الفصل 232: رحلتان (1)
كان جمعٌ من الناس يسيرون على الطريق الممتدّ فوق السهل الثلجي. وما إن اجتازوا تلًّا قبل قليل، حتى اندفعت من بين الثلج وحوشٌ صغيرة كأنها سربٌ من النمل.
"إنها متخفي الثلج (Snow Lurker)!"
"أيها التجّار، اصعدوا فوق العربات! احموا الخيول!"
حمل المرتزقة عربات الحمولة والعربات اليدوية على ظهورهم، وأمسك كلٌّ منهم بسلاحه. أما التجّار فصعدوا إلى أسطح العربات، يرتجفون وهم يراقبون الموقف.
كانت متخفي الثلج وحوشًا صغيرة الحجم، تبدو كأنها مزيجٌ متقن بين ابن عرس والذئب. تعيش غالبًا داخل مواطنها، لكنها حين يقلّ الطعام في الشتاء كانت تخرج أحيانًا من موطنها وتهاجم المسافرين على هذا النحو.
"آااه! ابتعدوا!"
نظرًا لصغر حجمها الشديد، اختُرق خطّ الصد بسهولة. بعضهم تعرّض للعضّ في أطرافه، وبعضهم في العنق وشحمة الأذن. راح الناس يطلقون الصرخات والضجيج وهم يخوضون قتالًا مريرًا مع متخفي الثلج. في تلك اللحظة، صعدت امرأةٌ إلى أعلى العربة، ولفّت منشفةً حول وجهها لتسدّ أنفها وفمها، ثم أخرجت من صدرها عدّة قوارير صغيرة.
عندها، من أعلى طريق التلّ، اندفع شخصٌ ما راكضًا وهو يصرخ.
"إلى أن ينقذك فارس القصب هذا، أيتها السيدة النبيلة، تنحّي بجسدك بعيدًا عن هوّة الظلام!"
نظرت المرأة إليه للحظة، ثم قيّمت الوضع بسرعة.
"مجنون."
ثم، وقبل أن تنثر القوارير الممسوكة بين أصابعها، حذّرت رفاقها.
"لا أحد يتنفّس!"
بعد ذلك مباشرة، تطايرت القوارير الصغيرة في كلّ اتجاه، وانفجرت مطلِقةً دخانًا بنيًّا. وانتشرت رائحةٌ كريهة.
صرخت متخفي الثلج وهربت، وتقيّأ بعض الذين لم يستطيعوا حبس أنفاسهم.
وبعد أن حملت الرياح الرائحة بعيدًا، اندفع شخصٌ آخر نازلًا من أعلى التلّ.
"أيها الفارس، فارس القصب!"
المرأة التي رمت القوارير وأبعدت قطيع الوحوش نظرت إلى الرجل الذي كان قبل قليل يركض وهو يصرخ بكلماتٍ غريبة. بدا وكأنه تعثّر بحجرٍ ما، فسقط ممدّدًا في وحلٍ مختلطٍ بالثلج والتراب.
"أيها الفارس!"
نزل الصبيّ المنحدر، وثبّت خنجرًا عند خاصرته، ثم أسند الرجل الساقط ورفعه.
'يبدو أنه فارسٌ بالفعل، حتى إنه يصطحب تابعًا معه.'
وبينما كان الصبي يمسح الطين العالق على وجه الفارس بكمّ ثوبه، قفزت المرأة من فوق العربة وركلت بجانب قدمها جثةً ممدّدة لأحد امتخفي الثلج.
"آه، شكرًا جزيلًا لكِ، السيدة هيلينا."
"على أيّ حال، هل فكّرتم في الأمر؟"
اقترب التجّار من المرأة وهم يلوّحون بأيديهم لطرد الرائحة. أجابتهم هيلفينا ببرود.
"وما الذي هناك لأفكّر فيه من الأساس."
"إذًا، كما توقّعنا، ستسافرين معنا……."
"المهمّة التي قُدّمت لي أولًا هي الأولى. أنا بلا ثقة ولا وفاء لستُ سوى جثّة."
شعرت هيلفينا حتى هي أنّ الجملة الأخيرة كانت مبالغةً فاضحة، فانفجرت ضاحكةً بخفّة عند آخر كلامها.
"إذًا سنفترق عند المفترق القادم."
"غالبًا نعم."
"هذا مؤسف."
"سأزوركم حتمًا في المرة القادمة. لا تتظاهروا بأنكم لا تعرفونني حينها."
"آه، كيف لنا أن نتظاهر بعدم المعرفة؟ هذه الشابة الجميلة…… لا، بل الصيدلانية الرائعة…… كيف يمكننا………"
نظرًا لندرة من يمتلكون قدرة المانا، لم يكن الصيادلة بمكانة السحرة، لكنهم مع ذلك حظوا بمعاملة جيّدة إلى حدٍّ كبير.
ولهذا عامل التجّار هيلفينا باحترامٍ كامل وتحدّثوا إليها بأدب.
"هاها، الكلام الأول لا بأس به أيضًا. لا أكره أن يُقال عني جميلة. تبقّى لديّ قليلٌ من دواء طرد الوحوش، إن أردتم الشراء سأبيعكم بعض القوارير. ما رأيكم؟"
"آه، بالطبع يجب أن نشتري. لكن ما نوع هذا الدواء بالضبط……"
"تعرفون الغريف ماولر؟"
"نعرفه. أليس هو مدمّر قبور الثلج؟"
"بالضبط. لطرد الوحوش الصغيرة التي تتجمّع في الشتاء، لا شيء أفضل من طاردٍ مصنوع من فضلات ذلك المخلوق. أغلب الصغار منهم لا يقتربون أصلًا إن شمّوا تلك الرائحة."
باعت هيلفينا جميع القوارير المتبقّية، ولم يتخلّف أيٌّ من التجّار عن شرائها.
"لكن، إلى أين تتجهون من هنا؟"
"من يدري……؟"
"أيًّا كان اتجاهك، لا تذهبِ إلى ريفرويند. يبدو أن الوضع هناك سيّئ للغاية."
"سمعتُ بذلك أيضًا. يقولون إن الوحوش سيطرت على القرى والقلعة………"
تذكّرت هيلفينا أغنيةً سمعتها عند مصباح التائه ، فقالت:
"يقال إنهم يفرضون الضرائب حتى لو هرب الإقطاعي أو ما شابه…… على أيّ حال، أليست الأمور هناك كلها سواء؟"
"لو كان إقطاعيًّا واحدًا أو اثنين لكان الأمر مقبولًا، هاها. على أيّ حال، يبدو أن تلك الخفافيش، لسببٍ ما، استأجرت مرتزقة وتدير منطقة ريفرويند بأكملها."
"في السابق كانوا يقتلون كلّ ما يصادفهم فحسب، لا أفهم ما الذي يخططون له."
بعد أن سمعت هيلفينا كلام التجّار، هزّت كتفيها.
"وكيف للإنسان أن يفهم تفكير الوحوش؟ على أيّ حال، شكرًا لكم. سأتجنّب جهة ريفرويند."
بعد أن افترقت عن القافلة عند المفترق، أسندت هيلفينا ظهرها إلى لافتة الطريق عند التقاطع، وأخرجت مرآة يدويّة لتفحص مظهرها.
"همم، الشَّعر الأشقر يليق بي أيضًا. ما اللون الذي لا يليق بي أصلًا؟"
وبينما كانت تمدح نفسها وتُرجع خُصلات الشعر المتطايرة خلف أذنها، ظهر ذلك الفارس المضحك وتابعه اللذان رأتهما قبل قليل.
نظر التابع إلى هيلفينا نظرة خاطفة، ثم شدّ اللجام محاولًا المرور من جانبها.
"مرحبًا؟ إلى أين أنتما ذاهبان؟"
"……"
يبدو أنّ التابع لا يرغب في الحديث مع الغرباء، إذ لم يُلقِ عليها نظرة أخرى. وحده الفارس، الجالس على صهوة الحصان ككيس شعيرٍ منكمش، أدار رأسه نحو هيلفينا.
"أن تبادر الأميرة الجليلة بتحيّة فارسٍ وضيع مثلي، فهذا ما لا أعرف كيف أتصرف حياله."
"أميرة؟"
في الوقت نفسه، تفاعلت هيلفينا وتابع الفارس مع كلمة "أميرة".
'ما هذا؟ هل كانوا ينادي كلّ امرأة بالأميرة'
وكأنه لم يكن يعلم بذلك فتعب بلا داعٍ في التفكير، حدّق التابع فيه شزرًا، بينما ضحكت هيلفينا مستمتعة.
"آهاها، هل أبدو في نظرك كأميرة؟"
غير مهتم بردّ فعلهما، صاح الفارس بحماسة:
"يا أميرتي، قبل أن تغرب الشمس وتغمر ظلالُ الظلام الدامسُ الأرض، أرجو أن تُسارعي إلى إيجاد ملجأٍ آمن! إنّ ليل السهل الثلجي القاسي أشدّ وحشيّةً من عدوٍّ جبان، لذا عليكِ بالحصول على حطبٍ يابسٍ ونارٍ لتُشعلي موقدًا دافئًا!"
"أغلق فمك وامضِ في طريقك."
"هل ستبيتون في العراء؟ ما رأيكما أن نقضي ليلةً معًا؟ ثلاثةٌ أكثر أمانًا من اثنين، أليس كذلك؟"
"كحّ… إن ترككِ وحيدةً في هذا الظلام البارد سيكون عارًا على الفارس. فلا تقلقي، وامكثي إلى جانبنا قليلًا لتنالي قسطًا من الراحة! سأشعل لكِ موقدًا دافئًا تعبيرًا عن حسن الترحيب."
رمقه التابع بنظرةٍ حادّة مرةً أخرى، بينما كان هو يرمش بعينيه الواسعتين كعيني غزال ببطء، منتظرًا جواب هيلفينا. أما هيلفينا فحملت حقيبة أمتعتها على كتفها وانضمّت إليهما على الفور.
"لن تكون صفقةً سيئة. إن أعرتَني مكانًا قرب الموقد، سأحضّر لك دواءً للزكام."
"كحّ كحّ. أيتها السيدة الجليلة، كيف لِفارسٍ وضيع مثلي أن يجرؤ على رفض كرمكِ السامي؟ هيك…… إن يدكِ الشافية الممدودة ستغدو إكسيرًا مقدّسًا وسط أغلال هذا المرض القبيح."
"ما الذي يقوله هذا……"
"إنه يقول: أرجوكِ عالجي لي الزكام."
عندما لم تفهم هيلفينا كلام الفارس، فسّر التابع المعنى بإيجاز. ضحكت هيلفينا بدهشة، بينما راقبها التابع بنظرةٍ حذِرة.
"عندما أنظر إليكِ عن قرب، أنتِ……"
ابتسمت هيلفينا ابتسامةً خفيفة وحدّقت في وجه التابع بلا مواربة.
"أنتِ فتاة، أليس كذلك؟ وجميلة جدًا أيضًا."
كانت متّسخةً لعدم اغتسالها، لكن حين تأمّلت ملامحها بهدوء، تبيّن أنها فتاة فائقة الجمال.
ورغم سماعها للإطراء، تجاهلتها التابع. غير مهتمه بذلك، حملت هيلفينا حقيبة أمتعتها وسألت الفارس إن كان بإمكانها تعليقها على السرج. فأومأ بالموافقة بسهولة وكأن الأمر بديهي.
وبينما كانت تتوجّه إلى الخلف لتحميل الأمتعة، قالت هيلفينا.
"اسمي هيلينا."
قالت اسمًا مستعارًا بدل اسمها الحقيقي هيلفينا. كانت قد غيّرت لون شعرها إلى الأشقر هربًا من التتبّع، لكنها كانت تقول إن ذراعها الواحدة كفيلة بفضحها سريعًا على أيّ حال، لذا اعتادت أن تطلق اسمًا أينما ذهبت
وبسبب تحديق هيلفينا المتواصل، اضطرت التابع في النهاية إلى ذكر اسمها.
"فيفي."
"آه، إذًا اسمكِ فيفيان. أليس كذلك؟ أيها الفارس الوسيم، وما اسمك أنت؟"
"أرجو أن تناديني بفارس القصب، يا أميرتي."
"آه، حسنًا. فارس القصب. اسمٌ جميل."
رغم أنّها أبدت ردّ فعلٍ خفيفًا من الدهشة عند سماع ذلك التعريف الغريب، فإن هيلفينا لم تستفسر أكثر. فبينما كانت تربط الأمتعة بالسرج، كانت قد أدركت بالفعل من يكون.
إذ كانت نقوشُ الأمواج المحفورة أسفل السرج تدلّ بوضوحٍ على موطنه الأصلي.
'إنه بلا شك شعار عائلة بيريدون حاكمة ريفرويند. هل يُعقل أن يكون هذا الرجل هو ذلك الإقطاعي الهارب؟'
كانت قلعة ريفرويند تقع عند نقطةٍ مهمّة من طرق المواصلات. وحين كانت هيلفينا عضوًا في فرقة مرتزقة، مرّت بذلك المكان عدة مرات، لذلك كانت تعرف شعار عائلة بيريدون جيدًا.
'سمعتُ أن الإقطاعي وسيمٌ للغاية، وكان يؤسفني أنني لم أره ولو مرة واحدة.'
بعد أن ألقت نظرة خاطفة على فارس القصب، تيقّنت هيلفينا.
حتى وهو يرتدي درعًا مبطّنًا متّسخًا بالطين ويتفوّه بكلامٍ فارغ، كان يمتلك جمالًا يشبه تمثالًا نبيلًا.
كان جسده طويلًا ونحيلًا بلا أيّ زوائد، فيبدو كقصبةٍ أنيقة واحدة، أمّا هيكله العظمي الذي يحمل الدرع فكان متوازنًا وخطوطه جميلة، كأنه عملٌ نحته فنان.
وعلى وجه الخصوص، كان شعره الطويل الناعم ذو اللون الأزرق المائل إلى البياض، المشابه للون زرقة السهول الثلجية، ينسجم مع بشرته العاجية الرقيقة، باعثًا هالةً راقية. وقد بدا ذلك غامضًا، وكأنه يتّصل بأسطورة عائلة بيريدون التي تقول إنهم محبوبون من حاكم الماء.
لم يكن كلّ من يحمل شعار عائلة بيريدون إقطاعيًا، لكن هيلفينا رأت أنّه إن كان هناك رجلٌ بهذه الدرجة من الوسامة، فلا بدّ أنه هو لورد ريفرويند الذي يُلقّب بـالوسيم الذي يسرق الأرواح.
'كيف انتهى به الحال هائمًا على وجهه هكذا؟'
شعرت بأن شيئًا سيئًا قد تتورّط فيه، لكن على أيّ حال، كان لا بدّ لهيلفينا أن تتوجّه إلى ريفرويند. إذ كان عليها أن تترك هناك سجلًّا عن الوجهة التالية من أجل التوأم.
***
لكي لا يكتشف أبانوس مسارهم، كان من الأهمّ تقليل الاحتكاك مع مصّاصي الدماء قدر الإمكان.
ولهذا، تجنّبت مجموعة إيرنولف القرى والمدن التي تطؤها أقدام البشر، وسارت عبر الغابات والأراضي القاحلة، متتبّعة آثارًا باهتة تسلكها الوحوش والبهائم.
وبسبب ذلك، كان من المعتاد أن تتحوّل الأرض تحت أقدامهم فجأة إلى مستنقع، أو أن ينقطع الممرّ الضيّق عند حافة جرف، أو أن يخيّموا في قلب موطنٍ للوحوش.
لكن بما أنّهم كانوا يتحرّكون بتشكيلةٍ مثالية تضمّ مستخدم هاله، وساحرًا، ومعالجًا، فإن التضاريس الوعرة والوحوش المتفشّية لم تكن تشكّل لهم أيّ تهديد يُذكر.
ومع ذلك، لم تكن أحوال الجميع على هذا النحو الجيّد.
فأثناء مرور مجموعة إيرنولف بأحد مواطن الوحوش، وهو غابةٌ مظلمة، عثروا على مخيّمٍ تعرّض لهجوم.
"ما زالت نيران الموقد متّقدة."
"قد تكون هناك وحوش قريبة. كونوا على حذر."
بناءً على أوامر كازار، اتّخذت المجموعة تشكيلًا دفاعيًا وراحت تراقب محيطها. عندها سُمع صراخ. بقي كراين مع المجموعة، بينما اندفع كازار نحو مصدر الصوت. وبعد قليل، عاد كازار إلى المخيّم وهو يحمل رجلًا مصابًا على كتفه.
ومن بين السبعة الذين كانوا في ذلك المخيّم، لم ينجُ سوى ذلك الرجل الواحد فقط.
___________________________________________
أعتذر لتأخر الفصول أتمنى تستمتعون وتتركون تعليق خلفكم. (: