الفصل 266: ختم الثلاثي (1)
كان للأثر الذي تركه موت بارتول تأثير أكبر مما كان متوقعًا. لم يكن السبب أنه كان كيميائيًا رفيع المستوى يحظى بالاحترام داخل قبيلة اليد الصخرية، وأنه لقي موتًا بائسًا على يد وحش.
'وفقًا للأسطورة، يُقال إن بارتول نجح في إعادة إنتاج قوة الحاكم، لكنه بسبب غروره عوقب من الحاكم ومات.'
شعر إرنولف بإحباط شديد بسبب أن الشخص الذي كان يتوق للقائه في أرض التطهير قد لقي نهاية عبثية.
في الأصل، علم الرموز الإلهية هو علم يقوم على تحليل وإعادة بناء دوائر المانا التي يستخدمها الكائن المتجاوز عندما يُسقط قوته على هذا العالم. وبما أنه يتضمن تجاوز قوانين الكيان المطلق وسحب القوة من المصدر بالقوة، فقد اعتُبر تجديفًا إلهيًا ومحظورًا من أخطر المحرمات.
لذلك، كان بارتول ومعلمه قد أخفيا جميع مراحل أبحاثهما بسرية تامة، كما أن نتائجها قد دُفنت في أعماق لا يمكن لأحد الوصول إليها بسهولة.
'هل يمكن أن تكون الكلمات التي تمتم بها بارتول دليلاً مرتبطًا بذلك؟'
من أجل كسر سحر التقمص، كانت هناك حاجة إلى دائرة سحرية لكائن متجاوز.
لكن الأساطير ليست سوى بقايا غير مثبتة. لا توجد أي أدلة واقعية تثبت أن بارتول مدّ يده إلى عالم الحاكم ونجح في الحصول على تلك الأسرار.
وبينما كان ينظر إلى بارتول الذي رحل حاملاً أسراره معه، ازداد ثقل قلب إرنولف.
"بناءً على أنه أنشد أغنية مقدسة وتلا تعاويذ الصلاة، يبدو أن الشخص الذي أصدر الأوامر لمصاصي الدماء يُدعى مالاكاي، وهو كاهن مشهور إلى حد يكفي لأن يعرفه السيد بارتول."
"ليس هذا فقط يا كراين، لقد قال السيد بارتول بوضوح إن أول معبد قد تم تلويثه."
كانت طائفة فستا منقسمة إلى فصيلين: الفصيل الخارجي المسمّى "يد المجد"، الذي يسعى إلى ممارسة النفوذ على القوى الخارجية، والفصيل الداخلي المسمّى "مهد المصباح"، الذي يركز على تهذيب النفس والحفاظ على العقيدة.
وفيما بين هذين الفصيلين، كان هناك مكان يوازن بينهما، وهو المعبد الأول الذي أسّسه أنطون مؤسس الطائفة. هذا المكان، الذي يُعد جذر الطائفة وأرضها المقدسة، حافظ على حياد صارم دون أن يميل لأي طرف، وبناءً على ذلك كان يقوم بدور المحور الذي يضبط الصراع بين الفصيلين ويحافظ على النظام.
لكن قيل إن كاهن ذلك المكان قد تواطأ مع مصاصي الدماء.
لم يتمكن الثلاثي من فيستا من اتخاذ قرار: هل يجب أن يثقوا بكلمات بارتول، أم يعتبروا أنها مجرد هذيان رجل مسن يحتضر بعد أن أصيب بجروح بالغة؟
"من الأفضل ألا نكون متسرعين. دعونا نكون في حالة حذر قصوى حتى نكشف الحقيقة."
قال إلسيد وهو يمسك بعقد بارتول بإحكام. عندها نظر إليه كراين وماريتا وأومآ له بجدية.
بعد ذلك، احتار الثلاثة في ما إذا كان ينبغي نقل جثة بارتول إلى قرية قبيلة اليد الصخرية، أم دفنه هنا.
"حتى لو تم تطهير الجثة بالترياق ولن يحدث لها تعفن سريع، فإن نقلها إلى قرية اليد الصخرية في الوضع الحالي غير مناسب. من الأفضل دفنها هنا أولاً، ثم إبلاغ العائلة لاحقًا بموقعها. وبما أن علينا إيصال هذا أيضًا، فسنضطر للمرور بقرية اليد الصخرية مرة واحدة على الأقل."
وأثناء حديثه، نظر إلسيد إلى العقد النجمي الذي كان يمسكه. كان حجرًا صغيرًا بحجم عملة معدنية، لكنه بسبب كونه تذكارًا للمتوفى كان يشعر بثقلٍ يشبه سبيكة من الرصاص.
في تلك اللحظة، رفع إرنولف الذي كان صامتًا بنظرة كئيبة رأسه فجأة.
"هل يمكنني إلقاء نظرة عليه للحظة؟"
سلم إلسيد العقد له بكل رحابة صدر. دحرجه إرنولف بين يديه عدة مرات، ثم قال وهو يكبح حماسه بصعوبة.
"هذا ليس حجرًا عاديًا، بل هو حجر مانا فاخر محفور على شكل نجمة."
"حجر مانا؟"
"بما أن هناك نتوءًا صغيرًا مع تجويف في الوسط، يبدو أنه صُنع ليُركّب في مكان ما."
استخدم إرنولف سحر الرؤية ليحلّل دائرة المانا المنقوشة داخل حجر المانا على شكل نجمة. ثم بدأ يردد وصية بارتول كما هي:
"أيها المُشِعّ، يجب أن يكون للحوت نجمة. أرجوك أن تنقل نجمي إلى الحوت."
"هل تقصد أن الحوت ليس إنسانًا…؟"
"نعم، على الأرجح هو مفتاح لتشغيل جهازٍ على هيئة حوت."
كان ذلك الشيء الذي حرص بارتول على نقله حتى وهو يحتضر. وربما كان ذلك هو سجل أبحاثه، أو ذلك الشيء الذي يظهر في الأساطير.
شعر إرنولف بحدس قوي أن الأمر يتعلق بأحدهما.
أضاءت عينا إرنولف ببريق لامع.
وفجأة، خطف كازار العقد من يده.
"لماذا…"
نظر إرنولف إليه بوجه مظلوم، كطفل سُلبت منه الحلوى التي كان يستمتع بها. ثم أعاد كازار العقد إلى إلسيد.
"هذا الرجل الآن نظراته غير طبيعية. لقد فقد السيطرة تمامًا."
ظن كراين وماريتا أن نظرات إرنولف تشبه نظرته عندما كان يُلحّ على سكادين، وسيط الصقيع، ليمنحه زهرة الصقيع.
لكن رأي إلسيد كان مختلفًا.
"هذه نفس النظرة التي كان عليها عندما فقد عقله قليلًا بعد أن أكل شيئًا سيئًا في كالوانوي."
"صحيح. لذلك احتفظ به أنت حتى نعرف ما هو الحوت. ولا تعطه لهذا الأحمق بسهولة."
عمليًا، كان إلسيد يعرف من خبرته أن أفضل طريقة عندما يفقد إرنولف عقله هي أن يتبع كلام كازار. لذلك حدّق فيه بحذر، كمن يراقب وحشًا جائعًا، ثم أحكم إغلاق العقد وحفظه.
"هناك من يقترب."
قال وال، الذي كان يبتعد قليلًا لأنه لا يحب رؤية موت الآخرين، وقد لاحظ الأمر قبل بقية المجموعة.
بعد لحظات، اقتربت مجموعة من أكثر من عشرة أشخاص يمتطون الخيول.
"إنهم من قبيلة نسيم الرياح."
قال كراين بصوت منخفض بعد أن لاحظ رمز الريشة المرفرفة المنقوش على صدورهم اليمنى. بعضهم فحص جثث الوحوش الممزقة والآثار المحيطة، بينما توجه البقية نحو مجموعة إرنولف.
في مقدمة الركب، انحنى رجل انحناءة خفيفة لثلاثي معبد فيستا.
معظم سكان أرض التطهير ينتمون إلى الفصيل الداخلي "مهد المصباح"، لكنهم، رغم ذلك، وبما أنهم يعبدون الحاكم نفسه، فإنهم لا يميزون ضد كهنة الفصيل الخارجي أو فرسان المعبد ويظهرون لهم الاحترام.
"من مظهركم، لا تبدون كلاجئين… بل أنتم من الشرق، أليس كذلك؟"
قال الرجل وهو يتحدث، بينما كان يفحص إرنولف وكازار بعناية. وعندما لاحظ أنهما توأمان، تغيرت ملامحه إلى الجدية.
‘هل يمكن أن يكونا التوأم الذي سمعنا عنهما في الشائعات؟’
رغم أن علاقاتهم التجارية كانت محدودة بالدول المحيطة بأرض التطهير، إلا أن قبيلة نسيم الرياح كانت مطلعة بشكل جيد على أخبار شرق سلسلة جبال الصقيع عبر القوافل التجارية.
بل إن أغنية "التوأم الذي لا يُهزم" كانت منتشرة في الممالك المجاورة، لذلك عندما رأى الشابان اللذان كانا يشعّان بهالة غير عادية، تأكد فورًا أنهما كازار وإرنولف.
‘تلك الجهة يبدو أنه محارب هاله.’
لكي يستخدم الساحر قوته، يحتاج إلى وقت لبناء دائرة المانا، لكن محارب الهاله يستجيب فورًا. أشار إلى أحد حراس القافلة ليبقي عينيه على كازار.
فأومأ الحارس المكلّف، ثم وجّه نظره نحو جثة بارتول.
الجثث التي تلتصق بـالوحش النسيج الجسدي الممزق ثم تنفصل عنه تتعفن سريعًا وتصبح سوداء.
لكن بقاء جزء من جثة بارتول شبه سليم يعني أنه نُقذ منهم وهو على قيد الحياة.
"هل كان الضوء والانفجار الذي شعرنا به قبل قليل بسبب الوحش النسيج الجسدي الممزق؟"
"ربما."
أجاب كازار بدلًا من إرنولف الذي كان عقله مشتتًا بسبب العقد.
"لقد وجدنا الخائن بارتول. سلّموا الجثة إلينا."
"الخائن بارتول؟"
كانت كلمة تحمل معنى أعمق من أن تُتجاهل. انحنى كازار جانبًا وسأل:
"ما الجريمة التي ارتكبها هذا العجوز؟"
"هذا ليس من شأن الغرباء."
"وماذا ستفعلون بالجثة؟"
"أكرر، هذا ليس من شأن الغرباء."
"لماذا ليس من شأننا؟ هذا الرجل طلب قبل موته أن يُنقل إلى عائلته عبر هؤلاء الكهنة. وإن لم أحفظ العهد، سأصبح أنا مجرد جثة أيضًا. لا يمكنني تجاهل وصية رجل ميت مسكين…"
"هل تقصد أنك لن تسلم الجثة إلينا؟"
تقدم أحد حراس القافلة بتهديد، لكن قائدهم أوقفه برفع يده.
"يبدو أن هناك سوء فهم. ليس لهذا الرجل أي عائلة باقية. زوجته وأبناؤه ماتوا منذ زمن طويل، حتى لو أخذنا الجثة فلن يوجد من يقيم له جنازة. لذلك سلّمها لنا، نحن سنتولى الأمر."
"يبدو أنه كان يريد أن يُدفن بجانب زوجته وأولاده الموتى."
قال كازار بعناد، فتصلّبت وجوه أفراد قبيلة نسيم الرياح. لكن كازار لم يُبالِ إطلاقًا.
"ما يقولونه منطقي. من الأفضل أن يتولى أهل هذا المكان دفنه بدلًا من الغرباء."
في تلك اللحظة، تدخل إرنولف بعد أن استعاد هدوءه المعتاد.
"من الجيد أن هناك شخصًا عقلانيًا بينكم."
"هذا لطف منكم."
انحنى إرنولف بابتسامة هادئة خالية من أي تصنّع. ذلك التصرف جعل كازار يطلق ضحكة مكتومة.
‘عقلاني؟ هذا الرجل قبل لحظات فقط، كيف كانت عيناه؟’
كتم كازار ضحكته بدهشة.
"أنا إرنولف، وريث إندويل. وهذا هو كازار، الحاكم الجديد لإقليم ديتوري، وهو أخي. وأما هؤلاء الثلاثة…"
تعمد إرنولف أن يقدّم نفسه باسم إندويل أولًا. بالنسبة لقبيلة نسيم الرياح، التي تُعدّ بأكملها من التجار، فإن معلومة كونه وريث إندويل—ثاني أكبر مدينة تجارية في مملكة هيلام—لم تكن مجرد تعريف بسيط، بل كانت ذات قيمة تتجاوز ذلك بكثير.
ما إن سمعوا التعريف حتى تغيّرت نظراتهم نحو التوأمين في لحظة واحدة.
"لقد وصلنا خبر أن السيدة الأولى سيلينا فيرسايد أصبحت الحاكمة، لكننا لم نسمع قط أن هناك وريثًا لإندويل."
"يبدو أن طرق التجارة الرئيسية قد انقطعت أو أُغلقت، لذلك تأخر وصول الأخبار."
قال إرنولف ذلك بهدوء، ثم أخرج الختم الذي كانت سيلينا قد أعدّته مسبقًا له لاستخدامه كإثبات للهوية في مثل هذه الحالات.
عند رؤية الختم الذي يرمز إلى سلطة الحاكم، لم يعد أمام قبيلة نسيم الرياح سوى تصديقه. في الواقع، كانوا قد استنتجوا بالفعل أن هذين الفتيين ليسا شخصين عاديين منذ اللحظة التي رأوا فيها ملابسهما المصنوعة من أرقى الخامات، والتي لا يجرؤ حتى النبلاء العاديون على ارتدائها بسهولة.
"إذًا، هل يمكنكم تسليم جثة بارتول إلينا؟"
أمال إرنولف يده بخفة نحو جثة بارتول وكأنه يقول: افعلوا ما تشاؤون.
تقدّم بعض أفراد قبيلة نسيم الرياح حاملين بطانيات استعدادًا لنقل الجثة، بينما تراجع ثلاثي فيستا بصمت. لم يكن يعجبهم أسلوبهم في انتزاع الجثة واتهام بارتول بالخيانة دون تردد، لكنهم لم يكن أمامهم خيار سوى اتباع قرار إرنولف.
‘آه… إذن هذا هو السبب.’
لم يكن ثلاثي فيستا وحدهم، بل حتى كازار أدرك تمامًا نية إرنولف من تصرفه المتواضع المتعمد.
"كما ذكرتم، لقد انقطعت جميع طرق التجارة التي تربط الدول المجاورة، والوضع سيئ للغاية. في مثل هذه الظروف، ما سبب قدومكم إلى أرض التطهير؟"
سأل الرجل الذي بدا كقائد لقبيلة نسيم الرياحبينما كانوا ينقلون جثة بارتول.
لم يكن من المنطقي أن يأتي وريث إقليم ديتوري الجديد ووريث إندويل في خضم هذه الفوضى لمجرد أداء رحلة دينية.
"إن كنتم من قبيلة نسيمالرياح، فلا بد أنكم سمعتم بالفعل عن حاكم مصاص الدماء الذي نزل في أكارون، أبانوس."
قال إرنولف بصوت ثقيل، ناقلًا مأساة القارة، ومعلنًا هدفهم.
"نحن في طريقنا إلى أكارون لطلب تعاون الطائفة من أجل القضاء على ذلك الحاكم الشرير."
"إذن أنتم في طريقكم إلى المعبد الأول…"
"نعم. لكن قبل ذلك، نرغب في عقد اتفاق مقدّس مع قبيلة نسيم الرياح."
ما إن نطق إرنولف بكلمة "اتفاق مقدّس"، حتى تجمّدت ملامح أفراد قبيلة نسيم الرياح جميعًا في لحظة واحدة. كان ذلك أقدس وأقوى عهد يمكن أن يُبرم، عهد يُقام على أساس رهن مصير القبيلة ازدهارًا أو سقوطًا.
"لا تقل لي… هل تطلبون ختم الثلاثي؟"
ما إن خرجت الكلمة من فم القائد حتى تجمّد الهواء في المكان بالكامل. قبض حراس الحماية على أسلحتهم دون وعي، وتوقف أفراد القبيلة الذين كانوا يحاولون جمع الجثة عن الحركة، محدقين في إرنولف بذهول شديد.
-----------------------------
تهت شويه في اسماء القبائل اذا لاحظتم اي خطأ قولوا لي في التعليقات