الفصل 245: رحلة واحدة (7)
توجّه هارينغتون مع أتباعه إلى باطن القلعة الرئيسية حيث كان الشريان مخفيًا. وقبل أن يغادر الجزء العلوي ويدخل إلى تحت الأرض مباشرة، ألقى نظرة على الخارج من خلال نافذة ضيقة.
كانت الكوارث تقع في كل مكان تراه العين.
كانت القلعة تهتز بعنف، كما لو أن يد عملاق قد أمسكت بها، وكان النهر يهيج كالمجنون.
وهو يشاهد الجسور والمرافئ المقامة فوق النهر تُبتلع بلا حول ولا قوة تحت اندفاع التيار، تمتم بمثلٍ قديم من أمثال إندويل.
"كأن تنينًا أعمى قد أراق كنوزه."
لم يكن هناك ما يدعو للقلق بشأن الفشل في تحويل ريفرويند إلى أطلال في الموعد الذي حدده أكارون.
فريفرويند، الذي ظل أثره غامضًا طوال تلك المدة، جاء بنفسه وبدأ يدمّر الإقليم بيديه.
"جميع الممرات المؤدية إلى تحت الأرض مسدودة بكروم عملاقة!"
"الاهتزاز يشتد أكثر فأكثر. على هذا النحو، انهيار القلعة ليس سوى مسألة وقت."
سأل المساعد هارينغتون إن كان سيواصل التقدم حتى موقع الشريان. وبما أنهم خرجوا بغنائمهم من دون أن يلطّخوا سيوفهم بقطرة دم واحدة، فقد أبدى شكّه في جدوى المجازفة والتوغل أكثر.
"لا يمكن لثوار حصن حاجز الرياح أن يبقوا مكتوفي الأيدي. يجب أن نحمي الشِريان إلى أن يُسوّى ريفرويند بالأرض تمامًا."
من خلال فرسان ريفرويند الذين تحولوا إلى مصاصي دماء، كان هارينغتون يعلم أن فرسان حصن حاجز الرياح يتحركون عندما يحاول المروِّض استخدام قوة الشريان في غير موضعها الصحيح.
"أغلقوا جميع الطرق المؤدية إلى القلعة الرئيسية!"
أمر بتدمير كل الطرق، ليس فقط تلك الموجودة على سطح الأرض، بل حتى الممرات الممتدة تحتها.
اندفع مصاصو الدماء الذين تلقوا الأوامر خارجًا عبر بوابات القلعة ونوافذها.
وفي أثناء ذلك، بدأ هارينغتون بشق طريقه نحو الشريان. وبما أنه كان ساحرًا وممارسًا لفنون مصاصي الدماء، فقد أطلق بيديه لهيبًا هائلًا، فانفجرت الكروم الدموية تباعًا وراحت تتلوّى بعنف.
تحول هارينغتون فورًا إلى دخان أسود، وتسلل إلى الداخل.
***
"هاه… هاه… هاه… هاه…..."
كانت إيروني تلهث وهي تندفع إلى الأمام. الأرض كانت تهتز، وكل شيء مغمور بالطين والماء، فلم تستطع أن تخطو سوى بضع خطوات قبل أن تنزلق. وما إن تمسكت بالجدار واستعادت توازنها، حتى اندفع فجأة تيار ماء مخترقًا الجدار.
"آه!"
كان ضغط الماء قويًا إلى حد أنها اندفعت جانبًا كما لو أنها طارت. وسرعان ما تحول القاع إلى بحرٍ من الماء، وانهالت المياه الباردة على وجهها حتى فقدت قدرتها على التركيز.
وبعد أن خرجت من البركة وهي تتخبط بصعوبة، واجهت إيروني مشهدًا مرعبًا. فقد امتلأ الممر بالثقوب، وانفجرت من كل الجهات تيارات مائية كبيرة وصغيرة كأنها شلالات.
بدأ الماء يملأ الممر في لحظات. اندفعت إيروني إلى الأمام بكل ما أوتيت من قوة.
وأخيرًا، في اتجاه تدفق المياه، وجدت جدارًا مبنيًا من طوب ضخم.
'نجحت… وصلتُ إلى القلعة الرئيسية!'
وبدا أن الماء يُسحب بسرعة إلى مكان ما، ما يدل على وجود فتحة كبيرة هناك.
كانت تتحسس الجدار بيدها محاولة العثور على الفتحة، حين تغيّر كل شيء من حولها إلى لون أزرق، واجتاحت إيروني موجة من الحرارة الحارقة.
كان الأمر مفاجئًا إلى حد أنها لم تستطع حتى أن تصرخ، فاكتفت بانكماش جسدها وحماية نفسها بكلتا يديها.
توقفت ألسنة اللهب الزرقاء المتأججة أمامها مباشرة.
ومن وسط ضجيج المياه المتدفقة، وصل إلى أذنيها صوت مألوف.
"إيروني؟"
أنزلت إيروني ذراعيها ونظرت نحو مصدر الصوت. كان صبي يقف أمامها، ممسكًا بسيف طويل يحتضن ألسنة اللهب.
وحين رأت وجهه، اتسعت عيناها دهشة.
"كازار؟"
"…….."
"كازار… أأنت فعلًا كازار؟"
لأنها لم تتوقع أبدًا أن تراه مجددًا في مكان كهذا، راحت إيروني تسأله مرارًا إن كان هو فعلًا. لكن كازار لم يقل شيئًا.
كان ينظر إليها وهي ترتجف في المياه الموحلة، بعينين شاردتين وكأنه فقد روحه.
جسد شاحب نحيل، محجرا عينين غائرين ووجنتان هابطتان. شعر قصير أشعث مبعثر بلا نظام، وملابس رثة قذرة. كفأرٍ مبتل. لا، بل كمتسولة.
لم يرَ كازار إيروني بهذه الهيئة طوال حياته كلها.
في كل لحظة كان يتذكرها فيها، كانت مزينة بأثمن الجواهر، مرتدية أفخم الثياب، جميلة ومتألقة. حتى عندما قُبض عليها بتهمة الخيانة وحُبست داخل قفص حديدي وعلّقت على برج القلعة، كانت ما تزال أنيقة وجميلة.
أما الآن، فكانت إيروني ترتجف أمامه بمظهرٍ لا يُحتمل، كمَن خرج لتوّه من منجم بعد هروب شاق، هيئة لو عُرضت في سوق العبيد مجانًا لما اشتراها أحد.
كان هذا المشهد البائس، الذي لم يتخيله قط، صدمة قاسية لكازار.
'آه… صحيح. هذه ليست إيروني. إنها فيفيان، ابنة دِيبي بارات.'
عندما تذكّر أن الفتاة أمامه ليست أميرة، أعاد كازار سيف الرماد إلى غمده.
"ظننتكِ قُتلتِ على يد ولي العهد، لكنكِ بخير إذًا. كيف انتهى بكِ المطاف هنا؟"
تفاجأت إيروني لأن كازار كان على علم بحادثة ولي العهد، فلم تستطع الرد فورًا. وفي تلك الأثناء، واصل طرح الأسئلة.
"وماذا عن الأميرة؟ أين هي؟ ولماذا أنتِ وحدكِ؟"
"أنا……"
كادت إيروني تقول إنها هي الأميرة إيروني، لكنها أطبقت فمها. تساءلت إن كان هناك داعٍ أصلًا لأن تشرح له كل هذه الملابسات المعقدة، وهو يظنها فيفيان.
"……لقد ماتت."
الأميرة إيروني التي تعرفها أنت سقطت ميتة في بيت الكونت لورين. حذفت إيروني هذا الجزء، واكتفت بالقول إنها ماتت. وبما أنها لم تعد تنوي العيش كأميرة في المملكة، رأت أن هذا القول ليس كذبًا تمامًا.
"إذًا… وماذا عن الساحرة؟"
"هاه؟ الساحرة؟"
عندما سألت فيفيان بدهشة، تمتم كازار في داخله: 'كما توقعت.'
في ذاكرته، كانت فيفيان خادمة مجتهدة مطيعة، تخدم الأميرة ووالدتها بلا توقف، كمن لا قيمة له.
'لو كانت فيفيان تمتلك قلب مانا، لكان تيري قد لاحظه حين التقينا سابقًا وأخبرني. لا يمكن أن تكون ساحرة.'
كون أخيه، الذي لاحظ فورًا أن وال يمتلك قلب مانا، لم يقل شيئًا عن فيفيان، يعني أنها لا تملكه.
وبذلك، فإن كل الأحاديث عن ساحرة تستخدم سحر العقل لقتل الناس كانت محض أكاذيب.
"نعم!"
"آه، ذاك الوغد كان يستحق الموت. لم ينطق بكلمة واحدة صحيحة!"
غاضبًا من خداع فيسبر، ضرب كازار سطح الماء بسيفه. كان منسوب الماء قد ارتفع حتى وصل إلى خصره. غسل وجهه بالماء البارد، ثم زفر نفسًا طويلًا.
'لكن… إيروني… لا، فيفيان… لماذا هي هنا أصلًا…'
قبل الرجوع بالزمن مباشرة، عامل كازار إيروني كما عامل سائر الخونة. حبسها في قفصٍ حديدي ضيق، وعلّقها على قمة برج القلعة ليتركها تموت جوعًا وهي على قيد الحياة.
لم يكن ذلك سوى قبل بضعة أشهر فقط. وكان الوقت أقصر بكثير من أن يمحو كليًا مشاعر الكراهية التي حملها آنذاك.
لكن الخادمة الواقفة أمامه الآن كانت ضعيفة وبريئة. لم تخنه بعد، ولم تشاركه حتى حبًا في أي زمن. كانت غريبة تمامًا عنه.
الارتجاف من الخيانة، والعذاب الناتج عن الحب الممزوج بالكراهية، كانا عبئًا يحمله كازار وحده، لا علاقة لهذه الفتاة بهما.
ربما لو كان تيري هنا، لقال إن معاقبة بريء على ذنبٍ لم يُرتكب بعد في المستقبل أمرٌ غير صائب.
"فلنخرج من هنا أولًا."
الاهتزازات، وسرعة ارتفاع منسوب الماء، كلاهما كانا مقلقين. لم يكن هذا وقت الحديث، بل وقت البحث عن مكان آمن. قال كازار لإيروني أن تتبعه، عازمًا على شق طريقه إلى السطح ولو اضطر إلى الحفر.
"لديّ أمر يجب أن أفعله هنا. اذهب وحدك."
"أمر؟ ماذا تنوين أن تفعلي هنا؟"
وفي تلك اللحظة، ارتفع الماء أكثر، وبما أن إيروني أقصر من كازار، فقد وصل الماء تقريبًا إلى كتفيها.
"يجب أن أنقذ اللورد ريفرويند."
اتسعت عينا كازار، ولم يستطع النطق بكلمة. لم يستوعب أبدًا كيف ولماذا تخاطر خادمة من مملكة بنغريل بحياتها وحدها لإنقاذ سيد ريفرويند.
ثم فجأة، تذكّر ما قاله إلسيد. أليس قد ذكر أن اللورد ريفرويند كان جميلًا إلى حد أن حتى الرجال لا يستطيعون صرف أنظارهم عنه…؟
في لحظة، اجتاح الغضب كازار.
"لماذا تنقذين ذاك الوغد؟ كفي عن الهراء وتعالي معي!"
صرخ وهو يمسك بذراعها بخشونة، لكن إيروني ردّت بعنف، فصفعت ذراعه وسحبت خنجرًا.
"لا تقترب!"
رغم أن الخنجر لم يكن يتجاوز طوله شبرًا واحدًا، إلا أن مجرد كون إيروني قد أخرجت سلاحًا أصاب كازار بصدمة جديدة.
تلك الأميرة المتعالية، التي لم تكن تقشر ثمرة فاكهة بيدها قط، كانت تمسك الآن بخنجر وتتخذ وضعية قتال لا بأس بها.
'كانت خادمة، ثم متسولة، يا لها من تقلبات مذهلة.'
أخذ كازار نفسًا عميقًا ليهدّئ انفعاله.
"آسف لأنني صرخت فجأة. وأخطأت حين أمسكت بذراعك. كنت مستعجلًا فقط، فاعذري ذلك."
حين التقى كازار بإيروني في السابق، كانت امرأة ناضجة، ذات شخصية مختلفة تمامًا. أما الشخص الواقف أمامه الآن فكان أصغر سنًا بكثير، ويحمل حتى اسمًا مختلفًا.
'هذه فيفيان. مجرد جسد يشبه إيروني. تمالك نفسك، كازار.'
وهو يستوعب أنها كيان مجهول بالنسبة له، اعتذر لها بألطف نبرة استطاع أن يتصنعها.
"أنا أيضًا تفاجأت، لم يكن قصدي أن أؤذيك. آسف."
وأعادت إيروني الخنجر إلى غمده، واعتذرت بدورها. ضحك كازار في داخله بسخرية.
'أتظن حقًا أنها تستطيع إيذائي بتلك السكين الصغيرة…؟'
حتى لو طعنته بها مئة مرة، فلن تُحدث خدشًا واحدًا في جسد محارب هاله مثله.
'لطيف.'
ما إن خطر له هذا الفكر، حتى صرخ فجأة في الفراغ: "اخرس!"
وهزّ رأسه بعنف.
فارتاعت إيروني من تصرّفه، واضطرت إلى الاعتذار مرة أخرى على عجل.
"أين ريفرويند؟"
"هناك."
"تبعته؟"
"نعم."
"لتنقذيه؟"
"صحيح."
كاد كازار أن يقول: "ومن تظنين نفسكِ؟" لكنه عدّل كلامه سريعًا.
"كيف؟"
"……"
عجزت إيروني عن الإجابة، وأطبقت فمها مجددًا، إذ كان ما يُسأل عنه أمرًا لا يمكنها شرحه.
"دعينا نتحرك أولًا. إذا بقينا هكذا، سنصبح طعامًا للأسماك. ذلك السقف يبدو رقيقًا، سنثقبه و—…… مهلاً!"
وبينما كان يرسم في ذهنه طريق الهروب اعتمادًا على تضاريس فحصها بالهاله، قاطع نفسه وهو يصرخ ويمد يده. لكن إيروني التي كان ينبغي أن تكون هناك لم تُمسك، ولم يبقَ في قبضته سوى الظلام.
"آه……"
صرخ في داخله بصمت نحو السقف من شدة الغضب، ثم أخذ نفسًا عميقًا وقفز غاطسًا في الماء.
عندما نشر الهاله، شعر بإيروني تنجرف بسرعة نحو مكان ما، دون أن يعرف إن كانت المياه تجرفها أم أنها تسبح بقوتها الذاتية.
وهو يحرك أطرافه بسرعة للحاق بها، أدرك كازار عيبًا جديدًا من عيوب العودة خمسين عامًا إلى الماضي.
'يا لهؤلاء الصغار اللعينين…! لا أحد منهم يستمع إلى كلامي!'
حتى تيراد الذكي المراعي للآخرين، ووال المطيع، كانا يتصرفان على هواهما في أغلب الأحيان.
وكأن ذلك لا يكفي، حتى الأميرة إيروني، التي كانت رشيقة هادئة كالبجعة، صارت تتصرف الآن كمراهقة متمردة مليئة بالعناد، وهو ما كان يستنزف صبر كازار إلى حدّه الأقصى.