الفصل 339: ملك الذئاب (1)
توقّف وابل السهام المتساقط، ولم تعد الحجارة التي كانت تُقذف بالمقاليع ولا جرار الزيت المشتعلة تنهال عليهم، فأصبح تجاوز الجدار الجليدي واستهداف الحصن أمرًا ليس بالصعوبة السابقة.
"لقد حان الوقت لنذكّرهم مجددًا برعب المستذئبين! إلى الأمام!"
أطلق أفراد قبيلة سكول هتافًا مدويًا وهم يندفعون نحو بوابة الحصن.
"هاااه!"
شحبت ملامح الساحر لوكاس، وأخذ يتدحرج مع محارب سكول الذي جاء معه، هاربًا في اتجاه الحصن.
وفي اللحظة التي وقف فيها أفراد قبيلة سكول الثائرون والرجلان في مواجهة بعضهم البعض أمام البوابة، دوّى صوت آليةٍ ثقيلة، وبدأ الباب الحديدي الشبكي الذي يسد المدخل يرتفع ببطء.
"ما هذا؟"
"ما الذي يحاول هؤلاء الأوغاد فعله؟"
شدّ أفراد قبيلة سكول قبضاتهم على أسلحتهم، وهم يلهثون استعدادًا للاندفاع في أي لحظة.
'لماذا يفتحون البوابة في مثل هذا الموقف؟'
حتى لوكاس، الذي غطّت الجراح جسده، أدار وجهه الشاحب نحو البوابة.
صريرررر...
وسط صمتٍ خانق للأنفاس، انزلق الباب المعدني الضخم المغطى بالصفائح الحديدية إلى الجانب.
ثبت أفراد قبيلة سكول أنظارهم بتوتر شديد على الفتحة التي أخذت تتسع.
دوووم.
دوّى صوت ارتطام البوابة بعارضتها الحديدية.
لكن من كان يقف خلف البوابة المفتوحة على مصراعيها لم يكن جيش فالينغارد.
بل شخصًا واحدًا فقط.
فتًى يحمل سيفًا شيطانيًا تتأجج فيه النيران.
"آااه! ما الذي فعلتموه بحق السماء؟!"
صرخ لوكاس وهو يمسك رأسه بكلتا يديه.
فخلف الفتى، كان فرسان وجنود فالينغارد مبعثرين على الأرض كدمى محطمة.
كان أمر الإلف طويل الشعر واضحًا؛ بما أن الأشباح الخالدة قد تشن هجومًا مباغتًا في أي وقت، فعليهم منع اندلاع الحرب بين العرقين والاستعداد للخطر القادم.
ولتحقيق ذلك، كان من الطبيعي أن تكون هناك حاجة إلى قوة الغابة الفضية، بالإضافة إلى قوات فالينغارد أيضًا، لكن يبدو أن الإلف قصير الشعر كان يفكر بطريقة مختلفة.
'لقد طلب منع الحرب، فما الذي يحاول فعله بحق السماء؟!'
بدأ لوكاس يشك في أنه ربما أساء فهم أوامر الإلف طويل الشعر بسبب حاجز اللغة.
وفي تلك اللحظة، خرج الإلف قصير الشعر من البوابة.
ما إن رآه قائد قبيلة سكول حتى حذّر رجاله.
"لا تهاجموا بتهور. يبدو أنه ليس شخصًا عاديًا."
فهو أيضًا، مثل لوكاس، كان قد رأى ما حدث داخل الحصن وشعر بالارتباك.
اشتعلت النيران.
ومع كل خطوة يخطوها الفتى خارج البوابة، كانت النار المشتعلة في سيفه تكبر أكثر فأكثر.
لم يكن محاربو سكول يخشون الحرارة المرعبة المنبعثة من السيف الشيطاني بقدر ما كانوا يحذرون من نية القتل المتصاعدة من جسد الفتى.
"ما الذي يفعله هذا الرجل أصلًا؟"
"هل هو حليف أم عدو؟"
لم يكن بوسعهم اعتبار أنه في صفهم لمجرد أنه دمّر دفاعات حصن فالينغارد.
فتلك الهالة القاتلة... لم تكن أبدًا هالة حليف.
"كم أشعر بالارتياح وأنا أضرب كل من يقف في وجهي. لا أعلم كيف استطعت أن أكبت هذا الشعور طوال ذلك الوقت."
تمتم الفتى لنفسه وهو يدور بسيفه دورة كاملة.
وفي اللحظة التالية، اجتاحت حرارة مرعبة المنطقة أمام الحصن.
وذاب الثلج المتراكم أمامه في لحظة، متحولًا إلى بخار كثيف.
حافظ محاربو سكول على تشكيلهم وهم يراقبون الفتى.
ثم لوّح بسيفه مرة أخرى بقوة.
ومن دون أن يمنحهم فرصة للاستعداد، اندفع نصل الهاله المشتعل فوق رؤوس أفراد قبيلة سكول.
بووووم!
تجاوز نصل الهاله أفراد القبيلة المذهولين وضرب الجدار الجليدي مباشرة.
وانفجر الجدار، متناثرًا إلى شظايا في كل اتجاه.
وفي أثناء ذلك تحرك الفتى.
اخترق البخار في لحظة، واندفع حتى أصبح أمام قائد قبيلة سكول مباشرة، ثم هوى بسيفه.
كل ذلك حدث في طرفة عين.
'ما هذه السرعة؟!'
وقبل أن يلامس سيف الفتى صدره بلحظة، أدار القائد كتفه بصعوبة، متجنبًا الضربة القاتلة.
لكن رغم هجومه المضاد السريع، انتهى به الأمر بإصابتين طويلتين في صدره وبطنه.
"غخ!"
ترنح القائد وهو ينفث الدم.
أما الفتى، فلم يعره أي اهتمام، واستدار بسرعة ليهاجم محاربًا آخر.
"أوغ!"
رفع المحارب فأسه بسرعة البرق ليصد سيف الفتى.
لكن ذلك كان كل ما استطاع فعله.
فالحرارة الكامنة في السيف الشيطاني قطعت نصل الفأس كما لو كان فجلًا، ثم شطرت كتفه وصدره بضربة واحدة.
كان الفتى يشق البخار الذي غطى ساحة المعركة كالضباب، ويختار المحاربين الأقوى واحدًا تلو الآخر، قاطعًا إياهم بلا رحمة.
قاوم محاربو سكول بكل ما أوتوا من قوة.
لكن الفتى لم يكن سوى كارثة لا يمكن إيقافها.
كان تسونامي يبتلع كل شيء.
وزلزالًا يمزق الأرض.
وانهيارًا ثلجيًا هائلًا.
وأمام كارثة لا يمكن مقاومتها، فقد محاربو قبيلة سكول قدرتهم على القتال بسرعة.
"يا سيد إلف! أرجوك تمهّل! لا يجوز قتلهم! إنهم جميعًا في صفنا!"
صرخ لوكاس من بعيد متوسلًا بيأس، لكن دون جدوى.
أعجب كازار بسرعة استجابة محاربي سكول وقوتهم وهم يحاولون بكل ما لديهم إيقافه، وشعر بمتعةٍ كبيرة وهو يسحقهم كما لو كان يدوس الحشرات.
وووش...
ولم تتوقف ثورته إلا بعد أن لم يعد هناك أي خصمٍ واقف.
وعندها فقط حلّ السلام على كلا الجانبين.
"أظن أنكم أصبحتم مستعدين أخيرًا للإصغاء."
قال كازار ذلك بعدما ألقى نظرةً راضية على ساحة المعركة التي تحولت إلى أرضٍ مدمرة، ثم أومأ برأسه نحو الجدار الجليدي وهو ينظر إلى لوكاس.
كان يقصد أن يصعد وينقل إرادة تيري.
تسلق لوكاس ما تبقى من الجدار الجليدي بصعوبة، ثم بدأ يتحدث بصوت مرتجف.
"أيها الجميع... استمعوا إليّ. لسنا بحاجة إلى قتال بعضنا البعض."
وبعد أن قال ذلك، ابتلع ريقه بصعوبة.
فمن جهة فالينغارد ومن جهة سكول، كان الجميع مطروحين على الوحل يتلوون كيرقات.
لم تكن المسألة أنهم لا يحتاجون للقتال بل إنه لم يعد هناك من يستطيع القتال أصلًا.
"إن كل هذه المأساة سببها أولئك الأشباح الخالدة القساة والمكارون...."
وأثناء حديثه، استدار لوكاس لا إراديًا نحو كازار، ثم أشاح وجهه بسرعة.
"إنها مؤامرة الأشباح الخالدة! لقد تنكروا في هيئة رجال فالينغارد وهاجموكم! العدو الحقيقي ليس البشر داخل الحصن، ولا مستذئبي الغابة!"
"غخ...."
رفع قائد قبيلة سكول، الذي كان مطروحًا أرضًا، رأسه وهو يضغط على جرح صدره.
ثم نظر إلى لوكاس وهو يلهث.
"ولماذا فعلت الأشباح الخالدة ذلك أصلًا؟! إن كانوا يريدون قتلنا، فليهاجمونا مباشرة! لماذا يلجؤون إلى مثل هذه الحيل؟!"
أجاب محارب سكول الذي جاء مع لوكاس بدلًا منه:
"أليس لأنهم أرادوا أن يقتتل البشر ونحن حتى نهلك جميعًا، أيها القائد؟"
"وتريدني أن أصدق ذلك من دون دليل؟"
كان في العالم أناس يمتلكون موهبة فذة في القتال، لكن عقولهم كانت بليدة.
وكان قائد محاربي قبيلة سكول من هذا النوع.
وبينما كان لا يزال غير قادر على تصديق كلام الساحر لوكاس وأحد أفراد قبيلته خرج فارس من حصن فالينغارد مترنحًا، وهو يحتضن أضلعه المحطمة.
ولما وصل إلى المكان الذي ذاب فيه الجدار الجليدي واختفى، صاح بصوتٍ مشبع بالهاله:
"كل ما قيل قبل قليل هو الحقيقة. لقد رأيت بعيني، قبل لحظات، ذلك الفتى.... "
ثم نظر إلى كازار بنظرة امتزج فيها شيء من العتب، وأكمل:
"...وهو يقضي على شبحٍ خالد كان ينتحل شخصية قائدنا."
"القائد؟ أتقصد غودريك؟"
سأل أحد محاربي سكول بدهشة.
ولأن قبيلة سكول ومملكة فالينغارد كانتا متجاورتين، فقد كان أفراد القبيلة يعرفون قائد الحصن جيدًا.
"غودريك كان شبحًا خالدًا؟! ماذا حدث؟! وأين غودريك الحقيقي؟! هل ما زال حيًا؟"
"يبدو أنه يقصد أن القائد غودريك تحول إلى شبح خالد."
"لا، لقد قال إن الشبح الخالد كان ينتحل شخصية غودريك. إذًا فهذا يعني أن غودريك الحقيقي لا يزال حيًا."
بدأ المستذئبين يتبادلون التعليقات في ما بينهم.
أما فارس فالينغارد، الذي كان يقف مائلًا بسبب إصاباته، فرفع رأسه إلى السماء وأطلق ضحكة فارغة.
في الحقيقة، كان لا يزال مصدومًا من اكتشاف أن قائده الذي وثق به، والفارس الذي عاش معه السراء والضراء، كان في الحقيقة شبحًا خالدًا.
كان كل شيء يبدو له كحلم، حتى إنه لم يستطع استيعاب الواقع.
لكنه شدّ على أسنانه محاولًا استعادة رباطة جأشه.
"الآن ليس وقت الحديث عن مصير القائد غودريك. يمكننا معرفة ذلك لاحقًا."
رفع الساحر لوكاس صوته وهو يصيح:
"المشكلة الحقيقية هي احتمال وجود المزيد من الأشباح الخالدة بيننا! علينا أن نفتش كل مكان فورًا للقضاء على من تبقى منهم، ثم نستعد لأي هجوم قد يأتي!"
مرّت ريح الشمال الباردة فوق ساحة المعركة.
وخلال ذلك، بدا أن نزيف الجروح قد توقف، فبدأ محاربو سكول المصابون ينهضون واحدًا تلو الآخر.
"بحسب ما سمعته، فإن المستذئبين لا تُشل أجسادها ولا تفقد وعيها حتى لو عضّتها الأشباح الخالدة."
عند كلام الساحر لوكاس، كشف محاربو سكول عن أنيابهم وضحكوا.
"ليس الأشباح الخالدة فقط، حتى معظم السموم المشلّة لا تؤثر فينا."
"ألسنا أفضل منكم بمئة مرة؟"
قال أفراد سكول بثقة كبيرة.
لكن ما إن التقت أعينهم بعيني كازار حتى خفضوا أبصارهم بهدوء.
"إذا كانوا يلجؤون إلى التنكر في هيئتنا لإثارة الفتنة، فهذا يعني أن عددهم ليس كبيرًا."
"صحيح. بما أنهم لا يستطيعون سحقنا بالقوة، فهم يلجؤون إلى هذه الحيل."
"لذلك، دعونا نتوقف عن تمزيق بعضنا بعضًا، ونتحد من جديد. فإذا أصبحنا كما كنا في السابق...."
وفي اللحظة التي كان فيها لوكاس يرفع صوته رفع كازار رأسه، الذي كان واقفًا بصمت خلفه، ونظر إلى السماء.
كانت نقاط سوداء صغيرة تقترب شيئًا فشيئًا من الأفق البعيد.
"لقد اكتشفوا أمري أخيرًا."
تمتم كازار مبتسمًا.
ومن سرعة إرسالهم للتعزيزات، بدا أنهم نشروا ساحر الدم في مكان ما بين الجبال الثلجية القريبة.
"إنهم الأشباح الخالدة!"
ما إن فهم فارس فالينغارد كلمة الأشباح الخالدة، حتى رفع رأسه إلى السماء مذعورًا.
"أدخلوا الجميع إلى الحصن! حالًا!"
صرخ كازار في وجه فارس فالينغارد وهو يشير بيده إلى الحصن.
ورغم أنه لم يفهم لغته، أدرك الفارس مقصده فورًا.
وبعد لحظة من التردد، صاح في قائد قبيلة سكول طالبًا منه أن يقود رجاله إلى داخل الحصن.
وكان القائد هو الآخر قد شعر بأن شيئًا مشؤومًا يقترب من السماء.
لذلك أمر أفراد قبيلته بالانسحاب إلى داخل الحصن.
"أيها القائد... حقًا؟! سندخل إلى هناك فعلًا؟"
نظر أفراد قبيلة سكول، الذين كانوا قبل لحظات فقط يحاولون اقتحام الحصن، إلى بعضهم بوجوه مذهولة وهم يستعدون لدخوله.
وبينما كان محاربو سكول الذين رافقوا الساحر لوكاس يهرعون إلى الداخل انقض سرب هائل من الخفافيش السوداء نحو الأرض.
وقبل أن تلامس الأرض بقليل، تحولت وهي تنشر هالة مشؤومة إلى هيئة بشر.
دووووم!
وكان بينهم وحش عملاق بالغ الغرابة، حتى إن العين لم تستطع استيعاب حجمه بالكامل.
***
في أكارون، الواقعة في القارة الجنوبية، البعيدة جدًا عن غرب القارة الشمالية وفي أعماق معبد أبانوس الذي تغلفه هالة شريرة كان رئيس المعبد، ماديريل، يبتسم وهو يرفع شفتيه الحمراوين.
ومن خلال المذبح الأحمر، كان يشاهد ساحة المعركة في القارة الشمالية بوضوح، وكأنه حاضر هناك بنفسه.
"بعد أن أضعتما الكأس المقدسة... زحفتم بكل عناد حتى أرض الجليد القاحلة. كيك... كيك...."
كان ماديريل يعتقد أن التوأمين قد أتيا إلى القارة الشمالية بحثًا عن يد الفساد، إحدى مقدسات بيرناتيس، بدلًا من الكأس المقدسة.
ثم صاح في الوحش الذي كان يزداد تشوهًا وغرابة مع مرور الوقت.
"اذهبي يا فاليريوس! وأذق ذلك التوأم اللعين نفس اليأس الذي ذقتهِ أنتِ!"