الفصل 336: روح الذئب (4)
***
'ماذا أفعل؟'
كان طريق الهروب يقع إلى اليمين، بينما كانت رائحة بيتر تأتيه بخفوت من الجهة اليسرى.
إن أراد الالتزام بوصية معلمه الذي نهاه عن التوغل عميقًا داخل سيلفانهيم قبل أن يحين الوقت، فعليه أن يهرب الآن... لكن صرخات الطفلين وهما يناديان والدهما بيأس ظلت عالقة في أذنيه، لا تفارقه.
بعد أن ابتعد قليلًا عن مناطق الحراسة المشددة، فتح وال ياقة ثوبه ونظر إلى ليلى المختبئة في حضنه.
"كياااك!"
كانت ليلى تمتص المانا المخزنة داخل حجر المانا الخاص بإرنولف، فانزعجت لأن وجبتها قوطعت.
"ليلى... آسف، لكن... هل يمكنك أن توصلي رسالة إلى المعلم حالًا؟"
انحنى وال بأقصى ما يستطيع متوسلًا إليها.
توقفت ليلى عن الفحيح، وعقدت ذراعيها، ثم حدقت فيه بعينيها البنفسجيتين الشبيهتين بالجمشت.
دارت دوامة صغيرة داخل حدقتيها، ثم اختفت.
"...آه... إذًا لا تستطيعين."
إما أن معلمه في وضع لا يستطيع فيه التواصل مع مرافقه السحري، أو أن طاقة ليلى لم تعد تكفي لإرسال التخاطر إليه.
'لا يمكنني الانتظار إلى الأبد... عليّ أن أقرر بنفسي.'
أغمض وال عينيه، واستعرض في ذهنه خريطة المنشأة المركزية التي تتحكم في سيلفانهيم.
كانت رائحة بيتر تأتي من مكان يقع أسفل منه بكثير.
'أقصر طريق إلى غرفة التحكم المركزية هو متابعة ذلك الممر الواسع أمامي... ورائحة العم بيتر تنبعث من الممر العمودي القريب منه... ليست بعيدة عن غرفة التحكم التي تضم ناب وولفرانغ.'
لكن المشكلة أن ذلك الاتجاه كان معاكسًا تمامًا لطريق الهروب.
لقد وصل إلى هنا مصادفة أثناء هروبه من الحراس.
ولو حاول الوصول إلى هذا المكان عمدًا، لما كان الأمر سهلًا أبدًا.
إذًا كان الجواب واضحًا.
'سأبحث عن العم بيتر.'
لم يكن الانسحاب الآن ثم العودة لاحقًا فكرة جيدة.
فإن كان بيتر بحاجة إلى المساعدة في هذه اللحظة، فقد يفقد حياته قبل أن يعود.
'لا مفر... لا يوجد أحد يستطيع إنقاذه الآن غيري.'
تذكر مورين وكالتو، ثم أخذ نفسًا عميقًا.
كان خائفًا لكنه شعر أن الأمر ليس مستحيلًا.
'لو كان المعلمان يعتقدان أنني عاجز عن الحصول على ناب وولفرانغ، لما درباني من أجل ذلك أصلًا... سأثق بحكمهما.'
راجع ما تبقى لديه من جرعات علاج والأدوات المختلفة، ثم تحرك فورًا.
تنقل عبر ممرات التهوية، والممرات الضيقة المخصصة لصيانة شبكة الأسلاك المنتشرة داخل المنشأة، وممرات نقل المواد.
ولم تكن الحراسة تعتمد على الحراس الآليين وحدهم.
فقد كانت هناك أجهزة استشعار للحركة مخبأة بين الجدران والسقف.
صحيح أن بعض الأجهزة تعطلت بفعل تقادم الزمن، لكن ذلك لم يكن في صالح وال.
ففي كل منطقة تعطلت فيها أجهزة الاستشعار، كانت الكهرباء عالية الجهد تسري في الجدران، بحيث يكفي لمسها لمسة خفيفة ليتحول المرء إلى فحم.
لم يعرف إن كان الحراس قد تركوها عمدًا لأنها غير قابلة للإصلاح، أم أنهم عجزوا عن إصلاحها.
لكن النتيجة واحدة... تجاوز تلك المناطق لم يكن سهلًا.
اعتمد وال على المعلومات التي علمه إياها معلمه، وعلى قدرته في استشعار المانا، بالإضافة إلى قدراته الجسدية المذهلة كذئب بشري، وتجاوز العقبات واحدة تلو الأخرى.
وبعد ساعات من التنقل... وصل أخيرًا إلى ممر عمودي تفوح منه رائحة بيتر بقوة.
بينما كان يفك براغي الشبك المعدني لفتحة التهوية، ألقى نظرة إلى الأسفل.
كان الممر الدائري هائلًا بصورة ساحقة.
وفي مركزه امتد محور ميكانيكي غريب يشبه العمود الفقري لكائن ميت، بينما تشابكت الأسلاك والمنشآت المعدنية الباردة حوله كأنها أوتار وعروق.
بعد إزالة الشبك، خرج من الفتحة، وأمسك بقطعة معدنية بارزة من الجدار، متدليًا في الهواء.
'وكأنني دخلت حلق وحش....'
كان المكان مظلمًا لكن أحجار ضوء القمر المتوهجة التصقت هنا وهناك على الهياكل المعدنية كأنها حلوى ذابت فوقها.
'هوب!'
قفز في الهواء ليمسك بالبروز المعدني التالي، وبدأ يهبط عبر الممر العمودي.
وعندما بلغ نقطة معينة اشتدت رائحة بيتر.
ركل الجدار وقفز نحو الهيكل الطويل الشبيه بالعمود الفقري الممتد في وسط الممر.
تعلق به كحشرة الزيز، فاهتز الهيكل بقوة.
انتظر حتى هدأ الاهتزاز، ثم بدأ يتقدم، مغرسًا مخالبه فيه.
وعند الموضع الذي قصده وجد دمًا أحمر قد جف.
'إنه دم العم بيتر!'
شم المكان.
كانت الروائح محفوظة هنا بوضوح كأنها سجل كامل.
وبعد تتبع آثارها، استطاع أن يعيد في ذهنه ما حدث.
'خرج من فتحة التهوية هناك... ثم تحرك على طول الجدار... وبعدها خرج شيء من تلك الفتحة، فقفز إلى هنا ليتفاداه.'
حول بصره نحو الجهة التي تنبعث منها رائحة نفاذة وغريبة.
كان زفير وحش يتسرب من شق أسود في الجدار.
وفي اللحظة نفسها أطلقت كل حواسه إنذارًا بالخطر.
'هل يُعقل...؟'
إنه...
فانتوم سترايدر.
القاتل الصامت الذي يفوق الأشباح خفاءً.
الوحش نفسه الذي أوقع باركان وفولكان وبيتر في تلك الكارثة.
وبينما كان وال يسترجع المعلومات عنه كان الوحش قد بدأ الصيد بالفعل.
تحركت المجسات المتخفية بين الهياكل المعدنية بصمت تام، كأنها ظلال.
وفي لحظة أحاطت به من جميع الجهات.
وانطلقت ثمانية مجسات، تتقدمها إبر سامة، نحوه دفعة واحدة.
شششش!
كانت سرعتها تشبه اندفاع الأفاعي عند الانقضاض على فريستها.
وكان وال آنذاك معلقًا بالهيكل المعدني.
فلو أفلت يديه أو قدميه لتفادى الهجوم لسقط في الهوة السحيقة.
فتح عينيه على اتساعهما، وهو يراقب الإبر السامة تقترب منه.
اقتربت حتى صارت أمام وجهه مباشرة.
طنغ! تانغ! تينغ!
تردد صوت اصطدام مكتوم داخل الممر العملاق، بينما لمع ضوء أزرق.
"صحيح... حتى الآن، لم تواجه وحوشًا تمتلك شيئًا مثل هذا... هذه هي درع المانا."
تمتم وال بصوته الهادئ المعتاد، ثم أخرج كيسًا صغيرًا.
ونثر ما بداخله في الهواء.
انتشر مسحوق أخضر كندف الثلج، والتصق بمجسات فانتوم سترايدر.
"وجدتك أيها الوحش."
بدأت المجسات التي كانت مموهة بلون البيئة تتوهج بلون فسفوري.
"بليز فلوري!"
اندفعت كرات نار حمراء من أنحاء جسده.
اشتعلت ألسنة اللهب في سلسلة انفجارات.
فتراجعت المجسات مذعورة.
وفي تلك اللحظة فتح الوحش المختبئ في الظلام فكيه وهو يطلق صرخة مرعبة.
لم يفوت وال الفرصة.
أخرج قنبلة صغيرة وألقاها داخل فمه.
بووم!
دوى انفجار عميق داخل جسد فانتوم سترايدر.
وانتفخ جسده كالبالون.
فور رؤيته لذلك فعّل وال الدرع السحري.
بلغ الانتفاخ حده الأقصى ثم انفجر الوحش مطلقًا صرخة مروعة.
فشششش!
تناثرت كتل سوداء لزجة وسائل أزرق مخضر في الهواء، قبل أن تنهال كالمطر.
'كيف استطاع المعلم أن يتوقع كل هذا ويجهزني له مسبقًا... إنه مذهل حقًا.'
وعندما رأى السوائل الخارجة من الوحش تذيب الجدران المعدنية، فهم أخيرًا سبب تآكل جدران ذلك الممر العمودي بهذا الشكل.
'قد تظهر وحوش أخرى... يجب أن أنزل بسرعة.'
أمسك بالهيكل الشبيه بالعمود الفقري كما لو كان حبلًا، وبدأ ينزلق بسرعة نحو الأسفل.
وفي الظلام كانت أعداد لا تحصى من الوحوش تراقبه بصمت، كأنها تنتظر اللحظة المناسبة للانقضاض.
***
كانت الغابة الفضية تحكمها ثلاث قبائل من الذئاب النقية:
وولغار، وفينريرس، وسكول.
ورغم شهرة وولغار وفينريرس بالشراسة وحب القتال فإن سمعتهما لم تكن شيئًا مقارنة بقبيلة سكول.
كان أفراد سكول، أصحاب الفراء الأحمر والعيون القرمزية، شديدي التدمير والقسوة.
ولهذا، كلما خاضت القبائل الثلاث حربًا معًا، كانت سكول دائمًا في مقدمة الصفوف، ولا تتوقف عن القتال حتى تُفني العدو بالكامل.
وكانت صيحاتهم القتالية تحمل قوة غريبة، تخدر الألم وتوقظ الوحش الكامن داخل كل محارب، فتحوله إلى هائج لا يعرف التراجع.
ولما أضرمت البشرية النار في قلوب سكول لم يعد هناك مجال لإنهاء الأمور سلميًا.
ومن دون التشاور مع القبيلتين الأخريين أعلنت سكول الحرب.
أجلوا الأطفال والمسنين، وجمعوا المقاتلين، وحمل كل واحد منهم سلاحه، ثم انطلقوا نحو حصن البشر.
وما إن عبروا الوادي حتى استقبلهم البشر بوابل من الهجمات.
تساقطت السهام كالمطر.
وانسكب الزيت المشتعل فوق أجسادهم.
لكن سكول لم يتراجعوا.
واصلوا الاندفاع، مطلقين زئيرًا جنونيًا، نحو الجدار الجليدي الذي يحمي الحصن.
كانوا يندفعون فوق الثلوج البيضاء كألسنة لهب حمراء.
وفي تلك اللحظة ظهر شاب أسود الشعر يركض فوق الجدار الجليدي.
غرس القضيب الحديدي الذي يحمله في الأرض، وتوقف بصعوبة، ثم صاح بصوت هز القلوب:
"توقفوا جميعًا!"
في اللحظة التي سمعوا فيها صوته أدرك حتى الذئاب التي لا تستخدم الهاله أنه مستخدم لها.
لكن رغم هالته المرعبة استمرت المعركة.
واصلت سكول محاولة اقتحام الحصن، بينما استمر البشر في إطلاق السهام ورمي أوعية الزيت المشتعل.
وحين رأى أن أحدًا لا يستجيب ارتعشت حواجبه غضبًا.
"يبدو أنكم لن تفهموا الكلام حتى أشق أجسادكم وأبعثر أحشاءكم... لا تعرفون الإصغاء عندما أتحدث بلطف."
أخرج من جيبه قنبلة من حجر اللهب.
وقذفها عاليًا في السماء.
ثم ضربها بقضيب الحديد بكل قوته.
طنغ!
انطلقت القنبلة كالسهم.
وانفجرت في أعلى نقطة فوق ساحة المعركة.
دووووم!
غطى الانفجار الهائل والكتلة النارية الضخمة السماء.
واجتاحت موجة حر عاتية أرض المعركة.
وبعد أن تلاشت الرياح الحارة أمام البرد ساد الصمت في كل مكان.
واعتلت ابتسامة خفيفة شفتي الشاب.