الفصل 337: روح الذئب (5)
ساد الذهول ساحة المعركة بعد الانفجار المفاجئ، فتجمد الجميع في أماكنهم وحدقوا بالفتى الواقف فوق الجدار الجليدي.
كان يحمل قضيبًا حديديًا طويلًا على كتفه، ويتفحص ساحة القتال بعينين متعاليتين. وببدلته القتالية السوداء، ووقوفه في مواجهة رياح الشمال العاتية، بدا وكأنه حصن شامخ لا يتزعزع.
"اسمعوا كلامي جيدًا. من هذه اللحظة...."
وما إن بدأ يتحدث بوقار حتى استدار غاضبًا.
فقد تذكر متأخرًا أن الموجودين هنا لا يفهمون لغته أصلًا.
"أيها السلاحف الكسولة! ألا تستطيعون الإسراع؟!"
"نعتذر يا سيد إلف! نحن قادمون حالًا!"
كان الساحر لوكاس يلقي تعاويذ التسريع واحدة تلو الأخرى وهو يركض نحو الجدار الجليدي حيث يقف كازار. وحتى الذئبان اللذان رافقاه كانا يتصببان عرقًا في عز الشتاء وهما يحاولان اللحاق بكازار الذي اختفى في لمح البصر.
ما إن وصلا إلى جانبه حتى بدأ كل منهما يخاطب قومه بلغته، مؤكدًا أن الوقت ليس مناسبًا ليتقاتل الطرفان.
لكن الاحتجاجات والاتهامات انهالت من الجانبين.
"أتتحدثون بعد أن تعرفوا ما فعله هؤلاء البشر القذرون بقريتنا؟!"
صرخ أحد محاربي قبيلة سكول، وقد انتفش شعر جسده كله، كاشرًا عن أنيابه نحو الجدار الجليدي.
"لقد أحرقوا قريتنا ونحن نيام! استخدموا قنابل حجر اللهب ليحرقوا عائلتي وجيراني أحياء!"
فرد الجنود الواقفون على سور الحصن وهم يحملون دروعهم بغضب:
"ومتى فعلنا ذلك؟!"
"أيها الأوغاد! قولوا بصراحة إنكم تريدون القتال فقط! اختلقوا كذبة يمكن تصديقها على الأقل!"
"ولماذا نهدر قنابل حجر اللهب الباهظة عليكم أصلًا؟!"
ازدادت عروق محاربي سكول انتفاخًا وهم يصرخون:
"وجدنا أسلحتكم متناثرة في كل مكان! وما زلتم تنكرون؟!"
"أي هراء هذا...!"
أوشك القتال أن يشتعل من جديد.
فصاح لوكاس، وقد ارتسم التوتر على وجهه:
"اهدؤوا جميعًا! إنه سوء تفاهم! من فعل ذلك هم الخالدون!"
أراد أن يشرح بهدوء، لكن سكول الغاضبين لم يمنحوه الفرصة.
"ما هذا الهراء الآن؟! هل تقصد أن جميع من في الحصن خالدون؟!"
"كل هؤلاء خالدون؟!"
"إذن يجب قتلهم جميعًا!"
وبدأ أفراد سكول يتسلقون الجدار الجليدي جماعات.
أما الذئب الذي جاء مع لوكاس، فقد ظل يصرخ طالبًا منهم أن يستمعوا، لكن صوته ضاع وسط هتافات سكول.
"يا فرقة الحراسة! جهزوا المجانيق!"
"شدوا أوتار الأقواس! أطلقوا فور اقترابهم أكثر!"
دوّى صوت القائد المشبع بالهاله متجاوزًا ضجيج المعركة.
وأدار جنود فالينغارد المجانيق نحو الحشود القادمة.
طَق... طَق...
رفع جنود الحصار جرار الزيت الثقيلة ووضعوها في المجانيق، ثم أشعلوها بالمشاعل.
تصاعد الدخان الأسود واللهب من الجرار.
"ثبتوا الهدف!"
رفع القائد، وقد تحول إلى هيئة وحش ضخم، رايته الصغيرة وهو يراقب أفراد سكول الذين كانوا يتجاوزون الجدار.
"اهدؤوا جميـ... آآخ!"
كان لوكاس يحاول إيقاف القتال، لكن موجة أفراد سكول دفعت به أرضًا.
وسحقوه تحت أقدامهم وهم يندفعون إلى الأمام.
نظر أحد الفرسان إلى لوكاس الملقى على الأرض ينزف، ثم صاح بقائده:
"انظروا ماذا يفعل هؤلاء الوحوش! ألن ننقذ ذلك الرجل؟!"
كان القائد يحدق في أفراد سكول المتدفقين أسفل الأسوار، وقد برزت عروق عنقه.
"تماسك! حماية الحصن هي الأولوية!"
"لكن ذلك الرجل ساحر من إديلغارد! إن سمحتم لي فسأذهب لإنقاذه."
كرر الفارس طلبه، غير قادر على فهم أمر قائده.
فصاح به القائد بانزعاج:
"لا ترتكب حماقة!"
"حماقة؟! إديلغارد حليفتنا! إن وقفنا نتفرج على موت أحد سحرتها، فستنشأ أزمة دبلوماسية...."
لكن وجه الفارس تجمد فجأة.
انتشر دفء لطيف في الأرجاء، كأن الربيع قد حل فجأة.
أما قائده، الذي كان يصرخ منذ لحظة، فقد ارتجف جسده وترنح.
مد الفارس يده ليسنده.
لكن ظهر خلف القائد ظل أسود.
"احذر!"
أمسك الفارس بسيفه غريزيًا.
إلا أن جسد قائده انشطر قطريًا قبل أن يتمكن حتى من سحب سيفه.
ششش!
استدار الفارس ليهاجم الظل.
لكن ما رآه أصابه بالذهول.
لم يتدفق دم أحمر من جسد قائده المشطور بل اندفع رماد أسود حالك.
"ما... ما هذا؟!"
ومن خلال الرماد المتناثر، رأى فتى ذا شعر أسود يلمع كحجر السبج.
"كيف تجرؤ!"
أطلق الفارس هجومًا مضادًا.
لكن الفتى تفادى الضربة بسهولة، ثم اندفع خلف فارس آخر.
والغريب أن ذلك الفارس كان قد قفز من فوق السور وهرب قبل أن يقاتل أصلًا.
قفز الفتى خلفه.
فقفز الفارس الأول بدوره وراءهما.
ورأى للمرة الثانية مشهدًا لا يصدق.
انشطر جسد رفيقه بوحشية وتدفقت من المقطع رماد أسود كثيف.
بعد أن قتل الاثنين، وقف الفتى يواجه الفارس الذي لحق به، وابتسم ابتسامة خبيثة بدلًا من الفرار.
"كيف كنتم تسمونهم بلغتكـم؟ لقد تعلمتها، لكنني نسيتها... الخالدون؟ أليس هذا اسمهم؟"
وسط الكلمات الأجنبية التي لم يفهمها الفارس برزت كلمة مألوفة.
كان يظن أن الفتى استخدم سحرًا أسود لقتل قائده.
لكن سماعه تلك الكلمة صدمه.
"آه، لقد فهمتها الآن، أليس كذلك؟ يبدو أن نطقي ليس سيئًا."
قال كازار ذلك وهو يقذف حجر الشفاء في الهواء ثم يلتقطه بخفة.
ذلك الدفء الغريب الذي شعر به الجميع فوق السور قبل قليل كان نابعًا من قوة فيستا المخزنة داخل حجر الشفاء.
ومن خلال ردود فعلهم تجاهها، استطاع كازار أن يميز مصاصي الدماء المتنكرين في هيئة بشر.
"ما الذي تقصده بالخالدين فجأة؟"
سأل الفارس وهو يصوب سيفه نحوه.
وفي تلك الأثناء، وصل المزيد من الجنود وأحاطوا بكازار من كل جانب، والرماح مصوبة إليه.
نظر كازار إلى عشرات الرماح الموجهة نحوه وقال:
"يا لها من معاناة... عندما لا يفهم أحد كلامك."
رفع بصره نحو السماء الملبدة بالغيوم.
ثم فكر قليلًا.
طوال ستين عامًا من عمره لم يسبق له أن أقنع أحدًا بالكلام.
"همم...."
وكان الأمر الذي تلقاه من أخيه واضحًا:
منع اندلاع الحرب بين البشر والمستذئبين.
"إذن... يكفي أن أربط الطرفين حتى يعجزا عن القتال."
قالها بلا مبالاة، ثم أنزل سيف الرماد الذي كان يحمله على كتفه أمامه.
"فلنستلقي جميعًا بسلام."
ومع تدفق الهاله إلى السيف تشققت قشرته القبيحة، وظهر نصله الأبيض الناصع.
***
لم تكن السيلفانيس تنوي إطلاق سراح الفريسة التي جاءت إليها بنفسها.
وحين أوشك وال على بلوغ أسفل الممر العمودي عبر الهيكل المركزي حلقت جميع الوحوش الكبيرة والصغيرة المتجمعة في الأسفل نحوه دفعة واحدة.
اندفعت السيلفانيس نحوه كأسراب البعوض، ملوحة بمجساتها وأنيابها، ومطلقة إبرها السامة.
وبينما كان وال يصدها بدرع مانا شفاف لاحظ أن السلك الذي يتمسك به أوشك على الانقطاع.
'لا بأس... لقد اقتربت من الأسفل. سأقفز ببساطة....'
لكنه ما إن نظر إلى الأسفل حتى اهتزت عيناه بعنف.
كانت الوحوش السوداء مصطفة بكثافة على الأرض، وقد رفعت أشواكًا طويلة وحادة كالرماح، بانتظاره.
ولو قفز الآن لتحول جسده إلى سيخ مثقوب.
طق... طق...
وزاد الطين بلة أن السلك الذي يتمسك به أخذ يرق شيئًا فشيئًا، وكأنه سينقطع في أي لحظة.
'لا وقت... يجب أن أجد مكانًا آمنًا.'
وبينما كان يبحث بعينيه عن موضع يهبط فيه برز وجه مألوف من شق كبير في الجدار.
"هاه؟! كيف...؟"
كانا فيدار وباركان.
وقبل أن يستوعب ما يجري صرخ باركان:
"انتبه!"
وألقى سيفه المنحني كالبوميرانغ، فمزق الوحوش التي كانت تهاجم ظهر وال.
وفي تلك اللحظة مد فيدار الجزء العلوي من جسده إلى الخارج وصاح:
"اقفز! سأمسك بك!"
كان السلك على وشك الانقطاع.
فمد وال يده نحو فيدار وقفز دون تردد.
ثبت فيدار نفسه بمخالبه، ثم أمسك بوال وسحبه إليه.
وفي الوقت نفسه اندفعت السيلفانيس خلف وال كأسراب البعوض.
وبينما كان فيدار يتراجع وهو يحمل وال وقف باركان في المقدمة، يتلقى طعنات الإبر الفولاذية في أنحاء جسده ليصد الوحوش.
"شكرًا لكم. كيف وصلتما إلى هنا؟"
"سنتحدث لاحقًا. هذه حقيبتك، أمسك."
خلع فيدار الحقيبة وألقاها إليه، ثم اندفع لمساعدة باركان.
'همم... يبدو أن ذلك الفتى تورغال اعتنى بالحقيبة جيدًا.'
فتح وال الحقيبة بسرعة، وأخرج قنبلة حجر مانا تحمل تعويذة وميض عالية القوة.
كانت بداخل الحقيبة أيضًا قنابل حجر اللهب فائقة القدرة.
لكنه لم يستطع استخدامها.
فلو فعل لاستدعى جميع الحراس الآليين الموجودين في المنطقة المحظورة.
"أغلقوا أعينكم!"
وفور تفعيل قنبلة الوميض قذفها داخل الممر العمودي.
كراااك!
دوى انفجار هائل.
وأضاء وميض فضي أبيض الهاوية كما لو أنها نهار قطبي.
ورغم أن الثلاثة احتموا بدرع مانا عند المدخل إلا أنهم شعروا بألم لاسع في أعينهم.
"كيييييك!"
"كيااااك!"
استمرت صرخات الوحوش والضوء المبهر لبعض الوقت.
ثم بدأت السيلفانيس السائرة في الجو تتساقط تباعًا.
أما الوحوش التي كانت تنتظر على الأرض، فقد انقلبت على ظهورها مغشيًا عليها.
استغل الثلاثة الفرصة.
وغادروا الشق في الجدار بسرعة قبل أن تستفيق الوحوش، ثم تابعوا نزولهم عبر الممر العمودي.
"اتبعوني. الطريق من هنا."
بعد أن تفقد محيطه بواسطة استشعار المانا، وجد وال طريقًا يسمح لهم بتجنب الحراس، فأرشدهم إليه.
"ماذا تنوي أن تفعل؟"
ما إن استدار وال حتى أمسك فيدار بطرف ثوبه.
"إن ذهبت من هناك فسنتوغل أكثر إلى الداخل. إذا أردنا الخروج، فعلينا أن نسلك..."
"لكنني لا أنوي الخروج."
"إذن ماذا تنوي؟"
ظن فيدار أن وال مقدم على تصرف متهور، فأراد منعه.
لكن أمسك باركان بيد فيدار التي كانت تقبض على ثوب وال.
"إنه ذاهب للبحث عن بيتر. ألا تشم رائحة بيتر أنت أيضًا؟"
"بلى... لكن ما الفائدة؟ لقد مضى أكثر من نصف شهر. وحتى لو ذهبنا، فلن نجد سوى جثته، وسننضم إليه."
كان فيدار آسفًا على بيتر لكن بصفته قائد البعثة، أراد إخراج وال وباركان سالمين.
"أنا...."
وما إن فتح باركان فمه حتى قاطعه فيدار بحزم، وكأنه عرف مسبقًا ما سيقوله.
"لا تقل شيئًا. سنواصل البحث عن طريق الخروج."
خفض باركان رأسه في النهاية، وأغلق فمه.
وفي تلك اللحظة اخترق صوت وال الهادئ الجو الثقيل بينهما.
"وماذا لو كان حيًا؟"
"ماذا قلت؟"
قطب فيدار حاجبيه ونظر إليه.
وتحدث وال ببطء، لكنه شدد على كل كلمة.
"ماذا لو كان العم بيتر ما زال حيًا... وينتظر الإنقاذ في مكان ما؟ ألن يكون قاسيًا جدًا أن نعود الآن دون أن نحاول؟ لقد وصلنا إلى هنا بعد كل هذا العناء. على الأقل يجب أن نتأكد إن كان حيًا أم ميتًا. أم تريدون أن يقضي مورين وكالتو حياتهما كلها وهما ينتظران والدهما؟"
"........"
أراد فيدار الرد لكنه لم يجد ما يقوله.
فأطبق فمه بصمت.
وعندها رفع باركان رأسه ببطء.
كان الشعور بالذنب لأنه ترك بيتر وهرب لا يزال يثقل كاهله.
وقال بصوت منخفض:
"أنا... "سأذهب مع هذا الفتى."
ثم تقدم حتى وقف إلى جانب وال.