأسه حتى قدميه، جالساً في زاوية، يشهق ويشم. لم يكن يبكي… بل كان ذلك بسبب البرد.
صبّت له إيروني ماءً ساخناً وناولته إياه، ثم طلبت منه أن يقترب أكثر من الموقد ويجلس.
"كيف يمكنني، وأنا بهذا المظهر البائس، أن أبقى بجانبكِ يا سيدتي؟ سأعيش كمنفيّ...…"
"أستطيع دائماً نقل الموقد إلى هناك. هل تريدني أن أفعل ذلك؟"
"لا يمكن أن أسمح لكِ ببذل هذا العناء! بل… بل سأقترب أنا."
اقترب وهو يغطي جسمه جيداً بالرداء كي لا يظهر جزء من بدنه بلا درع.
لا يزال وسيماً، لكنه بدون الدرع بدا أنحف وأرقّ. وحتى مع الدرع المبطّن بدا كراقصٍ نحيف… فكيف سيكون شكله تحته؟
'يا لِلسخافة………'
كان من المؤسف أن ساحراً جنّ بجنون الفروسية وانتهى إلى هذا الشكل. وكان من المؤسف أيضاً أنها تتعلم فنون القتال على يد شخص كهذا.
'لكن… ماذا بوسعي أن أفعل؟ حتى لو أهدر قوته السحرية الثمينة، طالما أنه سعيد بهذا الشكل… فهو أفضل من أن يعيش تعيساً.'
أميرة تحولت إلى متشرّدة، وساحر تحول إلى فارس مجنون… لم تستطع إلا الضحك على هذا الثنائي الغريب الذي انتهى بهما الحال إلى السفر معاً.
وفي الصباح الباكر، أنهكها الشجار معه بينما كان يحاول سراً ارتداء الدرع من جديد، فخلال سيرهما في الطريق رمت الدرع من فوق جرف.
"على أي حال، لقد كان متضرراً من كل مكان… وكنتَ تعاني كلما تحركتَ به. الدرع المبطّن الذي ترتديه الآن كافٍ تماماً."
كان إجراءً حاسماً، لأن حرارة جسده كانت مرتفعة جداً، ولو بقي يضع ذلك المعدن المتجمّد على جسمه، لربما مات قبل حلول المساء.
"كان من الممكن بيعه بأموالٍ جيدة… لكنّه ثقيل ومزعج، ولم يكن هناك خيار آخر."
"إنك قاسية للغاية…! كيف يمكنكِ نزع الدرع من فارس؟ لقد أصبحتُ الآن كصقرٍ مكسور الجناح، وكسلحفاةٍ منزوعٍ عنها صدفتها. مثل قشرة اليراعة الفارغة، فقدتُ جوهري ولم أعد سوى غلافٍ بلا قيمة. أرجوكِ، أزيلي غضبكِ وأعيدي لي درعي. بهذه الحال… لا أعيش حياةً حقيقية، ولا أستطيع الموت بالكامل."
"إخرس…"
كانت تلك أول مرة في حياتها تقول مثل هذه الكلمة لشخص ما. لكنها أدركت أنه لو تركته يتحدث، فلن يتوقف أبداً، لذا رأت أنه يجب إيقافه الآن فوراً.
"آه… يا لها من مصيبة نزلت عليّ بلا سبب."
كان يطلق تنهيدة ضعيفة وهو يجلس على صهوة الحصان، حين سُمعت صرخات رجال قادمة من الاتجاه الذي يقصده الاثنان.
فقفز فارس القصب عن الحصان فوراً، وهو يمسح أنفه ويجلس منحنياً. ثم علّق الرداء الذي كان يلف نفسه به على ظهر الحصان، وأمر إيروني بأن تختبئ خلف إحدى الأشجار.
وبينما كانت تنظر بين الحين والآخر نحو اتجاه الصراخ بقلق، قادت إيروني الحصان نحو مجموعة أشجار صغيرة تشكل غابة صغيرة.
كان الطريق الذي يسلكانه يصعد قليلاً، لذلك لم تستطع رؤية ما يحدث في الأسفل حيث تأتي الصرخات.
وكان فارس القصب قد أمسك سيفه الطويل بيد واحدة، وصعد المنحدر بسرعة.
"يا للأرواح الشنيعة… إنها تحاول حجب نور الشمس المقدس! أيتها السيدة الجليلة، احتمي من ظلام الهاوية حتى ينقذكِ فارس القصب هذا!"
صرخ بهذه الكلمات كما لو كان بطل مسرحية كلاسيكية، مندفعاً إلى الأسفل. وفي تلك اللحظة، شعرت إيروني بإحساس سيئ جداً.
فباستثناء تلك الشرارة الصغيرة التي خرجت منه دون قصد، لم يستخدم السحر قط حتى الآن.
'لا… هذا الرجل……'
فهو كان دائماً فارس القصب، ولم يكن قط ساحر القصب.
"يا فارس القصب!"
صرخت إيروني وهي تسحب خنجرها وتركض نحوه لإنقاذه.