الفصل 246: جنة بائسة، جحيم مبهر (1)
بعد غوصه مباشرة، أدرك كازار أن إيروني لم تهرب عمدًا.
حتى هو، كمحارب هاله، لم يستطع الحفاظ على توازنه، وكانت التيارات المائية عنيفة لدرجة أنها كانت تبتلعه وهو يدور في دوامات. أما إيروني، الأضعف منه، فكانت تدور بشكل فوضوي كقطعة قش، وتتجه تدريجيًا نحو الأعماق.
في اللحظة التي مدّ فيها يده متجهًا نحو إيروني داخل المياه المظلمة، عادت إلى ذهن كازار ذكريات حياته السابقة كأنها وُسمت فيه.
「كان ذلك الطفل يحاول إنقاذ البلاد والشعب، وكذلك والده، من جنونك! تذكّر هذا يا كازار! ما أعدمته اليوم لم يكن ابنك، بل كان خلاصك الوحيد!」
عندما سمعت إيروني خبر أن ابنها قد انتحر في السجن تحت الأرض، أطلقت صرخة من داخل القفص الحديدي وأمطرت كازار باللعنات.
رغم أنها عُلّقت في برج عالٍ لمدة يومين دون أن تشرب قطرة ماء، صاحت بصوت عالٍ مدوٍ كأنه يهزّ الداخل.
「سأولد من جديد بأي شكل كان، وسأردّ هذا اليأس وهذا الألم أضعافًا مضاعفة. وستصبح أنت أيضًا مثلي، تستمع إلى صرخات من تحب، وتجنّ فوق قبورهم!」
بسبب الماء البارد ونقص الأكسجين، بدأ وعي إيروني يتلاشى، وكان جسدها يندفع نحو صخرة ضخمة.
في اللحظة التي مدّ فيها يده لينقذها، تداخل وجه إيروني مع وجه زوجته الراحلة التي ماتت داخل القفص الحديدي، فتردد كازار… وأفلتها.
ماتت إيروني بعد خمسة أيام.
جلس كازار على الدرج المؤدي إلى برج القلعة، واستمع طوال خمسة أيام إلى لعنات زوجته وهي تنهال عليه بكل تفاصيلها.
وبعد أن انقضى ذلك اليوم الذي لم يعد فيه يُسمع أي صوت، عزم على الموت.
لم يكن بحاجة إلى انتظار أن تعود إيروني في الحياة التالية لتنتقم، فقد كان يعاقب نفسه بمعاقبة الاثنين.
لكن، وفي اللحظة التي قرر فيها أخيرًا أن يتخلى عن كل شيء ويترك الحياة، حدث أمر غير متوقع.
ظهر ضوء غامض مجهول، مزّق الزمان والمكان وتسبب في انفجار، وفجأة وجد نفسه محبوسًا في جسد ابن الرابعة عشرة، ليعيش حياة أخرى.
في اللحظة التي خطرت له فيها فكرة أن هذا قد يكون فرصة ثانية منحها له الحاكم، مدّ كازار يده.
وقبل أن تصطدم بالصخرة، أمسك بقمة رأس إيروني.
سحب جسدها على عجل، واحتضنها بإحكام بين ذراعيه، ثم وسّع درع الهاله ليشمل جسديهما معًا.
وبينما كان يصطدم مرارًا بالصخور والجدران الحجرية، جرفته التيارات إلى مكان ما.
بعد قليل، خرج كازار من الماء وهو يحمل إيروني، وصعد درجًا محطمًا في مكان لا يعرفه.
كان جسد إيروني الملامس لذراعيه أنحف مما يتذكر. ربما بسبب الحياة القاسية التي أفقدتها وزنها، لكن يبدو أن السبب الأكبر هو أنها لا تزال في جسد صغير لم يكتمل نموه بعد.
وبينما كان يصعد الدرج المظلم تحت الأرض، يقطر منه الماء البارد وسط البرد القارس، تذكر كازار أول مرة رأى فيها إيروني.
كانت الساحة التي أُقيم فيها احتفال النصر ساخنة بحرارة المهرجان. وبين بتلات الزهور المتطايرة وهتافات الشعب، صعد كازار الدرج متجهًا إلى المنصة.
على المنصة كانت تقف أميرة في الحادية والعشرين من عمرها، تحمل تاجًا من الزهور. كانت تكبر كازار، الذي كان في التاسعة عشرة آنذاك، بعامين، وكانت تشع نضجًا ونبلًا يفوقان ما هي عليه الآن بكثير.
كانت تنبعث منها رائحة أنثى مكتملة، وعندما نظر إليها كازار شعر، ولأول مرة في حياته، بالخجل من رائحة الدم والعرق التي تفوح من جسده.
「المرتزق كازار، إن شجاعتك أنقذت هذا الوطن.」
رنّ صوتها الناعم لكن القوي في أذنه، ثم وضعت إيروني التاج الزهري بيديها الجميلتين. وعندما لامست أطراف أصابعها البيضاء شعره لوهلة، شعر كازار وكأن قلبه قد توقف.
وعندما رفع رأسه والتقت عيناه بابتسامتها، كانت أكثر إشراقًا من ضوء الشمس الذي ملأ الساحة.
دون أن يدرك أن ذلك كان بداية مأساة ما، ظل كازار يحدّق فيها، التي كانت كالشمس، وقد سُلب لُبّه.
'لم أُدمّر أحدًا بعد.'
تيراد، الذي مات في المنجم وأصبح جثة باردة، استيقظ في هذه الحياة كَساحر وأصبح وريث عائلة نبيلة. وماذا عن والافريد؟ ذاك الذي سُلخ جلده واستُخدم كالبغل ثم أُنقذ، قبل أن يتحول إلى قاتل مجنون ويُقتل، أصبح الآن جروًا محبوبًا من الجميع.
إذًا، فمصير إيروني أيضًا، بل ومصيري المرتبط بها، يمكن تغييره بما فيه الكفاية.
'لقد التوى القدر بالفعل. لم تعد أميرة بعد الآن. وضعها الآن لا يختلف عني في حياتي السابقة، عندما كنت عبدًا في المناجم.'
لا قوة، ولا سلطة، ولا ثروة—لا تملك شيئًا. كانت إيروني الأميرة التي كان يبجلّها في حياته السابقة، مختلفة تمامًا عن تلك التي أمامه الآن.
'لم أكن أقصد أن تعيشي بهذا البؤس إلى هذا الحد…'
عندما التقيا صدفة في الغابة، نظر كازار إلى إيروني ولعنها بأن تعيش خادمة طوال حياتها. لكن ذلك كان فقط ليجعلها تعيش بما يناسب قدرها، ولم يكن يقصد أن تصل إلى هذا الحال البائس.
على أي حال، فقد انحرف مصيرها كثيرًا عن مساره السابق، وأصبحت تعيش الآن حياة مختلفة تمامًا عن حياتها السابقة. شعر كازار بالأمل في ذلك.
لم يكن يمانع ألا يكونا زوجين كما في السابق. ربما لا بأس بأن يعيشا كأصدقاء أو رفاق مثل الإخوة غلايمان أو ثلاثي فيستا. وعلى أي حال، بما أنه سيصبح عقيمًا، فلن يكون هناك خطر إنجاب طفل بينهما يؤدي إلى مأساة.
'لنبدأ من جديد، إيروني. لا… فيفي. لا… ها… اللعنة… فيفيان.'
حتى وهو يفكر في ذهنه، تعثّر لسانه. كان ذلك بسبب الضوضاء المحيطة، حيث كانت كمية هائلة من المعلومات تتدفق إلى رأسه.
كان المكان يهتز باستمرار وكأن زلزالًا يضربه، ومن كل جهة كانت أشياء مقززة—لا يُعرف إن كانت جذورًا أم كرومًا—تنتفخ وتتحرك بسرعة. ومن فوق رأسه، كان يشعر بطاقة غير عادية.
'يبدو أنهم مصاصو الدماء.'
سحب كازار الهاله التي كان قد نشرها على نطاق واسع للاستطلاع، إذ قد يكشف موقعه بالعكس لمصاصي الدماء.
'سأتخلص منهم أولًا ثم أصعد للأعلى. يجب أن أضع فيفيان في مكان آمن أولًا…....'
وبينما كان ينظر حوله بحثًا عن مكان يضع فيه إيروني، استعادت وعيها في تلك اللحظة.
"كحّ… كحّ…"
"شش. هناك مصاصو دماء في الأعلى."
بمجرد أن سمعت التحذير، غطّت إيروني فمها بكلتا يديها ونظرت إلى الأعلى. وبما أنها لم تكن مستخدمة للهاله، لم ترَ في عينيها الواسعتين سوى الظلام.
لكن، في لحظة ما، اخترقت عينا الحقيقة فجأة الجانب الخفي من العالم المستتر. أضاء مجال رؤيتها، وبدأت ترى ما لا يمكن رؤيته.
كان المكان الذي يقف فيه الاثنان تجويفًا هائل الحجم. كان على هيئة برج سحري فارغ من الداخل، وكانا يقفان على درج حجري مثبت بشكل حلزوني على طول الجدار.
وكانت هناك ممرات وسلالم أيضًا خلف الجدار في الأعلى، حيث كان مصاصو الدماء الذين استشعرهم كازار يزيلون الكروم التي كانت تسد المدخل.
أدارت إيروني رأسها ونظرت إلى الفراغ. كان النصف السفلي من التجويف مغمورًا بالماء، وكانت شجرة عملاقة ترتفع في المركز.
كانت الجذور والسيقان المنبثقة من تلك الشجرة تخترق الجدران وتمتد في كل الاتجاهات. كانت تمتص المياه الجوفية بنهم، وتنتفخ بسرعة مخيفة إلى حد غريب.
كانت تلك الأشياء قد امتدت بالفعل عبر الأنفاق تحت الأرض بقوة مرعبة، وكانت الأغصان الصغيرة تتكاثر باستمرار من تلك السيقان، لتغزو سطح الأرض.
وكانت هي السبب في الكارثة.
رغم أنهم لم يروا ذلك لأنهم كانوا تحت الأرض، إلا أن أرض ريفرويند كانت تتحول إلى مكان لا يمكن للحياة أن تتجذر فيه.
ومع كل اهتزاز في عروق الأرض، أصبح نهر سولوند، الذي كان شريان الحياة لريفرويند، في طليعة الدمار. انهارت ضفافه، واندفعت مياهه لتغمر كل شيء، وابتلعت المنازل والأراضي الزراعية في المناطق المنخفضة في لحظات.
كانت الآبار تقذف المياه كأنها براكين نشطة، واندفعت التيارات المائية التي كانت تجري في أعماق الأرض لتخترق السطح وتندفع نحو السماء.
وبينما كانت تيارات المياه العديدة تقذف الحجارة والطين، كانت أشياء مرعبة تحدث في أنحاء الإقليم. تحولت الأرض الصلبة إلى وحل لين، وبدأت التلال تذوب كما لو كانت جليدًا.
ظهرت فجأة على سطح الأرض حفرٌ كثيرة لا يُعرف عمقها. كان الناس الذين يفرّون من الكارثة يُسحبون بلا حول ولا قوة إلى باطن الأرض، أو يُسحقون تحت التلال المنهارة ويختفون في لحظة.
بينما كانت إيروني تتفحّص الكارثة التي أحدثتها عروق الدم، ركّز كازار على الأصوات. لم يكن يستطيع استخدام الهاله، وكانت رؤيته محدودة، لذلك لم يكن أمامه سوى الاعتماد على سمعه.
وبسبب الاهتزاز المستمر في كل مكان، كان الصوت خافتًا لدرجة أنه يصعب تمييزه عن غيره إن لم يُنصت جيدًا، لكنه كان هناك—صوت يتردد بانتظام.
'ما هذا؟ يبدو كنبض…'
وعندما أدرك أن ذلك الصوت يتطابق مع اهتزاز الأرض، فهم كازار أين وصل.
'عِرق الدم!'
أدار كازار رأسه نحو مركز الصوت. لم يكن من المفترض أن ترى شيئًا، ومع ذلك كانت إيروني تنظر إلى الشيء نفسه.
"اتركني. يجب أن أذهب إلى هناك."
"ماذا تقولين؟ لا يوجد طريق أو درج في ذلك الاتجاه."
في مركز التجويف الهائل، لم يكن هناك سوى الشجرة الضخمة المسماة عِرق الدم والمياه الجوفية الباردة.
"هناك… ذلك الشخص موجود هناك."
قالت إيروني وهي تحاول بكل قوتها تحرير نفسها من ذراع كازار التي تمسك خصرها.
"ريفرويند؟ هل هو هناك؟"
أومأت إيروني برأسها. لم يفهم كازار كيف كانت مرتبطة بلورد ريفرويند، لكن كان عليه أولًا أن يوقف عِرق الدم عن تدمير الإقليم. فخفف قبضته قليلًا.
"بقوتكِ لن تصلي إلى هناك. سأترككِ، فأخبريني إلى أين يجب أن أذهب."
منذ لقائهما الأول في الغابة، انطبع في ذهن إيروني أن كازار "شخص قوي" لا يُقارن بأي شيء. وكانت في أمسّ الحاجة إلى مساعدته.
"إلى هناك."
ما إن ترك كازار خصرها، حتى أمسكت بذراعه وأشارت نحو الظلام. كان المكان أسفل بقليل من موضعهما.
"تعلّقي بعنقي وامسكي جيدًا."
بمجرد أن قال كازار ذلك، أطاعت إيروني فورًا. كان يظن أنها ستتردد خجلًا، لكنه تفاجأ قليلًا.
'ما هذا… تمسك بعنق رجل دون تردد…'
لم يعجبه أنها تعانق عنق رجل بلا تردد، لكنه لم يكن منزعجًا لأن العنق الذي تعانقه كان عنقه هو.
"تمسّكي جيدًا حتى لا تسقطي."
"أسرع."
ما إن التصقت إيروني بجسده حتى قفز كازار باتجاه عِرق الدم.
في تلك اللحظة، انحرفت جذور هائلة نحو رأسه تقطع الهواء.
بمجرد أن صدّها بطاقة الهاله، انقضّت جذور رفيعة كالسياط على ظهره، محاولةً ضربه وإمساك كاحليه ومعصميه.
كان في الهواء، لذلك لم يكن بإمكانه تفاديها. أخرج كازار سيف الرماد وقطعها بسرعة، ثم هبط على أحد الجذور القريبة.
لكن ما إن لامست قدماه السطح حتى بدأت الجذور تنمو من تحتها وتلتف حول كاحليه. وفي لحظات، بدأت تلتف حول جسده كله، تضغط عليه بقوة كأنها تريد سحق عظامه.
"هيه… يبدو أنكما لا تتفقان كثيرًا، أليس كذلك؟"
"ماذا؟"
"هذا الشيء… إنه ذلك الوغد الذي يتحكم بها…"
لكن الجذور التفّت حول وجهه، فلم يستطع إكمال جملته.
ثم فتح عِرق الدم فجوة ضخمة، وابتلع الاثنين داخل فمه الهائل.