الفصل 240: رحلة واحدة (2)

‘إلى الأعلى أكثر!’

تفادت إيروني الماء المتدفق بين شقوق الصخور، وهي تزحف وتلهث. كانت أطرافها ثقيلة كالرصاص بعد أن زحفت في هذا النفق الضيق لوقتٍ طويل.

كان حظّهما سيئًا… سيئًا إلى حدٍّ مبالغ فيه.

زحفا باتجاه الطريق العلوي لتفادي المياه الجوفية المتدفقة، لكن في لحظة ما، انهمر الماء من السقف بغزارة.

"هيلفينا! هل أنتِ بخير؟"

"أنا بخير!"

"هناك مفترق طريق! سأسلك اليسار! اليمين ضيّق جدًا!"

"حسنًا!"

تفادت إيروني الماء المتساقط وزحفت إلى اليسار، وبعد وقتٍ قصير، انزلقتا وهما تصرخان. حاولتا التمسك بكل ما حولهما كي لا تسقطا، تخدشان الجدران بكل قوتهما، لكن الأرض كانت طينية وزلقة جدًا. ومع صرخات متواصلة، انجرفتا إلى مساحة ضيقة ممتلئة بالمياه الجوفية.

وسط رعب الموت، ظلّتا تتخبطان، وبصعوبة بالغة، تمكّنتا من إخراج أنفيهما فوق سطح الماء.

لحسن الحظ، كان هناك فراغ بحجم شِبر تقريبًا بين السقف وسطح الماء، مما أتاح لهما التنفس إن حافظتا على وضعية مناسبة.

"يبدو أن الماء المتدفق من الأعلى تجمّع هنا. هل نتابع التقدّم؟"

"هل نستطيع الصعود من الطريق الذي نزلنا منه قبل قليل؟"

"لكن إن لم يكن هناك فراغ نتنفس فيه في الأمام أيضًا… سنموت جميعًا."

قالت إيروني ذلك وهي تنظر إلى عمق النفق المظلم. كان قلقها منطقيًا؛ فمواصلة هذا الطريق قد تكون أسوأ اختيار ممكن.

وضعت هيلفينا إصبعها لتتحسس تدفق الهواء، ثم فتحت فمها مجددًا.

"الهواء يتحرك. لنواصل التقدّم."

"هل أنتِ متأكدة؟"

"أم…… خمسون بخمسين؟"

أصاب إيروني الذهول من هذا القدر البائس من الموثوقية. لكن لم يكن لديهما خيار آخر. فالماء كان يواصل الانهمار من الأعلى، والطبقة الهوائية المتجمعة قرب السقف كانت تزداد ضيقًا مع الوقت.

حدّقت إيروني في الظلام مجددًا. كان فكّها وشفاهها ترتجفان من شدة البرد والخوف.

لو كانت وحدها، لكانت قد استسلمت منذ زمن، واستلقت تبكي في مكانٍ ما داخل النفق. لكن بما أن النفق كان ضيقًا، فإن توقّفها يعني أن هيلفينا خلفها لن تستطيع الحركة. حتى إن أرادت الاستسلام، لم يكن بوسعها ذلك، وحتى إن رغبت في الهرب، لم يكن ممكنًا.

وفجأة، جاءها سؤال غير متوقع من قلب الظلام.

"كم أبدو لكِ من العمر الآن؟"

"ماذا؟"

"كم أبدو؟ قولي بصراحة. لن أغضب."

"ثمانية عشر… أو تسعة عشر…… أظن ذلك."

أجابت إيروني، معتقدة أنها تكبرها بعام أو عامين.

"أوه! أعجبني جوابك كثيرًا. إذا خرجنا من هنا، سأعزمك على وجبة دسمة."

"...….."

لم تفهم إيروني لماذا تتصرف هيلفينا بهذه الطريقة فجأة.

"اسمعي جيدًا، يا صاحبة السمو. في جسدي لعنة إلهية خبيثة جدًا تُدعى: (حشرة السم الإيزكورية). إنها أشبه بطفيلي. تلتصق بالقلب، وحين تبلغ طورها الكامل، تثقب القلب وتخرج. لذلك، مات جميع رفاق دفعتي قبل أن يبلغوا العشرين، بعد أن انفجرت قلوبهم."

"إذًا، بما أنكِ على وشك بلوغ العشرين……"

"هاهاها! إذًا لم يكن ما قلته سابقًا مزاحًا؟! تسعة عشر ماذا…… أنا على وشك بلوغ الثالثة والعشرين!"

ضحكت هيلفينا ضحكة صاخبة، وقالت إنها لا تستطيع إحصاء عدد الأدوية التي أعدّتها وتناولتها فقط لتتجاوز سن العشرين. ثم أخرجت من حقيبتها قارورة غريبة الشكل وأرتها لها. كانت القارورة سوداء، لكن من داخلها كان يُشع ضوء خافت وحرارة خفيفة.

"هل تعرفين ما الذي بداخلها؟"

"لا."

"دم ولحم التنين الناري فولكانودون. أصنع به دواءً لإصلاح قلبي."

"دم ولحم تنين؟"

"نعم. في يدي دم ولحم تنين، وقد عشت اثنين وعشرين عامًا وأنا أحمل حشرة سم الإيزكورا داخلي. لو حسبنا الأمر بالاحتمالات، برأيك كم تبلغ؟"

"لا أعرف جيدًا، لكن لا يبدو أن الاحتمال كبير."

ففرصة مقابلة تنين يصعب حتى العثور عليه، والحصول على دمه ولحمه، ناهيك عن احتمال أن يعيش شخص يحمل دودة سُمٍّ في جسده قرابة ثلاث سنوات إضافية رغم أن الجميع يموتون قبل بلوغ العشرين، لم تكن تبدو عالية أبدًا.

"صحيح. لذلك، عندما يكون الاحتمال خمسين بخمسين، فهذا يُعد مرتفعًا جدًا. عيشي، فحتى هذا القدر من الاحتمالات ليس سهلًا في الحياة. احتمال أن أتجاوز العشرين كان يقارب الصفر."

عند سماع كلمات هيلفينا، قبضت إيروني على الطين تحت الماء بقوة. كان لا يزال بداخلها شيء من الرغبة في الاستسلام، لكن قوة الإرادة التي تقول إنه لا يجب عليها الاستسلام كانت أقوى.

"ثم إن احتمال أن نموت متجمدتين هنا إن بقينا هكذا هو مئة بالمئة."

وفي نهاية كلامها، ألحقت هيلفينا شتيمة: "اللعنة"، وقد خرجت منها تلقائيًا من شدة البرد.

"سأنطلق. اتبعيني جيدًا."

استدارت إيروني وبدأت تزحف نحو الظلام.

كلما تقدمتا، أخذت طبقة الهواء تضيق أكثر فأكثر، إلى أن اختفت تمامًا كما توقعت إيروني، وغمرهما الماء بالكامل.

‘خمسون بخمسين! خمسون بخمسين احتمال مرتفع!’

أثناء زحفها في الماء المتجمد كالجليد، شعرت وكأن رئتيها ستنفجران من الألم. كان الألم شديدًا لدرجة أنها أرادت فتح فمها، لكن إيروني كتمت ذلك بشدة وواصلت التقدم.

وهي تتخبط داخل الماء البارد الذي لا يُرى فيه شيء، تمامًا كالحياة، فكرت إيروني:

‘أريد أن أعيش. سأعيش! لن أموت هنا!’

كانت حياتها مليئة بالظلم فقط. وُلدت أميرة لكنها تربّت كابنة خادمة، فقدت أُمّين، ولم تكن سوى أداة تُستغل وتُخون من الجميع. لذلك ظنت أن استعادة شرف أُمّيها يكفي، وأن مصير حياتها بعد ذلك لا يهم… لكنها كانت مخطئة.

لأنها كانت مظلومة… ولأن الموت بعد كل هذا الظلم غير مقبول… شعرت أنها يجب أن تحاول العيش ولو مرة واحدة.

"هاه… هيل… هاهك…… هيلفينا. الهواء…… لا أستطيع التنفس…"

بعد اختراق النفق الضيق المغمور بالماء، ظهرت مساحة أوسع قليلًا. أخذت إيروني تلهث، ثم استدارت إلى الخلف.

كان الظلام دامسًا، لا يُرى شيء. راحت تحرّك يديها فوق سطح الماء، وفجأة تسلل إليها خوف مرعب.

‘لا تقولي…!’

في اللحظة التي خطرت فيها فكرة أن هيلفينا ربما لم تتمكن من الخروج في الوقت المناسب، أخذت إيروني نفسًا عميقًا ودخلت الماء دون تردد.

‘هيلفينا، أين أنتِ؟ هيلفينا!’

راحت إيروني تفتش بعشوائية في الماء الأسود، تعود في الاتجاه المعاكس بحثًا عن هيلفينا. لكن رغم مرور الوقت وبدء نفاد أنفاسها، لم تلمس يدها جسد هيلفينا. وبهذا المعدل، كانت إيروني نفسها على وشك الغرق.

‘يا إلهي، أرجوك!’

لم تكن المدة التي قضتها مع هيلفينا طويلة، بل إن انطباعها الأول عنها لم يكن جيدًا أصلًا. ومع ذلك، كانت إيروني الآن تبحث عنها غير آبهة بحياتها.

وبينما كانت تتوسل بيأس وتلوّح بيديها، ظهر ضوء أبيض في الظلام وأنار المكان من حولها. كان ذلك زينة الخصر التي كانت تخفيها داخل ملابسها، وقد انزلقت منها أثناء تخبطها، وبدأت تشع كالمصباح.

في اللحظة التي أضاء فيها المشهد فجأة، دخلت صورة هيلفينا فاقدة الوعي في مجال رؤيتها.

سبحت إيروني فورًا وأمسكت بمعصم هيلفينا.

وفي اللحظة التي قبضت فيها بيدها على ما كانت تبحث عنه يائسة وسط الظلام الذي لا أمل فيه، أدركت إيروني من تكون هي حقًا.

***

دخل وال إلى داخل جحر الكوبولد متبعًا كازار، وأشعل لهبًا صغيرًا ليضيء الكهف المظلم.

وبفضل الأيام التي قضاها داخل كالوانوي مسؤولًا عن الإضاءة، اعتاد وال إشعال النار فور دخوله أي مكان مظلم، دون أن يأمره أحد.

"أوه… الرائحة……"

"سيدي، أليس المكان رطبًا جدًا هنا؟"

وبينما كان وال يقول ذلك، أطلّت ماريتا من مدخل الكهف بنصف جسدها فقط، وهي تزحف وتتحدث بصوت متردد:

"سأنتظر هنا."

كان واضحًا من تعبيرها أنها لا تريد البقاء هناك أصلًا. أطلق كازار شخيرًا ساخرًا وهو يشعر بالاستغراب، ثم نظر إلى عمق الكهف.

"لا بد أنه مكان صالح للعيش، وإلا لما حفروا جحرًا وسكنوه. هل يعقل أنهم أقاموا في مكان سينهار؟ عندما كنا معًا لم تكوني هكذا، لماذا فجأة؟"

"ذلك لأن…… هناك سببًا وجيهًا."

قالت ذلك ووجنتاها تحمران، ثم أخفت جسدها بالكامل. كانت تريد أن تبدو طبيعية قدر الإمكان أمام إرنولف، الذي جعلها تدرك أن اللعنة التي عذبتها طوال حياتها كانت قدرة خاصة، لكنها لم تشعر بالحاجة لذلك أمام الآخرين.

"سيدي، يبدو أن هناك شلالًا قريبًا.»"

"شلال؟ آه، صحيح… أسمع صوت الماء…"

"اهربواااا!"

بينما كان كازار يركّز سمعه على كلام وال، دوّى صراخٌ هائل، وفي اللحظة نفسها قفزت ماريتا من أعلى التل.

"أنا….."

عندما رأى ماريتا تفرّ أولًا، كاد كازار أن يسبّها بدافع الغريزة، لكنه أغلق فمه ونظر إلى وال.

ومع ازدياد صوت هدير الشلال اقترابًا، اتسعت عينا وال الكبيرتان أكثر فأكثر.

"سيدي……"

"اركض!"

أمسك كازار بياقة وال وقفز به بكل قوته نحو خارج الجحر. وفي اللحظة التي قفز فيها الاثنان من التل، انفجر جحر الكوبولد نافثًا سيلًا هائلًا من الماء.

"تشو تشو تشو تشو!"

"تشو تشو تشو تشو"

صرخ الكوبولد الذين كانوا قد هربوا من كازار وراقبوا الجحر من فوق الأشجار عندما رأوا سيل الماء يندفع.

لم يخرج الماء من جحر الكوبولد فقط. وكأن كيس ماء مثقوبًا، اندفعت نوافير المياه من أماكن متفرقة من التل، وتدحرجت الصخور. ثم انهار التل في لحظة، كما لو أن الهواء قد تسرب من بالون.

حدث انهيار أرضي، وسقطت الأشجار، وفرّت الوحوش والحيوانات الكبيرة والصغيرة مذعورة بلا اتجاه.

وبعد أن انحدرت المياه الموحلة على شكل عدة جداول نحو الغابة، نزل كازار ووال وماريتا كلٌّ من فوق شجرة أو صخرة.

"ما هذا… اللعنة."

"التل انفجر يا سيدي."

"قلت لكم! كل هذا المكان عبارة عن بودينغ!"

قالت ماريتا ذلك وهي تنفض الطين والطحالب العالقة على رأسها. نظر كازار إليها وسأل بهدوء:

"إذًا، ماذا يحدث للإنسان الموجود داخل البودينغ؟"

عندها شحب وجه ماريتا ووال في آنٍ واحد.

"أختي!$

اندفع وال نحو التل المنهار، لكن كازار كان أسرع منه.

ولسببٍ غير مفهوم، تبعتهم الكوبولد أيضًا.

عندما عاد كازار إلى التل، نشر الهاله على نطاق واسع واستكشف باطن الأرض.

شعر بشيء يشبه نبض القلب في الداخل. لفّ كازار الهاله حول يديه وبدأ بالحفر في الطين، وانضم إليه وال وماريتا يحفرون بجانبه. وبعد قليل……

«تشو تشو! تشو تشو تشو!»

وقف الثلاثة يحدقون بذهول في الكوبولد الذين كانوا يحتضنون أبناء جلدتهم الملطخين بالطين، يبكون وينحنون لهم.

"اللعنة… فعلنا خيرًا لغيرنا فقط."

فالذين أنقذوهم بعد أن حفروا الأرض بجنون حتى غطّى الطين أجسادهم، لم يكونوا هيلفينا والساحرة، بل صغار كوبولد وكوبولد مسنّين لم يتمكنوا من الفرار في الوقت المناسب.

وبينما كان وال يُبجَّل فجأة من قِبل مجموعة الكوبولد، قال:

"ربما خرجوا من الجحر قبل أن نصل."

"لو كان الأمر كذلك، لكان يجب أن تبقى الرائحة والآثار هنا."

للأسف، لم يبقَ حول التل سوى آثار اللورد ريفرويند. في تلك اللحظة، رفعت ماريتا إصبعها فجأة وكأنها تذكرت شيئًا، وصرخت:

"آه! اللوفا! إسفنجة اللوفا! ليس بودينغًا، بل إسفنجة لوفا! هذا التعبير الأدق!"

"ما الذي تقولينه؟ تحدثي بشكل مفهوم."

قال كازار بنفاد صبر، بينما نظر وال إلى ماريتا بعينين متوسلتين. فجأة شعرت ماريتا بالخجل، فأدارت رأسها قليلًا إلى الجانب وقالت:

"ألا تعرفون اللوفا؟ تُستخدم أثناء الاستحمام، وأيضًا لغسل الصحون……"

"لا أعرف."

"ولا أنا."

لم يسبق لكازار ووال أن استخدما إسفنجة عند الاستحمام، ولا لغسل الصحون.

رمقتهما ماريتا بنظرة ازدراء لرجلين عاشا حياتهما بلا اكتراث، ثم أعادت النظر إلى الأمام وقالت:

"اللوفا ثمرة تشبه القرع الطويل. وعندما تنضج تمامًا، يتحول داخلها إلى شبكة، ثم تُجفف……"

"آه! الليف! تقصدين الليف الذي يُستخدم كإسفنجة، صحيح؟"

بعد شرح ماريتا، تذكر وال ما كانت أمه تستخدمه لتنظيف القدور. حينها فقط فهم كازار أيضًا ما تقصده تقريبًا.

"نعم! الليف. تخيّلوا أن هذه المنطقة كلها موضوعة فوق إسفنج ليف ضخم! في كل مكان تضعون فيه أقدامكم توجد أنفاق! حتى تحت أقدامنا الآن. هنا بالأسفل نفق صخري صلب، لذلك الصوت مستقر، لكن هناك الكثير من الأماكن غير ذلك."

"آه… لهذا…… كان التل ينفث الماء ككيس جلدي مثقوب قبل قليل."

قال كازار. أومأت ماريتا برأسها وأكملت الشرح:

"إذا افترضنا أن داخل جحر الكوبولد كانت هناك أنفاق أخرى متصلة……"

"فقد يكونون تحركوا دون أن يتركوا أي آثار حول المكان."

قال كازار وهو ينظر حوله. في هذه الغابة الواسعة، تحت الأرض عدد لا يُحصى من الأنفاق، وإذا استخدمت المرأتان تلك الأنفاق للتنقل……

"تبا، كيف يفترض بنا أن نجدهم؟"

وانفلتت الشتيمة من فمه.

2026/01/03 · 78 مشاهدة · 1770 كلمة
queeniie377
نادي الروايات - 2026